سياسة

المؤسسات الاقتصادية في سوريا: إعادة بناء الدولة أم إعادة مركزة للقرار؟

يبدو أن التحول الاقتصادي في سوريا اليوم هو إعادة ترتيب طريقة عمل الاقتصاد نفسه فالتغييرات التي بدأت مع نهاية عام 2024 تمتدّ إلى جذور الاقتصاد أكثر من كونها مجرد إصلاح للمؤسسات الاقتصادية القديمة أو تحديث القوانين الاقتصادية.

فالانتقال هنا هو من اقتصاد متفرع وموزع بسبب الحرب إلى اقتصاد يتم تجميعه وتمركزه تحت بنية مؤسسية مركزية وواحدة تدور ضمنها أغلب القرارات الهامة وترتبط بشكل مباشر بمركز القرار السياسي.

لكن هذا المركز الجديد يتجاوز الشكل التقليدي ويتكون من خلال تهيئة مؤسسات وصناديق وهيئات اقتصادية تعمل ضمن مساحة قريبة من السياسة الاقتصادية الموجهة أكثر من تهيئتها كؤسسات إدارية بيروقراطية عادية، وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة تتشكل فهل نحن أمام إعادة بناء دولة اقتصادية أم أمام إعادة مركزية القرارات الاقتصادية بشكل أكبر وأعقد مما سبق؟

المثير للانتباه هو أن مرحلة إعادة البناء والتحول هذه تحدث ضمن واقع اقتصادي منهك لدرجة كبيرة، تقرير من تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أوضح أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، كما فقد الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أكثر من نصف قيمته منذ بدء الصراع في عام 2011 فيما تضاعفت معدلات البطالة ثلاث مرات حيث أصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلاً عن العمل الآن فيما فاقم تدهور البنية التحتية العامة بشكل كبير من آثار الصراع.

هذا التناقض بين الواقع الحالي من جهة وبين محاولة إعادة البناء من جهة أخرى هو ما يجعل أي قراءة للمؤسسات الاقتصادية الجديدة ترتبط بشكل مباشر بفهم طبيعة المرحلة بحد ذاتها.

المؤسسات الاقتصادية في سوريا: من اقتصاد موزع إلى المركزية

 يرى مركز جسور للدراسات في دراسة جديدة أعدها أن الاقتصاد السوري لم يعد يمكن وصفه باقتصاد “متضرر من الحرب” وإنما أصبح اقتصاد تغيرت بنيته خلال سنوات الحرب، فبدلاً من النموذج المركزي الذي تديره الدولة من خلال مؤسساتها التقليدية، أصبح هناك نموذج متعدد المراكز وتتوزع فيه مراكز القرار الاقتصادي، وهذا التوزع لا يمكن اعتباره حالة من الفوضى لأنه تحول بشكل تدريجي إلى نظام عمل ظهرت فيه شبكات التهريب ودوائر النفوذ المحلية التي تتحكم بجزء جيد من التجارة والخدمات.

ومع مرور الوقت تحولت هذه التعددية إلى منظومة أكثر تعقيداً وتشعباً، وما يحدث اليوم هو محاولة لإعادة جمع وتمركز هذه التشعبات ضمن مركزية وبنية واحدة وذلك من خلال إنشاء مؤسسات اقتصادية موازية للوزارات في أهميتها وتتمحور بينها صنع القرار مثل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية والصندوق السيادي وصندوق التنمية، إلا أن المشكلة تكمن بإعادة توزيع السلطة الاقتصادية بطريقة غير صحيحة.

الصناديق الاقتصادية وضبابية الرقابة

تتجه الدولة اليوم إلى الاعتماد بشكل كبير ومتزايد على هذه الصناديق الاقتصادية وتعتبرها أدوات لإدارة الاستثمار وتمويل المشاريع الكبرى ويُستخدم هذا النموذج بشكل موسع في العديد من الدول لكن بعضها لا يتم بشكل صحيح ويؤدي إلى تراجع الاقتصاد بشكل عام.

وهذا ما حدث في العراق بعد عام 2003 حيث أُعيد تشكيل مؤسسات اقتصادية وإنشاء البعض الآخر إلا أن هذه الخطوات لم تكن كافية وحدها لتحقيق التعافي الاقتصادي بسبب ما رافق ذلك من ضعف من الإدارة والفساد وغيرها من الأسباب التي جعلت من الآثار الإيجابية للإصلاحات المؤسسية محدودة.

لكن في الحالة السورية كما تشير دراسة جسور فما يزال مستوى الإفصاح محدوداً سواء على مستوى العقود أو المشاريع أو آليات اختيار الشركاء وهو ما يجعل تقييم الأداء الاقتصادي لهذه المؤسسات أمراً صعباً حتى الآن، لا سيما وأن هذه الصناديق والمؤسسات لا تعمل كأدوات للتمويل وإنما كجهات تنفيذ واستثمار وإدارة في ذات الوقت مما يجعلها أقرب ما تكون إلى مراكز قرار اقتصادية شاملة في الوقت الذي يجب أن يكون هناك بنية مؤسساتية واضحة ومقسمة وفقاً للتخصصات والمهام ويُنشر فيها مختلف التفاصيل المالية بشكل دوري بما فيها الأرباح والخسائر وهياكل الاستثمارات وهو أمر غير متوفر حتى الآن في سوريا.

الاقتصاد غير المشروع

يتعلق الجزء الأول من التحول بإعادة تشكيل المؤسسات أما الجزء الثاني والذي لا يقل أهمية عن سابقه فهو يتعلق بمحاولة تفكيك الاقتصاد غير المشروع الذي نما خلال سنوات الحرب.

وقد أصبح هذا الاقتصاد جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية اليومية سواء المعابر غير النظامية، شبكات التهريب، شبكات الوساطة وأسواق الظل، حيث شكلت بمجملها بنية موازية للاقتصاد الرسمي ويمكن القول إنه وفي بعض الأحيان كانت أكثر فعالية منه.

وفي هذا السياق، تؤكد دراسة جسور أن مسار تفكيك الاقتصاد غير المشروع في سوريا يتوزع بين المحورين الرئيسيين وهما شبكات الكسب غير المشروع من جهة واقتصاد التهريب من جهة أخرى بوصفهما جزءاً من بنية اقتصادية موازية تشكلت خلال سنوات الحرب.

فمن الناحية الأولى يجري العمل على استعادة الأصول والأموال المرتبطة بشبكات النفوذ الاقتصادي السابقة من خلال أدوات قانونية مثل لجنة الكسب غير المشروع وبرامج التسويات وإعادة دمج بعض الأصول والشركات ضمن مؤسسات الدولة على الرغم من عدم وضوح معايير التقييم وآليات الإدارة والرقابة على هذه العمليات.

ومن الناحية الأخرى فتتجه السياسات الاقتصادية باتجاه ضبط حركة التهريب وتنظيم المعابر والجمارك وتوحيد إدارتها ضمن إطار مركزي في محاولة حكومية لاستعادة السيطرة على المعابر رغم مواجهتها لواقع معقد، خاصة أن الاقتصاد غير المشروع لا يمكن اعتباره نشاطاً هامشياً، فقد شكّل لسنوات جزءاً من البنية الاقتصادية والاجتماعية في عدد من المناطق الحدودية وشكلت السلع المهربة في الأسواق نسبة تتراوح بين 70 و80% من السلع المستوردة في ظل ضعف الرقابة الجمركية وتعدد المعابر غير النظامية خلال السنوات السابقة.

وخلال الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية شملت عمليات التهريب قطاعات أوسع مثل سرقة قطع أثرية من المتحف الوطني بدمشق وتهريب الآثار بشكل عام بالتوازي مع إجراءات أمنية وتنظيمية اتخذتها وزارتَا الثقافة والداخلية.

تحديات المؤسسات الاقتصادية الجديدة

من أكثر النقاط التي تظهر في قراءة دراسة جسور هو وجود فجوة واضحة ما بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن التعافي الاقتصادي وبين الواقع الفعلي على الأرض، خاصة أن تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن الاقتصاد السوري ما يزال في حالة هشاشة مع ضعف في النمو وغياب استقرار اقتصادي مستدام، ويتوافق ذلك مع تقارير الأمم المتحدة التي تشير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز مئات المليارات من الدولارات وهو رقم يعكس حجم الفجوة بين الواقع الحالي وأي تصور للتعافي السريع.

يضع هذا التباين المؤسسات الاقتصادية الجديدة أمام تحديات جمّة سواء تلك التي تتعلق بإنشاء مؤسسات وصناديق جديدة أو بطبيعة العمل الخاصة بهذه المؤسسات التي ما تزال تحت آثار المحسوبية حتى بعد التحولات الأخيرة، وهذا ما يجعل من عملية الرقابة حساسة في العهد الجديد خاصة أن جزءاً كبيراً من المؤسسات انتقلت إدارته إلى كيانات وأشخاص مرتبطين بمركز القرار الأعلى في سوريا وما يرافق ذلك من شحّ في المعلومات والبيانات المتوفرة حول هذه المؤسسات وعملها.

وفي السياق ذاته نجد إشكالية تتعلق بمركزية القرار بوصفها إحدى أبرز ملامح التحول الحالي ويشير تحليل المركز إلى أن انتقال مركز القرار الاقتصادي من الوزارات التقليدية إلى صناديق وهيئات ذات طابع أهم أدى إلى تقليص مساحة المشاركة المؤسسية، مما يجعل دور الوزارات في بعض الحالات أقرب إلى إدارة الجوانب التنفيذية والخدمية مقارنة بالكيانات التي تدير الموارد والاستثمارات الكبرى.

وهناك جانب آخر تتوضح فيه آثار التضارب بين السياسة النقدية والمالية هو التداخل بين مهام وزارة المالية والمصرف المركزي وعدم الفصل بين السياسة النقدية والسياسة المالية في ظل غياب فصل واضح بين صلاحيات وزارة المالية والمصرف المركزي في عدد من الملفات المرتبطة بإدارة السيولة والضرائب والحركة المصرفية.

أما على مستوى الاقتصاد غير المتوازن جغرافياً فتشير جسور إلى أن الانقسام الإداري والجغرافي خلال سنوات الحرب أنتج اقتصاداً متعدد المراكز تختلف فيه قدرة المناطق على الوصول إلى الموارد والخدمات والبنية التحتية مما جعل من عملية توحيد السياسات الاقتصادية ترتبط بقدرة الدولة على إعادة دمج هذه التباينات ضمن إطار اقتصادي واحد، وهذا الأمر يتطلب معالجة الفوارق في البنية الإنتاجية والخدمية بين المناطق.

بناءً على القراءات التحليلية، تبدو عملية إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية في سوريا محاولة لتعزيز تركيز القرار الاقتصادي ضمن مراكز ومؤسسات ضيقة وهو ما يثير المخاوف بشكل واقعي من خلق واقع اقتصادي يميل إلى تقليص الأدوار المؤسسية لصالح مؤسسات مركزية، مما يضعف من الرقابة ويحد من فعالية صنع القرار الاقتصادي على المدى الطويل.

ومع استمرار المشاكل المرتبطة بتداخل الصلاحيات وتفاوت الواقع الاقتصادي بين المناطق يصبح هذا المسار أكثر عرضة لخلق فجوات جديدة بدلاً من معالجتها، لذلك فإن عملية الإصلاح الاقتصادي تحتاج إلى مساحة أوسع من التوازن المؤسسي وتوسيع المشاركة والرقابة لضمان عدم إعادة إنتاج أساليب اقتصادية أدارت البلد لسنوات وتسببت بتراجعه.

اقرأ أيضاً: مستقبل الصناعة السورية.. هل تقود المدن الصناعية الجديدة مرحلة التعافي الاقتصادي؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى