“الكود السوري للاتصالات”.. إنترنت المستقبل يبدأ من تصميم المبنى

بقلم هلا يوسف
تجربة السوريين مع الإنترنت غريبة، فقد تجلس في منزلك بمكان يكون فيه الإنترنت قوياً، وفي غرفة أخرى تنعدم التغطية تماماً. هذا التفاوت في تغطية الإنترنت ليس نتيجة البنية التحتية الضعيفة للاتصالات، رغم أن لها دوراً. لكن البناء له دور كبير في وجود التغطية، فقد يكون طريقة تمديد الكابلات داخل البناء دوراً في ذلك. ولذلك جاءت خطوة وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بطرح مسودة “الكود السوري للاتصالات في المباني” للمشاورة العامة، وذلك لإدخال البنية التحتية للاتصالات ضمن شروط السماح بالبناء في سوريا للمرة الأولى. بمعنى أبسط، تريد الوزارة أن يصبح الإنترنت جزءاً من تصميم المبنى منذ البداية، لا تمديدات تضاف فيما بعد عندما يحتاج السكان إلى الخدمة.
لماذا أصبح وجود شبكة اتصالات داخلية أمراً ضرورياً؟
إذا عدنا للسابق، فسنجد أن المتعاهدين يقومون ببناء العقار بالكامل ثم يبدأون بالتفكير في تمديدات الاتصالات. ومع غياب الشروط الواضحة، كانت الأعمال تنفذ بطرق مختلفة من مبنى إلى آخر، مما أدى إلى تفاوت في جودة البنية التحتية الرقمية، وأحيانًا إلى تمديدات عشوائية وأعمال تكسير وحفر لاحقة.
وهنا قد تواجه موقفاً بسيطاً لكنه مزعج، فتصل الألياف الضوئية إلى المبنى بسرعات عالية، لكن التمديدات الموجودة داخله لا تستطيع التعامل مع هذه السرعة.
ويشرح عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب الدكتور مصعب شبيب أن أهمية الكود لا تقتصر على تنظيم الكابلات، بل تتمثل في جعل الاتصالات جزءًا من البنية الهندسية الأساسية للمبنى، إلى جانب الكهرباء والمياه وبقية المرافق.
ولذلك يحدد الكود الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لتجهيز المبنى بخدمات الاتصالات، بدءاً من نقاط دخول الشبكة، مروراً بغرف الاتصالات الرئيسية والطابقية، وصولاً إلى تنظيم المسارات الرأسية والأفقية داخل الوحدات السكنية والتجارية. والهدف في النهاية أن يتم التفكير بكل هذه التفاصيل أثناء تصميم البناء، وليس بعد اكتماله.
الألياف الضوئية والجيل الخامس.. البناء يستعد لما هو أبعد من اليوم
أبرز ما تتضمنه المسودة هو اعتماد الألياف الضوئية أساساً للبنية الاتصالية في المباني الجديدة، بدلاً من اعتبارها مجرد ترقية يمكن إضافتها عندما تتوفر الحاجة إليها. وهذا يعني أن المبنى الجديد يجب أن يكون مجهزاً بطريقة تسمح بوصول الألياف إلى داخل الوحدات نفسها، وليس فقط إلى مدخل البناء.
وهنا تبدأ الفائدة الحقيقية بالظهور، فإذا كانت البنية الداخلية مجهزة بشكل صحيح، يصبح المبنى أكثر قدرة على الاستفادة من السرعات العالية ومتعددة الغيغابايت، كما يكون مستعداً لتقنيات مثل الجيل الخامس والسادس، وإنترنت الأشياء والمباني الذكية والخدمات الرقمية التي قد تصبح جزءاً من حياتنا اليومية خلال السنوات المقبلة.
أما بالنسبة للمشترك، فإن الأمر لا يتعلق فقط بامتلاك تقنية أحدث، بل بنتيجة يلمسها فعلياً، حيث يكون التركيب أسرع، وأعطال أقل، وجودة اتصال أفضل، وإمكانية تطوير الخدمة فيما بعد من دون العودة إلى تكسير الجدران وإعادة تمديد الشبكات.
كما أن الكود يفتح الباب أمام إنشاء ما يسمى “بنية تحتية رقمية محايدة” داخل المبنى، بحيث يستطيع أكثر من مزود خدمة الاستفادة منها، وهو ما يمكن أن يعزز المنافسة ويخفف تكاليف التوسع في المستقبل.
وهذه الفكرة مطبقة في دول أخرى بالفعل، ففي بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال لديها متطلبات للبنية الداخلية الجاهزة لخدمات النطاق العريض، بينما لدى الإمارات نموذج متقدم عبر مواصفات وطنية لشبكات الاتصالات في المباني الجديدة، كما تفرض السعودية متطلبات للبنية التحتية الداخلية للاتصالات في فئات واسعة من المباني.
رخصة البناء وشهادة الإشغال.. الاتصالات تصبح جزءاً من الشروط
قد تكون النقطة الأهم في المشروع هي أن الموضوع لن يبقى مجرد توصيات فنية، بل سيرتبط بإجراءات البناء نفسها. فبحسب المسودة، لن يتم منح رخصة البناء لأي مبنى خاضع لأحكام الكود من دون اعتماد مخططات الاتصالات مسبقاً، كما لن تصدر شهادة الإشغال ما لم تستوفِ البنية الاتصالية للمبنى المتطلبات المحددة.
وهذا يعني أن المطورين والمهندسين والمصممين والمنفذين سيكونون مطالبين بوضع الاتصالات ضمن مخططات المشروع منذ البداية، تماماً كما يتم التعامل مع الكهرباء أو الصرف الصحي أو أنظمة السلامة.
وهذا يجعل للخطوة أهمية كبيرة في المستقبل، فالمبنى لا يتم بناؤه لسنة أو سنتين، بل قد يبقى لعشرات السنوات، بينما تتغير تقنيات الاتصالات بسرعة كبيرة. وإذا لم تكن البنية الأساسية مرنة وقابلة للتطوير، فقد يصبح كل تحديث تقني مرتبطًا بأعمال جديدة ومكلفة داخل المبنى.
في النهاية، فكرة الكود السوري لا تتعلق بتحسين الإنترنت فقط، بل بتطوير بنية المباني، وجعلها مرنة لتواكب تطورات الاتصالات في العالم، عدا عن أنها توفر على المشتري تكسيراً وتعديلاً في منزله لتمديد خطوط إنترنت جيدة.
اقرأ أيضاً: إيقاف الإنترنت الهوائي .. كيف تحولت شائعة إلى بيان رسمي خلال ساعات؟









