الليرة السورية أمام أسبوع تعافٍ: هل التحسن النقدي قابل للاستمرار أم ظرفي؟

الكاتب: أحمد علي
سجلت الليرة السورية تحسناً واضحاً في الأسبوع الأخير من حزيران 2026، بعدما تراجع سعر الدولار في السوق الموازية بدمشق من نحو 14,310 ليرات للبيع في 22 حزيران إلى نحو 13,050 ليرة في 28 حزيران. الحركة لافتة لأنها جاءت بعد موجة ضغط سابقة، ولأنها تزامنت مع مرحلة حساسة في استبدال العملة القديمة بالجديدة. السؤال العملي الآن هو ما إذا كان هذا التحسن بداية هدوء نقدي، أم تصحيحاً قصير الأجل داخل سوق ما زالت تتحرك بسرعة أمام الأخبار والتوقعات والطلب على الدولار.
الليرة السورية ماذا تغير؟
بحسب بيانات أسعار الصرف التي نقلت عن السوق الموازية، سجل الدولار في دمشق يوم 22 حزيران 2026 نحو 14,250 ليرة للشراء و14,310 ليرات للبيع. وبعد أقل من أسبوع، وصل يوم 28 حزيران إلى نحو 12,950 ليرة للشراء و13,050 ليرة للبيع. هذا يعني أن سعر الدولار انخفض في السوق بنحو 1,260 ليرة خلال أيام قليلة، أي ما يقارب 9% من سعر البيع المسجل في بداية الأسبوع.
وهذا التحرك ينبغي فهمه ويحتاج إلى قراءة هادئة. فالسوق السورية لا تملك سعراً واحداً مستقراً يمكن اعتماده في كل المحافظات، والفارق بين دمشق والحسكة بقي ظاهراً في البيانات المنشورة يوم 28 حزيران، حيث سجل الدولار في الحسكة 13,300 ليرة للبيع. اختلاف الأسعار بين المحافظات ليس جديداً، لكنه يذكّر بأن التحسن في العاصمة لا يعني بالضرورة أن كل السوق تحركت بالدرجة نفسها.
في النشرة الرسمية، عرض مصرف سورية المركزي يوم 29 حزيران سعر الدولار عند 122 ليرة سورية جديدة. وقبل ذلك بيوم، نقلت العين الإخبارية أن السعر في البنوك كان 118.50 ليرة جديدة للشراء و119.50 للبيع، أي ما يعادل 11,850 و11,950 ليرة بالليرة القديمة. الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية بقيت قائمة، حتى مع تحسن الليرة. هذه الفجوة مهمة لأنها تؤثر في سلوك المتعاملين. عندما يكون سعر السوق أعلى من السعر الرسمي، يصبح لدى التجار والأفراد حافز لمتابعة السوق الفعلية أكثر من النشرة الرسمية، خاصة في عمليات الاستيراد والتسعير وحفظ المدخرات.
أسباب الضغط السابق ما زالت حاضرة. وسائل إعلام محلية نقلت في 10 حزيران عن الخبير الاقتصادي محمد فقيه أن الليرة تعرضت لضغط بسبب اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وارتفاع الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد، وضعف الصادرات، وتراجع موارد القطع الأجنبي. كما أشار التقرير إلى أثر التوقعات والمضاربة، وإلى حالة الترقب المرتبطة بعملية استبدال العملة. هذه العوامل لا تختفي خلال أسبوع واحد، حتى لو تراجع سعر الدولار عدة أيام.
بين النقد والسوق
التغيير النقدي في سوريا لا ينفصل عن عملية استبدال العملة. رويترز كانت قد نقلت في كانون الأول 2025 أن سوريا ستبدأ استبدال الأوراق النقدية القديمة اعتباراً من 1 كانون الثاني 2026، ضمن خطة لإصدار عملة جديدة وحذف صفرين، في محاولة لإعادة بناء الثقة بالليرة. وقبل ذلك، ذكرت رويترز في أيلول 2025 أن الليرة خسرت أكثر من 99% من قيمتها منذ 2011، وأن سعر الصرف كان يدور حول 11 ألف ليرة للدولار، بعدما كان نحو 50 ليرة قبل الحرب.
هذه الخلفية تجعل أي تحسن جديد مرتبطاً بثقة الناس في مسار النقد كله. مصرف سورية المركزي أكد، وفق ما نقلته وسائل إعلام عدة عن بيانه في حزيران، أن العملة القديمة تبقى صالحة للتداول حتى نهاية يوم 30 تموز 2026، وأن حامليها يستطيعون استبدالها بعد ذلك لدى المصرف المركزي لمدة خمس سنوات وفق آليات ستعلن لاحقاً. هذا النوع من البيانات يهدف إلى تهدئة السوق ومنع الشائعات، لكنه يحتاج إلى تنفيذ واضح في المصارف وشركات الصرافة ونقاط الاستبدال.
والسوق لا يتأثر بالقرارات النقدية وحدها، فالمواطن الذي يحتفظ بالليرة يسأل عن الأسعار، والتاجر يسأل عن كلفة الاستيراد، وصاحب الدخل الثابت يسأل عن القدرة الشرائية بعد كل موجة ارتفاع. إذا تحسنت الليرة ولم ينعكس ذلك على أسعار السلع الأساسية، فسيتعامل الناس مع الحركة بوصفها خبراً في نشرات الصرف أكثر منها تغيراً في حياتهم اليومية. أما إذا استقر السعر فترة أطول وتراجع طلب التجار على الدولار، فقد تبدأ الأسعار بالتقاط إشارة مختلفة، ولو ببطء.
هناك عامل آخر يتعلق بالحوالات. في 8 حزيران، أعلن مصرف سورية المركزي إتاحة استلام الحوالات الخارجية بالليرة السورية أو بالقطع الأجنبي وفق رغبة المستفيد. هذا القرار قد يساعد في جذب جزء من الحوالات إلى القنوات الرسمية إذا كانت الإجراءات سهلة والسعر مقبولاً. لكنه لن يكون كافياً إذا بقي الفرق بين الرسمي والموازي واسعاً، أو إذا بقيت الثقة بالمصارف وشركات الصرافة محدودة.
التحسن الأخير قد يكون مدعوماً بجملة عوامل قصيرة الأجل. منها تراجع المضاربة بعد موجة ارتفاع، ومنها انتظار السوق لنهاية مرحلة العملتين، ومنها أثر التصريحات الرسمية التي حاولت تنظيم التعامل مع العملة القديمة. وقد تكون هناك عوامل سياسية واقتصادية أوسع، مثل خطوات إعادة وصل سوريا بالنظام المالي الخارجي وعودة بعض العلاقات التجارية. رويترز نقلت في أيار 2026 أن الاتحاد الأوروبي اتجه إلى استعادة علاقات تجارية أوسع مع سوريا وإعادة تفعيل اتفاق تعاون كان معلقاً منذ 2011. مثل هذه الخطوات تمنح السوق سبباً للتفاؤل، لكنها لا تنتج استقراراً نقدياً مباشراً من دون تدفقات فعلية من العملة الأجنبية وتحسن في الإنتاج والتجارة.
الاستمرار يحتاج إلى موارد
كتب مركز كرم شعار الاستشاري في كانون الثاني 2026 أن الليرة السورية شهدت تحسناً مقارنة بفترة ما قبل سقوط السلطة السابقة، لكنه أشار إلى أن التحسن المدفوع بالتفاؤل السياسي غالباً ما تلته عودة تدريجية للضغط بسبب العوامل الاقتصادية الأساسية. هذه الملاحظة تساعد في قراءة أسبوع التعافي الأخير. تحسن السعر مهم، لكن استمراره يتوقف على العرض والطلب على الدولار، لا على المزاج وحده.
المشكلة الأساسية أن الاقتصاد السوري ما زال بحاجة إلى قطع أجنبي لتمويل الاستيراد وإعادة تشغيل الإنتاج. الصادرات محدودة، والاستثمار لم يستعد زخمه بعد، والتحويلات الخارجية تحتاج إلى قنوات موثوقة وأسعار مشجعة. كلما ارتفعت حاجة السوق للدولار ولم تقابلها موارد مستقرة، يعود الضغط على الليرة. لذلك لا يكفي أن ينخفض سعر الدولار عدة أيام كي تتغير قاعدة الحركة في السوق.
هناك أيضاً أثر مباشر للسياسة النقدية على الثقة. إذا استطاع المصرف المركزي تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي تدريجياً، وتوفير قنوات واضحة للحوالات والصرافة، وتخفيف حالة الترقب المرتبطة باستبدال العملة، فقد يصبح التحسن أقل هشاشة. أما إذا بقيت القرارات غير مفهومة للناس، أو بقيت الإجراءات متغيرة من أسبوع إلى آخر، فستظل السوق معرضة للعودة إلى الدولار عند أول موجة قلق.
التحسن قابل للاستمرار إذا تحولت الحركة الأخيرة إلى مسار أوسع. المطلوب أن تستقر النشرة الرسمية قريباً من السعر الذي يتعامل به السوق، وأن تصبح الحوالات أكثر انسياباً عبر القنوات النظامية، وأن تتراجع حاجة المستوردين إلى شراء الدولار من السوق الموازية، وأن تظهر مؤشرات إنتاج وتصدير قادرة على إدخال عملة أجنبية. هذه شروط عملية وليست مطالب نظرية، لأن سعر الصرف في اقتصاد ضعيف الإنتاج يتأثر بسرعة بأي نقص في الموارد.
الخلاصة أن الليرة السورية أنهت الأسبوع الأخير من حزيران بصورة أفضل مما بدأته، لكن التحسن ما زال بحاجة إلى وقت كي يثبت نفسه. الانخفاض من أكثر من 14 ألف ليرة للدولار إلى حدود 13 ألفاً في دمشق يعطي إشارة مهمة للسوق، لكنه لا يحسم اتجاه الأشهر المقبلة. الاستقرار يحتاج إلى إدارة نقدية واضحة، وإلى موارد أجنبية منتظمة، وإلى إنتاج قادر على تخفيف ضغط الاستيراد. من دون ذلك سيبقى التعافي معرضاً للتراجع، حتى لو بدا في بعض الأيام قوياً وسريعاً.
اقرأ أيضاً: الليرة الجديدة بين الثقة والتعثر: لماذا مُددت مهلة استبدال العملة؟









