الكهرباء كمدخل لعودة الاستقرار: هل تربط مشاريع الطاقة بين التعليم والصحة والمياه؟

الكاتب: أحمد علي
تتعطل حياة المدن حين يتحول الضوء إلى وعد مؤجل، وفي سوريا لا تُقاس الكهرباء بعدد الساعات أو المولدات فقط، بل بقدرة الأسرة على تخزين دواء، وقدرة المدرسة على تشغيل حاسوب، وقدرة محطة مياه على دفع الماء إلى الطوابق العليا. لهذا تبدو الكهرباء أشبه بعصب يمر عبر كل خدمة عامة، فإذا تحسن نبضه تحركت معه حلقات أخرى، وإذا انقطع تشظت معها تفاصيل يومية لا تُرى إلا عند فقدانها. لذلك لم يعد سؤال الكهرباء سؤال رفاه، بل سؤال استقرار بالمعنى الواسع، لأن الخدمة العامة لا تعمل في فراغ.
مشاريع الطاقة وأثرها المتسلسل
تُظهر التجربة السورية أن أي تحسن كهربائي لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، فحين ترتفع ساعات التغذية ولو قليلاً، يبدأ الأثر المتسلسل بالظهور داخل البيوت والمؤسسات. تشغيل أطول لمحطات الضخ يعني ماءً أقرب إلى الانتظام، وتشغيل أطول للبرادات يعني تقليصاً لهدر الأدوية والغذاء، وإضاءة مسائية أفضل تعني وقتاً إضافياً للدراسة والعمل.
وفي المقابل، الانقطاع الطويل يدفع الأسر إلى حلول مكلفة مثل شراء الوقود للمولدات أو الاشتراك في مصادر خاصة، ما يلتهم جزءاً من الدخل ويزيد الفجوة بين من يملك البديل ومن لا يملكه.
الأثر المتسلسل يحمل وجهاً آخر يتعلق بالعدالة، فالتحسن قد يكون سريعاً في منطقة وبطيئاً في أخرى تبعاً لمصدر التغذية المحلي، أو لطبيعة الإدارة القائمة، أو لقرب المنطقة من نقاط التحكم بالشبكة. لهذا يصبح الحديث عن مشاريع الطاقة في سوريا حديثاً عن مسارات متعددة، وليس خطاً واحداً يتقدم بالسرعة نفسها في كل مكان.
شبكة منهكة ووقود شحيح
تراكمت أسباب الأزمة بين تضرر محطات التوليد وخطوط النقل ومحطات التحويل، وبين نقص الوقود وقطع الغيار ومحدودية الاستثمار والصيانة. كثير من المؤشرات العامة المتداولة في تقارير دولية تتقاطع عند حقيقة بسيطة، وهي أن التغذية المتاحة في أجزاء واسعة من البلاد بقيت منخفضة لسنوات، وأن الشبكة تعاني فاقداً عالياً وأعطالاً متكررة. وفي المستوى اليومي، يتحول العطل الفني إلى قضية اجتماعية واقتصادية لأن البدائل المتاحة غالباً أكثر كلفة وأقل أماناً بيئياً وصحياً.
ضمن هذا المشهد تتقدم مشاريع الطاقة بوصفها أدوات إصلاح تدريجي، فبعض المشاريع يستهدف ما يمكن إصلاحه بسرعة مثل محطات التحويل وخطوط التوتر العالي التي تسمح بتحسين الاستقرار وتقليل الانقطاعات الشاملة. وتعتمد مشاريع أخرى على الوقود كحل إسعافي لرفع الإنتاج لبضعة أشهر أو سنة، لكنها تبقى رهينة استمرار الإمداد وسلاسل النقل والدفع.
وبين هذين المسارين يظهر خيار ثالث يتمثل في حلول متجددة صغيرة على مستوى مؤسسة أو حي، وهي حلول تمنح استمرارية جزئية لكنها تحتاج صيانة وتمويلاً تشغيلياً واضحاً حتى لا تتحول إلى معدات معطلة بعد فترة قصيرة.
المياه بين المضخات والانقطاع
أوضح حلقات الأثر المتسلسل تظهر في المياه، فالمضخات ومحطات المعالجة تحتاج تياراً مستقراً، وعندما يضعف التيار تتراجع الخدمة حتى لو توفرت مصادر مياه خام. وثقت تقارير إنسانية حالات تعطلت فيها شبكات الضخ بسبب ضعف التغذية الكهربائية، وفي حالات أخرى أدى ضرر أصاب منشآت مائية كالسدود إلى فقدان الكهرباء والمياه المضخوخة معاً لمئات الآلاف لفترات متفاوتة. وهذه الوقائع تشرح كيف تتحول الكهرباء إلى شرط مسبق لحق أساسي مثل الوصول إلى الماء.
انقطاع المياه لا يعني فقط تأخر وصولها، بل يفتح الباب أمام الاعتماد على مصادر أقل أماناً، ويزيد الضغط على مرافق الصرف الصحي التي تحتاج بدورها إلى طاقة للتشغيل. لذلك فإن مشاريع الطاقة التي تعطي أولوية لمحطات الضخ والمعالجة في ساعات التغذية المحدودة يمكن أن تخلق أثراً سريعاً على الصحة العامة، حتى قبل الوصول إلى تغذية مستقرة طوال اليوم.
الصحة والتعليم تحت الضغط
يقف القطاع الصحي على خط تماس مباشر مع الكهرباء، فالانقطاع المتكرر يربك غرف العمليات وأجهزة التنفس والحاضنات وسلاسل تبريد اللقاحات، ويجعل المولدات حلاً دائماً لا طارئاً، بما يعنيه ذلك من كلفة وقود وصيانة وضجيج وتلوث. تقارير تقييم احتياجات حديثة أشارت إلى أن معظم المجتمعات تعاني انقطاعات متكررة تعيق الوصول إلى خدمات أساسية بينها الرعاية الصحية، وأن الانقطاع ينعكس على قدرة المرافق على تقديم خدمة منتظمة، خصوصاً في الرعاية الأولية التي تخدم شرائح واسعة وتتعرض لأي خلل لوجستي بسرعة.
في التعليم يتجسد الأثر المتسلسل بطريقة أقل مباشرة لكنها واسعة، وذلك عبر الإضاءة والتدفئة وتشغيل المعدات والاتصال بالإنترنت كلها ترتبط بالتغذية الكهربائية. وحين تصبح الكهرباء ساعات متقطعة، تضطر المدارس إلى ضغط الدوام أو تقليص الأنشطة، ويصبح البيت أقل قدرة على توفير بيئة دراسة. ومع توسع الاعتماد على الأدوات الرقمية في التعليم حول العالم، تتسع فجوة إضافية بين من يستطيع الوصول إلى الكهرباء والإنترنت ومن يفقدهما بشكل مستمر.
حلول عملية ومسار طويل
يحتاج تحسين الكهرباء في سوريا مسارين متوازيين، واحد سريع لتقليل حدة الانقطاع، وآخر أعمق لإصلاح البنية والحوكمة. المسار السريع يمكن أن يبدأ بإدارة أحمال أكثر وضوحاً تعطي الأولوية للمستشفيات ومحطات المياه، وبتمويل حلول مستقلة للطاقة في المرافق الحساسة مثل الطاقة الشمسية مع التخزين. وهذه الإجراءات لا تحل مشكلة الشبكة لكنها تمنح الخدمات الأساسية هامشاً من الاستقرار يقلل الخسائر اليومية.
المسار الأعمق يرتبط بإعادة تأهيل خطوط النقل ومحطات التحويل وتقليل الفاقد، وبتنظيم العلاقة بين القطاع العام والبدائل الخاصة بحيث لا تتحول الكهرباء إلى سوق غير منظم يفاقم عدم المساواة. وهنا يصبح نجاح مشاريع الطاقة مرتبطاً بالشفافية في اختيار الأولويات وبقدرة الجهات المشغلة على الصيانة، وبوجود حماية اجتماعية تخفف أثر أي إصلاحات تسعيرية على الأسر الأضعف.
ويبرز البعد الإقليمي بوصفه فرصة سريعة إذا نضجت شروطه، فالبنك الدولي أشار إلى إصلاح خطوط توتر عالٍ تعيد الربط مع الأردن وتركيا لتسهيل استيراد الكهرباء وتحسين استقرار الشبكة. كما أُعلن عن توريد غاز عبر الأردن إلى محطة دير علي لرفع الإنتاج مؤقتاً، لكن الاستدامة تبقى الشرط الحاسم.
في النهاية، الكهرباء ليست مجرد ملف تقني، بل هي اختبار لقدرة المؤسسات والمجتمع والشركاء على تحويل الاستثمار إلى أثر متسلسل يطال المدرسة والعيادة والصنبور. ومشاريع الطاقة يمكن أن تكون مدخلاً لعودة الاستقرار إذا صُممت جسراً بين القطاعات، وإذا قيست نتائجها بمؤشرات بسيطة يفهمها الناس…
اقرأ أيضاً: عدادات الكهرباء والعشوائيات: هل سنرى شرطي على كل باب؟!









