الكحل العربي يطرق باب اليونيسكو ويعيد لتراثنا الجمالي خاصيته

بقلم هلا يوسف
لطالما كان الصراع الجمالي حاضراً منذ القدم، ومع تطور مستحضرات التجميل واشتداد المنافسة بين العلامات التجارية من حيث الجودة والأصالة، يبرز الكحل العربي كأبسط مستحضر تجميلي علاجي وأقدمها. فمن سواد الليل الكامن في الكحل، استلهمت النساء جماله ليرسمن به ملامح عيونهن.
فمنذ أن عرفت المرأة العربية معنى الجمال، كان الكحل الرفيق المخلص للعين ومرآة عكست التراث الجمالي. حيث لم يكن مجرد لون أسود يزين الملامح، بل حكاية بدأت منذ آلاف السنين، ونمت مع الحضارات، حتى وصلت إلينا اليوم حاملة معها الأصالة والمعرفة.
يعود استخدام الكحل العربي، المعروف بكحل الأثمد، إلى ما يقارب 3500 عام قبل الميلاد، حيث عرفته الحضارة الفرعونية وغيرها من الحضارات القديمة. في ذلك الوقت كان ينظر إليه كوسيلة للزينة والعلاج في نفس الوقت. ومع مرور الزمن، أصبح رمزاً للجمال الأنثوي، وتغنت به الأغاني الشعبية والقصائد، فترسخ في الذاكرة العربية كجزء من الحياة اليومية.
ومع طرق الكحل العربي بوابة التراث اللامادي لمنظمة اليونسكو، بات الحديث عن تاريخه وصناعته ضرورة ثقافية، تعكس الاعتزاز بالماضي العربي وحضارته العريقة. فهذا التراث لم يحفظ في الكتب فقط، بل انتقل أيضاً عبر الأيدي والقلوب.
حتى يومنا هذا لا يزال الكحل حاضراً في حياة النساء، لا سيما في الجزيرة السورية، حيث تفضله الكثيرات على مستحضرات التجميل الحديثة، إيماناً منهن باحتوائه على فوائد طبيعية وقيمة تراثية. ويحضر الكحل في البيوت بطرق تقليدية، تتوارثها النساء جيلاً بعد جيل، من الجدات إلى الأمهات ثم إلى الفتيات، في طقس بسيط يحمل في طياته عمق الانتماء.
الكحل العربي وطريقة صناعته
وتروي بعض النساء تفاصيل صناعته بفخر، حيث تبدأ العملية بعجن الطحين، ثم يوضع حجر الأثمد داخله مع قليل من الزيت النباتي، ليحرق جيداً. بعد ذلك، يطحن بالهاون ويغربل حتى يصبح ناعماً وجاهزاً يتم تعبأته في مكاحل العيون ويستخدم مباشرة ليزين العيون بسواد ثابت وعميق، وفي بعض الطرق، يطحن الأثمد مع نوى التمر أو حب الشعير أو البيض، لتعزيز فوائده العلاجية. ورغم بساطة هذه الخطوات، إلا أنها تختصر خبرة طويلة ومعرفة متجذرة في التراث.
ولا يقتصر دور الكحل على إبراز جمال العيون فقط، بل يمتد ليشمل فوائد صحية متعددة. إذ تشير الخبرات الشعبية إلى أنه يغذي بصيلات الرموش، فيقويها ويكثفها، كما يعتقد أنه يساعد في تحسين البصر والتخفيف من التهابات العيون والحساسية. ومن اللافت أن استخدامه لا يقتصر على الكبار، بل يستعمل أحياناً للأطفال حديثي الولادة للمساعدة في تنظيف العين وحمايتها.
ومع انتشار أنواع كثيرة من الكحل الصناعي، حذرت دراسات طبية من مخاطره المحتملة، لاحتوائه على مركبات كيميائية ضارة، ونسب مرتفعة من الرصاص قد تؤذي العين عند الاستخدام المتكرر. ولهذا ترى العديد من النساء أن الكحل التقليدي المصنوع يدوياً يجمع بين الزينة والعلاج، ويمنح العين جمالاً طبيعياً دون آثار جانبية.
ويميز بين الكحل العربي والكحل الطبيعي من حيث طريقة التحضير، فالكحل الطبيعي يستخرج مباشرة من حجر الأثمد وتنتشر صناعته في دول الخليج العربي، بينما يعتمد الكحل العربي في بعض مناطق فلسطين وبلاد الشام على زيت الزيتون والقماش الطبي، ما يمنحه طابع محلي خاص.
وتؤكد التقاليد المتوارثة أن الكحل العربي يعد علاج طبيعي للعيون، إذ يسهم في تقليل الالتهابات، والوقاية من الحساسية، وتعزيز صحة العين بشكل عام. لذلك لا يزال يحظى بثقة نساء الجزيرة السورية، خاصة ممن يفضلن الابتعاد عن المواد الكيميائية والعودة إلى الطبيعة.
وتشير الخبرات الشعبية إلى أنه يزداد جمال الكحل العربي عند ارتدائه مع الزي العربي التقليدي، ولا سيما الهباري، حيث يمنح العيون لمعان وجاذبية خاصة. وفي المقابل تتزايد التحذيرات من مستحضرات التجميل الحديثة التي قد تحتوي على مواد حافظة وكيماويات ضارة، مثل البارابين.
وفي الوجدان الشعبي لا يُنظر إلى الكحل كمادة تجميلية فحسب، بل كجزء أصيل من الثقافة المحلية في الجزيرة السورية. فقد تغنت الأهازيج بجمال العيون المكحلة، وتناقلت الحكايات قصص النساء اللواتي اعتمدن عليه لإبراز جمالهن الطبيعي. هذا الارتباط العميق جعله رمز للأنوثة والأصالة، وعنصر من عناصر الهوية الثقافية.
ولا يقتصر استخدام الكحل على النساء فقط، بل يمتد أحياناً إلى الرجال والأطفال، خاصة في المناسبات الاجتماعية والدينية، كالأعراس والاحتفالات. وهو ما يعكس مدى حضور الكحل في تفاصيل الحياة اليومية، واستمراره كتراث حي يجمع بين الجمال والعلاج والانتماء.
الكحل في الشعر العربي
لم يقتصر حضور الكحل العربي على زينة العيون فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح مصدر إلهام للشعراء العرب، الذين وجدوا في العيون المكحلة رمز للجمال الآسر والسحر الخفي. فالكحل، بسواده كان دائماً لغة شعرية للتعبير عن الجمال.
وقد أشار الإمام الشافعي إلى الكحل بوصفه حجر بسيط في أصله، لكن قيمته كبيرة وأثره واضح، فقال:
والكحل نوع من الأحجارِ تنظرهُ
في أرضه وهو مرمي على الطرقِ
لما تغرّب حاز الفضل أجمعهُ
فصار يُحمَل بين الجفن والحدقِ
أما الشعراء وقارضي الشعر، فقد أكثروا من وصف العيون الكحيلة، ورأوا فيها سلاحاً لا يقاوم، فقال الرافعي:
مكحّلةٌ ولا كُحلٌ ولكن
سلِ الظَّبياتِ عن ذاك الصنيع
وقال جميل بثينة، مشبهاً الكحل بسهمٍ نافذ إلى القلب:
رمتني بسهمٍ ريشُه الكحلُ لم يضر
ظواهر جلدي، فهو في القلبِ جارحي
وفي المعنى ذاته، عبّر الأبيوردي عن فتك النظرات المكحلة بقوله:
رمتني بسهمٍ راشُه الكحلُ بالردى
وأَقتلُ ألحاظَ المِلاحِ كحيلُها
وبذلك أصبح الكحل العربي ثقافة جمالية غنية بالفوائد، وعادة انتقلت من جيل لآخر لتشكل أساس الجمال العربي الرصين المكتوب بعنوان عريض “الكحل العربي تراثنا الجمالي”.









