المطبخ السوري

اللحمة بكرز.. حين ينتقل الكرز بين حلب وإدلب فمن صاحب الوصفة الأولى؟

بقلم: ريم ريّا

هناك أطباق تؤكل بصمت، وأخرى تؤكل مع قصة. واللحمة بكرز طبق ينتمي إلى فئة الطعام الذي يؤكل مع نقاش طويل. هذا الطبق يكاد لا يُذكر اسمه حتى يتبعه السؤال المعتاد: من أين جاءت هذه الطبخة أصلاً؟

سرعان ما يبتسم الإدلبيون بثقة ويشيرون بابتهاج إلى جبال أريحا حيث تنمو ثمار الوشنة الحامضة التي تعطي الميزة للطبق. فيقول أهل إدلب أن الحكاية ببساطة بدأت من عندهم، بين بساتين الكرز الصغيرة المتناثرة على سفوح الجبل. لكن الحلبيين لديهم رواية مختلفة ربما أكثر حماسة إن لم نقل “تعصباً”. فالبنسبة لهم اللحمة بكرز ليست مجرد طبق عابر، بل واحدة من الأطباق التي تحمل رح المطبخ الحلبي الذي اعتاد طويلاً أن يزاوج بين اللحم والفاكهة بمهارة منقطعة النظير.

ومن هنا بدأت الحكاية الطريفة بين المدينتين، إدلب تقول الكرز منها، وحلب ترد بصوت جَهوري “الطبخة حلبية”. وبين هذا وذاك، بين كرز إدلب ونَفس حلب، يبقى طبق “اللحمة بكرز” من الأطباق المميزة في المطبخ السوري عموماً. لنتعرف عليه أكثر في هذا المقال.

بين حموضة الكرز ووضوح طعمة اللحم وُلدت اللحمة بكرز

في المطبخ السوري، هناك أطباق كثيرة تمزج بين النكهات المتنوعة، الحلوة والمالحة والحامضة. لكن اللحمة بكرز تبقى الأكثر غرابة وإثارةً للفضول. الفكرة وحدها تبدو غير مألوفة: كرات من اللحم الضأن، يتم طهيها في صلصة مصنوعة من ثمار الكرز الحامضة تعرف باسم “الوشنة”، وتقدم فوق خبز مقطع ومحمص، ثم تُزين بالبقدونس والمكسرات.

لتشكل هذه الوجبة، لوحةً من التوازنات الدقيقة. طعم اللحم الدسم وحموضة الكرز، ليأتي الخبز المقطع والموضوع أسفل الطبق ويمتص الصلصة المركزة، بانتظار حبات الصنوبر أو اللوز، ليصبح الطبق أقرب إلى وليمة صغيرة تحمل روح المطبخ السوري المتنوعة.

الجدير بالذكر، أن اللحمة بكرز ليست طبقاً يومياً في البيوت السورية، بل وجبة مرتبطة بأغلب الأحيان بالمناسبات ومواسم توفر الكرز الطازج الحامض. فهي رمز من رموز المطبخ التقليدي السوري المعتمد على المكونات الطبيعية والموسمية.

اقرأ أيضاً: من قِدر المطبخ إلى ذاكرة المدينة.. المامونية الحلبية

لحمة 1

جذور قديمة!.. بين حلب وإدلب من صاحب الطبق؟

تشير بعض الروايات إلى أن هذا الطبق موجود منذ أيام العهد العثماني، أي منذ أكثر من 100 عام وأن أصله من غازي عينتاب التركية. ومع مرور الزمن تنقل بين المجتمعات وصولاً إلى حلب، وكان الطبق الرئيسي على موائد الأرمن واليهود السوريين الذين حافظوا على وصفته التقليدية ونقلوه معهم إلى المهجر.

السوريون يحبون الجدال في أصول الأطباق التقليدية، من باب الفخر وتأكيد الأصالة. ومن هنا من جديد نعود للصراع بين مدينتي حلب وإدلب حول من أين جاءت اللحمة بكرز أولاً؟

أهالي حلب ينظرون إلى هذا الطبق باعتباره جزءاً إصيلاً من مطبخهم، ويقيسون ذلك على قدرتهم على المزج بين اللحم والفواكة، مثل الكبة السفرجلية والكبة السماقية. لذلك يرون أن هذا الطبق يحمل بصمة المطبخ الحلبي، سواء في طريقة إعداد الكبب أو بطريقة تقديمه.

النظرة الحلبية “للحمة بكرز” يقابلها إصرار شديد من أبناء إدلب، تحديداً مدينة أريحا، على أن جذور الطبق تعود إليهم. والسبب رغم بساطته إلا أنه مقنع لهم، شجر الوشنة يزرع في أريحها، وهي الثمرة الأساسية التي يقوم عليها كل الطبق، من الطعمة وصولاً إلى اللون الأحمر الكرزي.

وبحسب روايات متوارثة بين الأهالي، كان الزوار من حلب يقصدون منطقة جبل الأربعين قرب أريحا لتناول اللحمة بكرز الطازجة، حيث تتوفر الوشنة بكثرة واللحوم الطازجة من القرى المجاورة. ومن هنا انتشر الطبق لاحقاً في مطابخ حلب وأصبح من أشهر أطباقها. بمعنى آخر بسيط، يمكن القول إن الكرز من إدلب، والكباب من حلب، والطبق في النهاية أصبح جزءاً من تراث المنطقة كلها.

لحمة

مكونات اللحمة بكرز وطريقة التحضير

على الرغم من تعقيد الطبق في نكهته ومذاقه، لكن مكوناته الأساسية في غاية البساطة، ولها عناصر محددة هي:

  • لحم ضأن مفروم على شكل كرات صغيرة.
  • الكرز الحامض “الوشنة”.
  • القليل من السكر لضبط التوازن بين الحلاوة والحموضة.
  • ملح الليمون
  • خبز عربي مقطع مثلثات.
  • مكسرات للتزيين.
  • بقدوني للتنزيين.
  • ملح وبهارات اللحمة.

طريقة التحضير، تعصر الوشنة بعد نزع النوى، ثم يوضع على النار ليغلي مع قليل من الماء، ونضيف إليه كمية السكر وحبات قليلة من ملح الليمون، ويتم تحريكه إلى أن يصبح قوامه متماسكاً. على الجانب الآخر، نقوم بشوي كرات اللحمة المضاف إليها الملح والبهار، نصف استواء، وفي حال عدم الرغبة بشواء اللحمة يمكن إسقاطها مباشرة بعصير الوشنة، لكن يجب أن تحتوي اللحمة قليلاً على الدهن لتعطي الطبق نكهته اللذيذة. بعد ذلك نقوم بإسقاط كرات اللحمة في كرز الوشنة لمدة 10 دقائق. وفي صحن التقديم نضع مثلثات الخبز وفوقها بعضاً من البقدونس، ثم نسكب الكرز مع كرات اللحمة، ونزيّن بعدها باللوز أو الصنوبر حسب ما يتوفر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى