اللاذقية وطرطوس بعد العواصف: ما الذي كشفته الفيضانات عن هشاشة البنية الخدمية؟

الكاتب: أحمد علي
توقظ الأمطار الغزيرة ذاكرة المدن سريعاً، فحين تتحول الشوارع إلى مجار مؤقتة وتختلط المياه النظيفة بالمياه الملوثة، لا يبقى الحدث مجرد حالة طقس عابرة بل يصبح اختباراً مباشراً لقدرة الخدمات العامة على حماية الناس وممتلكاتهم.
في الساحل السوري، حيث تتجاور الأحياء المكتظة مع الأودية والمرتفعات، جاءت موجات المطر الأخيرة لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحاً. أي جزء من الخلل صنعته العاصفة وحدها، وأي جزء يعكس تراكمات طويلة في الصيانة والتخطيط وإدارة الموارد.
هشاشة البنية الخدمية في الساحل
أشارت تقارير أممية وإعلامية إلى أن الفيضانات في شمال غرب سوريا خلال شباط 2026 أدت إلى وفيات وإصابات، وأثرت في آلاف النازحين داخل مواقع إيواء مؤقتة، مع أضرار واسعة في الخيام والمساكن وفتح مراكز إيواء إضافية.
يضع هذا السياق الإنساني اللاذقية وطرطوس في دائرة واحدة من الأسئلة، حتى لو اختلفت التفاصيل الميدانية بين الريف الجبلي للاذقية وبين المدينة الساحلية في طرطوس. فالمشترك بين الحالتين هو أن هشاشة البنية الخدمية تظهر بوضوح عند أول اختبار مائي كبير، وأن الاستجابة الطارئة تميل إلى تعويض ما لم تحسمه أعمال الوقاية المبكرة.
الصرف الصحي حين يفيض
الفيضانات لا تعني فقط ارتفاع منسوب المياه، بل تكشف أيضاً ما يجري تحت الأرض، ففي اللاذقية، نقلت شهادات محلية أن اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي يحدث عندما تتعطل المصارف أو تمتلئ سريعاً، وهو ما يترك أثراً صحياً مباشراً على السكان في المناطق المنخفضة حيث تدخل المياه إلى البيوت والمتاجر.
في طرطوس، عبّر سكان عبر وسائل إعلام عن غضبهم من تكرار المشهد نفسه، واتهموا الجهات البلدية بالتقصير في تعزيل المصارف وصيانة شبكات الصرف خلال فصل الصيف، فيما رد مسؤولون بأن غزارة الهطول وتراكم مخلفات مثل أوراق الأشجار وأكياس النايلون يسدان بعض الفوهات.
وبين الاتهام والتبرير تتجسد هشاشة البنية الخدمية كمسألة إدارة يومية، لأن الشبكة التي تعمل بالكاد في الظروف العادية لا تتحمل تدفقاً مفاجئاً ما لم تُنظف وتُدار وتُراقب بشكل منتظم.
ولا تقف الأزمة عند معالجة المياه الراكدة، فخلال أزمات سابقة في الساحل، تحدثت تقارير أممية عن انقطاع كهرباء طويل أدى إلى نقص حاد في مياه الشرب، ما دفع جهات دولية إلى توفير وقود لتشغيل مولدات محطات ضخ تعد مصدراً رئيسياً للمياه في اللاذقية وطرطوس. وهذه الحلقة تكشف أن شبكات المياه والصرف تعمل ضمن منظومة واحدة تعتمد على الطاقة والقطع والمواد الكيماوية، وأن أي تعثر في عنصر واحد ينعكس مباشرة على الصحة العامة وعلى قدرة البلديات على التعامل مع مياه الأمطار.
طرق تغلق ومسارات تتآكل
الطريق في المدن هو شريان يربط الإسعاف بالمستشفى والسوق بالحي والمدرسة بالبيت، لهذا عندما تغمر المياه التقاطعات وتتعطل السيارات، كما ورد في تغطيات محلية عن اللاذقية، تتحول الحركة إلى أزمة خدمات تمتد من تأخر العمل إلى انقطاع الوصول إلى المرافق الحيوية.
وفي موجة شباط الجاري 2026، تحدثت الجهات الرسمية عن جهود لإعادة فتح عشرات الطرق الرئيسية والفرعية بعد أن أغلقتها المياه، وهو ما يوضح أن جزءاً من الخسائر ينتج عن انعدام حلول تصريف فعالة عند نقاط محددة تتكرر فيها التجمعات المائية.
في طرطوس، ربطت تغطيات إعلامية بين غرق الشوارع وعرقلة المرور وبين أضرار في البنية التحتية نفسها، بما يوحي بأن التآكل يتضاعف عندما تتكرر حالات الغمر دون صيانة جدية للحفر والمصارف والميول. وهنا تظهر هشاشة البنية الخدمية بوصفها تكلفة تتراكم بصمت ثم تنفجر في يوم ممطر.
مراكز إيواء تحت الضغط
عندما تتعطل البيوت أو تصبح الطرق غير آمنة، يصبح السؤال التالي هو أين يذهب الناس؟ أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن السلطات والشركاء الإنسانيين فتحوا ملاجئ وجهزوا مساكن إضافية للعائلات المحتاجة خلال موجة الفيضانات الأخيرة، وأن فرقاً طبية متنقلة انتشرت بعد إجلاء مرضى من منشأة صحية توقفت عن العمل بسبب المياه.
وفي سياق قريب، وثقت تقارير أممية سابقة أن مدارس في اللاذقية وطرطوس استُخدمت كملاجئ مؤقتة خلال أزمات أخرى في الساحل، وهو ما يبين أن مرافق التعليم تتحول سريعاً إلى بدائل إيواء عندما تتقلص الخيارات. وهذا التحول ليس تفصيلاً إدارياً، لأنه يضغط على خدمات الكهرباء والمياه والنظافة في تلك المواقع ويزيد المخاطر الصحية، ويخلق تحديات تتعلق بالخصوصية وحماية الفئات الأضعف.
ومع استمرار انقطاعات الكهرباء التي تؤثر على ضخ المياه في مناطق الساحل، كما أشارت تقارير أممية، تصبح هشاشة البنية الخدمية عاملاً يضاعف أزمة الإيواء بدلاً من أن يخففها.
خسائر المخيمات ومخاطر التجمعات
اللافت في فيضانات كانون الثاني وشباط 2026 أن الأثر الأكبر سُجّل في مواقع النزوح شمالاً، حيث قالت تقارير أممية إن آلاف النازحين تضرروا مباشرة مع تلف واسع في الخيام وتدمير جزء منها، بينما تحدثت تقارير رسمية عن أضرار طالت مخيمات عدة غرب إدلب وعن عائلات تضررت من غمر منازلها جزئياً أو كلياً.
وهذه الأرقام تضع المخيمات في واجهة النقاش لأنها تعيش أصلاً على هامش البنية الخدمية، فتفتقر إلى تصريف قوي وإلى أرضيات معزولة وإلى شبكات صرف منظمة، ما يجعلها أكثر حساسية لأي منخفض جوي. لكن الفيضانات تعيد أيضاً سؤال التخطيط داخل المدن، لأن أحياء كاملة قد تتحول إلى ما يشبه مخيماً مؤقتاً عندما تتكرر الانسدادات وتغمر المياه المنازل. وبذلك تصبح هشاشة البنية الخدمية رابطاً بين مأساة المخيمات وبين قلق سكان المدن، مع اختلاف في الدرجة لا في النوع.
بين الوقاية والاستجابة تقدم الاستجابات الطارئة صورة مهمة عن حجم الجهد المبذول في الإنقاذ وشفط المياه وفتح الطرق وإجلاء المحاصرين، لكن هذا الجهد وحده لا يحسم المشكلة، فالوقاية تبدأ من قراءة خرائط تجمع المياه، وتعزيل المصارف قبل الموسم، وتحديث شبكات الصرف التي وُضعت لعدد سكان أقل، وضبط البناء العشوائي قرب مجاري السيول، وإدارة النفايات التي تتحول إلى سدادات وقت المطر.
كما تتطلب الوقاية بيانات شفافة عن النقاط الحرجة وتمويلاً مستداماً لأعمال الصيانة، وهو تحد يتعقد مع تراجع الموارد وارتفاع كلفة الطاقة. في النهاية، لم تكشف الفيضانات عن ضعف طارئ بقدر ما سلطت الضوء على هشاشة البنية الخدمية بوصفها مسألة حوكمة وخدمات، وعلى حاجة الساحل إلى حلول صغيرة متراكمة بقدر حاجته إلى مشاريع كبيرة.
اقرأ أيضاً: احتجاجات مرفأ اللاذقية: قنبلة اجتماعية موقوتة









