الليشمانيا في حلب… الأزمة الصحية تعكس الواقع الخدمي

بقلم: ريم ريّا
في أعقاب الزيادة الملحوظة في حالات الإصابة بداء الليشمانيا في محافظة حلب، أعادت السلطات المحلية إطلاق حملات مكافحة المرض لوقف انتشاره، والذي يعد من أبرز المشاكل الصحية المزمنة في المدينة. ويأتي هذا الإجراء في ظل تدهور الأوضاع البيئية والخدمات، مما يجعل مكافحة المرض تحدياً يتجاوز الحلول التقليدية. ونظراً لتزايد عدد الحالات والخطط المعلنة، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه الحملات على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
تصاعد الإصابات: مؤشر على خلل بنيوي مستمر
تكشف البيانات المنشورة حول انتشار داء الليشمانيا عن مشكلة تتجاوز الطبيعة الموسمية للمرض، مُسلطةً الضوء على قصورٍ كبير في قطاعي الصحة والخدمات. فمع تسجيل ما يقارب 26.000 حالة في عام واحد، استمر هذا الرقم في الارتفاع في العام التالي، مما يظهر عدم كفاية التدابير السابقة لاحتواء المرض بفعالية.
ويرتبط هذا الارتفاع ارتباطاً وثيقاً بالظروف البيئية، حيث توفر المناطق المصابة، المحاطة بتراكمات القمامة والنفايات، بيئةً مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للمرض. لذا، فإن داء الليشمانيا في هذه المنطقة ليس مجرد مرض جلدي، بل هو نتيجة مباشرة لتدهور البنية التحتية والخدمات الأساسية.
اقرأ أيضاً: بين التهويل والإصابة: كيف نحمي أنفسنا من مرض الجرب؟
حملات المكافحة: استجابة ضرورية لكنها غير كافية
يظهر تبني برنامج شامل لمكافحة داء الليشمانيا، يشمل التبخير والتوعية الصحية وتوفير الأدوية، اعترافاً رسمياً بخطورة الوضع. مع ذلك، تعد هذه التدابير، على الرغم من أهميتها، جزءاً من استجابة قصيرة الأجل تهدف إلى الحد من الآثار بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية.
فعلى سبيل المثال، ستظل حملات التبخير محدودة الفعالية إذا استمرت مواقع تكاثر الحشرة، ويعود ذلك في الغالب إلى سوء الصرف الصحي وتراكم النفايات. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الحملات الموسمية سيؤدي إلى تفاقم المشكلة عاماً بعد عام بدلاً من القضاء عليها نهائياً.
البيئة والخدمات: الحلقة الأضعف في المواجهة
تبرز تجربة حلب مع داء الليشمانيا العلاقة الوثيقة بين الصحة العامة وحالة الخدمات العامة. يرتبط انتشار المرض ارتباطاً مباشراً بوجود مكبات النفايات المكشوفة، والمباني المتهالكة، وسوء إدارة النفايات. وهي عوامل لا يستطيع القطاع الصحي معالجتها بمفرده.
لذلك، يجب أن تتجاوز أي استراتيجية فعّالة لمكافحة المرض النهج الطبي البحت، وأن تشمل إصلاحات أوسع نطاقاً للبنية التحتية للخدمات والبيئة. ويظل تحقيق هذا التكامل هدفاً صعباً، نظراً للتحديات الاقتصادية والإدارية، مما يجعل داء الليشمانيا مرضاً متوطناً يعكس شدة الأزمة بدلاً من كونه مشكلة صحية عابرة.
التوعية المجتمعية: الحلقة المنسية في كسر دورة العدوى
رغم تركيز الخطط المعلنة على الجوانب الميدانية كالرش وتأمين الأدوية، يبقى دور التوعية المجتمعية عنصراً حاسماً غالباً ما يتم التعامل معه بشكل ثانوي. إذ إن سلوك الأفراد في التعامل مع البيئة المحيطة، من حيث إدارة النفايات أو الوقاية الشخصية، يلعب دوراً مباشراً في الحد من انتشار المرض.
ومع غياب حملات توعية مستمرة وفعالة، تبقى الجهود الرسمية ناقصة، خاصة في الأحياء الأكثر تضرراً التي تحتاج إلى تغيير أنماط السلوك اليومي إلى جانب تحسين الخدمات. وبالتالي، فإن نجاح أي استراتيجية لمكافحة الليشمانيا لا يعتمد فقط على الإجراءات التقنية، بل على إشراك المجتمع كطرف فاعل في الوقاية.









