اللاجئ السوري بين دليل اللجوء الجديد وتشديد الاتحاد الأوروبي

بقلم هلا يوسف
كان اللجوء خياراً لملايين السوريين خلال الثورة السورية التي امتدت لأربعة عشر عاماً، واستقبل خلالها الاتحاد الأوروبي النسبة الأكبر من هؤلاء اللاجئين. ومع سقوط النظام السابق، بدأ الحديث يدور حول تغييرات مرتقبة في شروط اللجوء وآليات معالجة الملفات، حيث يبدو أن التصنيفات الطائفية التي شهدتها سوريا وصلت بدورها إلى أروقة وكالة اللجوء الأوروبية.
فقد أصدرت وكالة اللجوء الأوروبية مؤخراً التحديث الواسع لدليل اللجوء المتعلق بالوضع في سوريا، الذي حظي بموافقة مجلس إدارتها، ويهدف إلى إعادة تقييم احتياجات الحماية الدولية بحسب التغييرات التي حصلت بعد سقوط النظام. وتزامن هذا التحديث مع استئناف دراسة طلبات اللجوء المعلقة للسوريين في معظم دول الاتحاد الأوروبي، حيث سيشكل دليل الوكالة مرجعاً رئيسياً لسلطاتها الوطنية في توحيد معايير البت في تلك الطلبات.
ويعتمد التحديث الجديد على الإرشادات المؤقتة التي كانت الوكالة قد نشرتها منتصف عام 2025، بالإضافة إلى تقارير أحدث تشرح طبيعة المرحلة الراهنة في سوريا. وبهذا يوفر الدليل إطاراً واضحاً لمراجعة آلاف الملفات القديمة والجديدة على حد سواء، مما يحقق العدالة في المعالجة، وتنسيق أكبر داخل دول الاتحاد.
ومن النقاط التي يبرزها الدليل أن المخاطر المرتبطة بالخدمة العسكرية وخاصة حالات التهرب والانشقاق لم تعد تشكل تهديد لأصحابها كما كانت في ظل النظام السابق. في المقابل يتوجه التحديث إلى فئات ما تزال تواجه تهديدات جدية، مثل أصحاب التوجهات والهويات الجنسية المتنوعة، إضافة إلى ظهور ملفات جديدة قد تكون بحاجة إلى حماية دولية في المرحلة الانتقالية بسوريا. وتشمل هذه الفئات بحسب الحالات الفردية، بعض المنتمين إلى الحكومة السابقة، وعدداً من المسيحيين، وأفراد جماعات دينية وعرقية مثل العلويين والدروز، بالإضافة إلى الفلسطينيين الذين فقدوا عملياً إمكانية الحصول على حماية الأونروا، مما يجعلهم أكثر عرضة للمخاطر.
كما يتضمن الدليل قراءة حديثة للوضع الأمني في سوريا، حيث تصف المشهد بأنه أكثر هدوءاً من السابق لكنه لا يزال هشاً ومتقلباً. فالعنف العشوائي مستمر وإن كان في مستويات غير مرتفعة في معظم المحافظات، بينما تعتبر محافظة دمشق من المناطق الآمنة نسبياً، الأمر الذي يجعلها خياراً ممكناً للحماية الداخلية لبعض الحالات وفق ظروفهم الخاصة.
وعلى الرغم من أن قرارات اللجوء تتخذ في كل دولة على حدة، فإن الإرشادات التي تصدرها وكالة اللجوء الأوروبية تستخدم كمرجع مشترك يوجه السياسات في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، بالإضافة إلى النرويج وسويسرا. ويهدف هذا الإطار الموحد إلى خلق قدر أكبر من الانسجام بين الدول التسع والعشرين التي تمنح الحماية الدولية.
ومن المتوقع أن تنعكس التعديلات الأخيرة على مصير ما يقارب 110 آلاف سوري ما تزال طلباتهم قيد الانتظار حتى نهاية أيلول الماضي.
كما يلاحظ أن عدد السوريين الذين تقدموا بطلبات لجوء تراجع بشكل كبير، إذ انخفض من نحو 16 ألف طلب في تشرين الأول 2024، أي قبل سقوط نظام الأسد، إلى نحو 3500 فقط في أيلول 2025. وبالرغم من هذا التراجع ما يزال السوريون يشكلون الفئة الأكبر بين الملفات التي تنتظر القرار الأولي في نظام اللجوء الأوروبي.
الاتحاد الأوروبي نحو تشديد سياسة اللجوء
جاء تقرير وكالة اللجوء الأوروبية في الوقت الذي يشهد فيه الاتحاد الأوروبي تشديد كبير على سياسة اللجوء بعد موافقة دول التكتل على إجراءات جديدة قد تسمح بإرسال بعض المهاجرين إلى مراكز خارج حدود الاتحاد. وقد حظيت هذه التوجهات بدعم واسع من أحزاب اليمين المتطرف، فيما تحتاج لتمريرها نهائياً إلى موافقة البرلمان الأوروبي.
وفي اجتماع وزراء الداخلية في بروكسل، تم التصويت على حزمة مقترحات تتضمن إنشاء مراكز عودة خارج الاتحاد للمهاجرين المرفوضة طلباتهم، وتشديد العقوبات على من يمتنعون عن مغادرة الأراضي الأوروبية، إضافة إلى إمكانية نقل مهاجرين إلى دول تعتبرها بروكسل آمنة حتى لو لم يكونوا منها.
هذا التوجه أثار اعتراضات من اليسار ومنظمات حقوقية، بينما أبدت دول مثل فرنسا وإسبانيا تحفظات تتعلق بقانونية وفعالية هذه الخطوات. ورغم ذلك يواصل اليمين المتطرف دفع هذا المسار داخل البرلمان الأوروبي.
كما يناقش الاتحاد نظاماً جديداً لتوزيع طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء بهدف تخفيف الضغط على الدول الواقعة على خطوط الهجرة الأولى مثل اليونان وإيطاليا. وبحسب هذا النظام ستكون الدول غير الراغبة في استقبال طالبي لجوء مطالبة بدفع مساهمة مالية تصل إلى 20 ألف يورو عن كل طلب، في إطار تسوية يجري التفاوض حول تفاصيلها منذ أسابيع.
خلاصة القول أن الاتحاد الأوروبي يتجه بوضوح نحو تقليص أعداد طالبي اللجوء، سواء كانوا من سوريا أو من دول أخرى. غير أن السوريين لأنهم الفئة الأكبر ضمن طلبات اللجوء، سيكونون الأكثر تأثراً بهذه السياسات، ولا سيما أولئك العالقين عند أبواب أوروبا بانتظار معرفة مصيرهم.
اقرأ أيضاً: حال اللاجئين السوريين: بين العودة والبقاء.. هل يتحول الوطن إلى غربة؟









