أعمال واستثمار

الليرة السورية بين التعافي الوهمي والتراجع الحقيقي .. ماذا ينتظر الاقتصاد السوري؟

بقلم: ديانا الصالح

سجلتِ الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً في قيمتها عقب انتهاء عيد الفطر، وهو ما عزاه ناشطون محليون إلى انخفاض وتيرة التحويلات الخارجية من المغتربين لأقاربهم في الداخل، بالتوازي مع ما تم وصفه بالقرارات الارتجالية، والتي تجلت في التخبط حيال قرار فوترة وقود المحطات بالدولار قبل التراجع عنه، إلى جانب حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من منطقية التأثر بما سبق، إلا أنها تبقى ارتدادات لأسباب جوهرية أعمق، تتعلق بالخلل الهيكلي الذي يعانيه الاقتصاد السوري الهش وفقاً لما يراه خبراء اقتصاديون، وفي هذا السياق، تثور عدة تساؤلات ملحّة: ما مدى قدرة صمود الليرة السورية أمام الخضات الداخلية والخارجية؟ وما هي الحلقة المفقودة بين السياسة النقدية والواقع المعيشي المتردي؟

للمزيد من التفاصيل حول الجذور الحقيقية لانخفاض قيمة الليرة السورية، تابع مقالنا التالي..

انخفاض قيمة الليرة السورية

ارتفع سعر صرف الدولار الواحد مقابل الليرة السورية ليسجل 12470 ليرة سورية مبيعاً في السوق الموازي، مع ثبات قيمته في المصرف المركزي عند 11000 ليرة، مما يثير الجدل بين الأوساط الاقتصادية حول نجاعة السياسات الاقتصادية ودورها في الحد من تقلبات سعر الصرف وتداعياته على الوضع المعيشي.

ويأتي انخفاض قيمة الليرة السورية بعد استقرار نسبي حققته قبل فترة عيد الفطر، وصمود ملحوظ خلاله، نتيجة لدور التحويلات الخارجية في توفير سيولة دولارية وتحقيق هامش من الاستقرار المؤقت للسوق، وفقاً لما يراه متعاملون.

كما كان لقرار فوترة تسديدات محطات الوقود بالدولار قبل التراجع عنه، أثر بالغ في انخفاض قيمة الليرة السورية، حيث ارتفع سعر الصرف بشكل ملحوظ إلى نحو 12500 ليرة خلال أيام من إلزامية الدفع بالدولار، حسبما يشير الباحث الاقتصادي علي محمد.

بالتالي، فإن تراجع وتيرة التحويلات الخارجية إلى جانب تداعيات قرار دولرة فواتير وقود المحطات، يُعتبران ضربة موجعة لليرة السورية المتعافية بشكل وهمي وفقاً لما يصفه الخبير الاقتصادي محمد العلبي، الذي ذهب بعيداً ليفكك جذور الأزمة الحقيقية المتمثلة بالسياسات الاقتصادية ذاتها.

بين تداعيات انتهاء العيد وآثار فوترة المحطات بالدولار التي تحتاج فترة زمنية للزوال إلى جانب التوترات العالمية، تبرز أزمة أعمق تتعلق بجذور الاقتصاد الوطني، حيث يشير خبراء اقتصاديون إلى أن التبعية للخارج مع استمرار ضعف الإنتاجية المحلية هما لبّ المشكلة وجوهرها.

جذور الأزمة الحقيقية

وفقاً للقراءات التحليلية، فإن الأسباب الكامنة وراء تراجع الليرة السورية تتعدى كونها ظرفية، فهي تتعلق باستمرار ضعف الإنتاج المحلي وغياب وسائل الدعم للفلاح والصناعي، مع فتح باب الاستيراد دون ضوابط تحفظ حق المنتج المحلي أو تحميه من المنافسة غير العادلة في ظل التكاليف الإنتاجية المرتفعة، فضلاً عن غياب التنسيق بين أدوات السياسات الاقتصادية (المالية والنقدية)، مما يحولها إلى تكريس للأزمات الاقتصادية بدلاً من إدارتها الفعالة، لا سيما سياسة تجفيف السيولة التي اتبعها المصرف المركزي وفقاً لما يراه الخبير الاقتصادي جورج خزام.

وفي هذا الصدد، يحذر خزام عبر منشور له على فيسبوك من سيناريوهات أكثر قلقاً في حال البقاء على سياسة دعم الاستيراد على حساب التصنيع المحلي، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل انخفاض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، لا سيما في حالة التضخم النقدي المتزايد التي تعانيها تركيا اليوم، مشيراً إلى احتمال إغراق الأسواق السورية بالمزيد من البضائع التركية تخفيفاً لآثار التضخم النقدي التركي، على حساب زيادة تضخم الاقتصاد السوري.

تلك المخاوف ترجمتها مناشدات سابقة لصناعيي حلب، بعد إغراق الأسواق المحلية بالبضائع المستوردة، مما جعلها تضييقاً جلياً عليهم، محذرين من إغلاق ما تبقى من المصانع نتيجة للمنافسة غير العادلة التي يفرضها الاستيراد في ظلّ ارتفاع التكاليف الإنتاجية والتشغيلية، مما يمثل خطراً محدقاً بالصناعة الوطنية، حسبما يؤكد رئيس غرفة صناعة حلب عماد طه القاسم.

كما يوضح المحلل الاقتصادي، أن ارتفاع الدولار البطيء حقيقي، وهو ناتج عن تراجع الإنتاج الوطني إلى جانب زيادة الطلب على العملة الأجنبية لأغراض الاستيراد، مقابل شحّ المعروض منها، مبيناً أن الحوالات الخارجية هي مصدر غالبية الدولار في السوق، وليس الصادرات، مما يعكس اتجاهاً اقتصادياً غير صحي.

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد العلبي أن انخفاض قيمة الليرة السورية رغم تقييد السيولة وضخّ المزيد من العملة القديمة مجدداً في الأسواق، يعكس مدى حجم التحديات القادمة، مشيراً إلى احتمال عدم القدرة على ضبط السعر نتيجة لتراجع الإنتاج وفتح باب الاستيراد دون موازنة صحية.

الحلول المقترحة

يجمع خبراء الاقتصاد على صعوبة وضع توصيات لتوجيه البوصلة المؤسساتية نتيجة لغياب الأرقام وقواعد البيانات، إلا أن هناك عدة توصيات شدد الباحث خزام على اتباعها والتي تتمثل بإعادة النظر في السياسات الاقتصادية القائمة والعمل على إصلاحها، بما يدعم الإنتاج المحلي، وتحقيق توازن الاقتصاد الوطني، مما ينعكس مباشرةً على سعر الصرف من جهة وتحقيق النمو المستدام على المدى البعيد من جهة أخرى.

وفي رأي موافق، يقترح الخبير الاقتصادي العلبي، توصيات استراتيجية بعيدة المدى لبناء اقتصاد صحي شامل، تتمثل فيما يلي:

  • اعتماد مبدأ الشفافية من خلال نظام إحصائي يتمتع بالاستقلالية، ليتسنى للخبراء تكوين صورة واضحة عن الوضع الاقتصادي وإبداء الآراء السديدة والاقتراحات الإصلاحية السليمة.
  • ترسيخ التشاركية إلى جانب الاستفادة من الخبرات المحلية في الداخل أولاً والخارج ثانياً، لتطوير العمل المؤسساتي واتخاذ القرارات المدروسة.
  • اتخاذ إجراءات إصلاحية حقيقية للقطاع المصرفي، إضافة إلى الانطلاق من خطة مدروسة لتحرير سعر الصرف.
  • حماية الفئات الاجتماعية الهشة عبر تبني سياسات مالية اجتماعية منطقية تعيد صياغة الدعم.
  • حماية أعمدة الاقتصاد السوري كالصناعة والزراعة عبر إطلاق سياسة استراتيجية تضمن إعادة التشغيل والحماية مؤقتاً.
  • حماية التنافسية المحلية من خلال الضبط الذكي للانفتاح التجاري، أي وضع ضوابط على الاستيراد والتصدير بما يضمن حماية الإنتاج المحلي والمنافسة العادلة.
  • توظيف التحويلات الخارجية التي يرسلها المغتربون لأقاربهم في الاستثمار بدلاً من الاستهلاك، مما يحقق فوائد على المديين القصير عبر تنشيط السوق وتلبية احتياجات الأسر، والطويل لتقوية الاقتصاد من خلال دعم المشاريع الاستثمارية.
  • اعتماد إدارة مؤسساتية وسياسات اقتصادية، قائمة على الكفاءة والخبرة العملية وليس على الولاء، لضمان تحويل المقترحات السابقة إلى واقع ملموس.

ارتفاع سعر الصرف المستهلك

إن حالة عدم اليقين بالليرة السورية تدفع التجار بشكل مسبق إلى التعامل مع أي تقلّب كمصدر تهديد، بالتالي ينقلون الارتفاع إلى رفوف المحال لتثقل كاهل المواطنين، فهو الخاسر الأكبر في تلك الدوامة اللامتناهية.

وهذا ما التُمس بأسعار عدة منتجات سجلت تحليقاً جديداً، حيث ارتفع سعر الزيت النباتي بنسبة 5%، إلى جانب أسعار السكر والأرز مع المنظفات التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 10%، كذلك الأمر بالنسبة لسعر القهوة بمعدل 9.1%.

الجدير بالذكر أن نسبة خسائر قيمة الليرة السورية وصلت إلى أكثر من 99% منذ 2011، فيما كان سعر صرف الدولار 50 ليرة قبل سنوات الحرب، مما يعكس حجم الخضات التي تعرضت لها العملة المحلية على مدار 14 عاماً.

يبدو أن مسألة انخفاض قيمة الليرة السورية تخطت حدود الأسباب الشكلية، فهي تتعلق بأزمات عميقة تتطلب إصلاحاً مستنداً إلى خطة استراتيجية شاملة تضمن تعافي الإنتاج الوطني، من خلال الانطلاق بسياسات مالية ونقدية صحية توازن بين العرض والطلب، وتخلق نمواً اقتصادياً حقيقياً لا وهمياً.

اقرأ أيضاً: البطالة في سوريا أرقام صادمة ومسارات مفتوحة على المجهول

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى