مقابلات

الكاطع لـ”سوريا اليوم 24″: من لورنس إلى براك… خيوط الهيمنة لم تنقطع

حاوره: عروة درويش

تغيّرت وجوه السيطرة الغربية على منطقتنا، لكن خيوطها لم تنقطع. فمن ضابط استخبارات يحرّك التمردات في الصحراء، إلى رجل أعمال يدير الشبكات خلف الستار، يبدو أن فكرة «المندوب السامي» لا تزال حيّة، وإن كانت بأسماء ووسائل مختلفة.

في هذا الحوار مع السياسي والمحلل السياسي عبد العليم الكاطع، نناقش تحولات أدوات التدخل الأميركي في الشرق الأوسط، وتحديداً عبر ثلاث شخصيات محورية: لورنس العرب، بول بريمر، وتوم براك. ما الذي تغيّر؟ وما الذي بقي ثابتاً؟ وكيف نقرأ اليوم فكرة السيادة والاستقلال في زمن التوازنات الدقيقة؟

  • دعنا نبدأ من العنوان الذي طرحته في عدة مناسبات: «من بندقية لورنس إلى شيك براك». ماذا تقصد به؟

هو توصيف مكثف لمسار التدخل الغربي في منطقتنا. لورنس العرب كان يحمل بندقية ويقود التمردات كضابط بريطاني، بينما توم براك اليوم يحمل دفتر شيكات ويشتغل في كواليس المال والسياسة. نحن أمام انتقال من السيطرة عبر القوة المباشرة إلى إدارة النفوذ بأدوات الاقتصاد والدبلوماسية وشبكات المصالح. لكن الجوهر لم يتغيّر: ضبط إيقاع المنطقة وفق مصالح الخارج.

  • وهل يمكن القول إن أدوات السيطرة أصبحت أكثر نعومة أم أكثر تعقيداً؟

كلاهما. لم تعد السيطرة تُفرض بالدبابة فقط، بل بالتوازي مع أدوات مثل: رفع العقوبات أو الإبقاء عليها، القبول الدولي كشرط لأي شرعية، بل وحتى دعم بعض المكونات الداخلية لترجيح كفة سياسية على أخرى. هي أدوات ناعمة من حيث الشكل، لكنها بالغة القسوة من حيث الأثر، لأنها لا تدمّر فقط الجيوش، بل تخلخل العقد الاجتماعي نفسه.

  • لطالما توقفت عند ثلاث شخصيات مفصلية: لورنس وبريمر وبراك. هل يمكن أن نعتبرهم ثلاثة أطوار مختلفة لفكرة واحدة؟

بالضبط. لورنس قاد الثورة، بريمر أدار الدولة، وبراك يدير التوازنات. الأول كان يعمل على تفكيك السلطنة العثمانية وتحريك العرب كأداة، الثاني أعاد تشكيل العراق وفق شروط الخارج بعد الاحتلال، والثالث نسج شبكات مصالح تعيد تعريف مفهوم السيادة نفسه. ما تغير هو الشكل فقط، أما الوظيفة فهي خدمة مراكز القرار الكبرى، واحتواء أي طموح للاستقلال الحقيقي.

  • كيف نفهم السيادة العربية في كل مرحلة من هذه المراحل؟

في زمن لورنس، رغم الاستعمار، كان هناك وهم أو طموح للسيادة، وقد اشتغل الغرب على احتوائه عبر التحريض والوعود. في زمن بريمر، لم يعد هناك وهم حتى، كان الاحتلال مباشراً، والسيادة صارت ملغاة تماماً. أما اليوم، في مرحلة براك، فنحن أمام سيادة مشروطة أو «مُدارة»: الأنظمة تُدار بتفاهمات دولية، وشبكات مصالح عابرة للحدود، تجعل من الاستقلال قراراً غير وطني بالكامل.

  • هل يعني ذلك أننا فقدنا أي أمل في استعادة القرار؟

ليس بالضرورة، لكننا فقدنا القدرة على الوهم. المواجهة اليوم لا تُخاض بالشعارات ولا حتى بالسلاح وحده. إنها معركة وعي سياسي، وقدرة على إعادة بناء الهياكل الداخلية للدولة بشكل لا يسمح للاختراق بأن يتحول إلى قرار سيادي. هذه معركة تحتاج نفساً طويلاً، وخطاباً واقعياً، وتحالفات ذكية.

  • بصراحة، ما الذي يمنع اليوم بناء قرار مستقل؟

السبب الأول: هشاشة البنى السياسية والاقتصادية. الثاني: غياب مشروع عربي أو وطني جامع قادر على توليد مناعة داخلية. والثالث: أن العالم اليوم لم يعد يسمح بالفراغ. إن لم تملأه أنت بمشروعك، سيملؤه غيرك بمصالحه. ولذلك، فإن تراجعنا لم يكن نتيجة ضغوط فقط، بل نتيجة غياب البدائل أيضاً.

  • هل تعتقد أن فكرة «المندوب السامي» انتهت أم تغيرت فقط؟

تغيرت. لم تعد تأتينا على ظهر دبابة أو بقبعة دبلوماسية. الآن يأتي المندوب السامي على شكل رجل أعمال، أو مدير مشروع، أو وسيط علاقات دولية. هو لا يظهر في الصورة، بل يديرها. وبهذا المعنى، نحن لسنا أمام نهاية الدور، بل أمام إعادة إخراجه بحِرفية أعلى، ونفوذ أقل وضوحاً… وأكثر فعالية.

  • هل ترى أن المشهد السوري بات يُدار اليوم أيضاً من خلال “مندوبين غير رسميين” يشبهون براك في دورهم؟ ومن هم برأيك الفاعلون الذين يمارسون هذا الدور من خارج المؤسسات؟

نعم، الحالة السورية باتت نموذجاً واضحاً ومتقدماً في إدارة النفوذ عبر “مندوبين غير رسميين” يجمعون بين المال والسياسة والمصالح الأمنية. هؤلاء قد يظهرون أحياناً بصفات رسمية، لكنهم يتحركون في مفاصل القرار من خلال شبكات اقتصادية، وشخصيات متصلة بالخارج، وتفاهمات غير معلنة. يمكن أن نلحظ هذا في دور بعض رجال الأعمال المرتبطين بدوائر إقليمية ودولية، أو منظمات دولية غير حكومية تمارس ضغطاً سياسياً تحت ستار الإغاثة أو أو شركات تدعم ملفات الاستثمار أو إعادة الإعمار. كذلك، هناك وسطاء إقليميون يديرون ملفات العلاقة بين دمشق وعواصم القرار، دون أن يحملوا صفة دبلوماسية رسمية، وهذا يشبه إلى حد بعيد نموذج توم براك.

  • بعد أكثر من عقد على الحرب السورية وسقوط السلطة السابقة التي كانت مفرخة مشاكل، هل ترى أن الدولة السورية استعادت شيئاً من السيادة الفعلية، أم أن السيادة لا تزال موزعة بين قوى خارجية ومصالح محلية؟

لا شك أن حكومة دمشق تسعى للحفاظ على السيادة، ورفض الوصاية، وهذا أدى إلى تراجع الدورين التركي والقطري نسبياً. لكن خلال الفترة الماضية وقعت الحكومة الجديدة في عدة أفخاخ كان هدفها الأساسي نزع السيادة أو التفاوض عليه بشكل تدريجي. 

ما حدث بعد الحرب هو أقرب إلى إعادة توزيع للسيادة وليس استعادتها. السيطرة على الأرض ليست سيادة بحد ذاتها، طالما أن الكثير من القرارات المفصلية تُصنع خارج الحدود وتمر عبر تفاهمات مع قوى أخرى. صحيح أنّ الدولة استعادت أجزاءً من الجغرافيا، لكنّ القرار الوطني ما زال يخضع لمعادلات دولية وإقليمية معقدة، وعبر تفاهمات غير معلنة مع الغرب. لذلك يمكن القول إننا نعيش في مرحلة (السيادة المشروطة) حيث تبقى مؤسسات الدولة قائمة، لكنها تتحرك ضمن سقف مرسوم من الخارج.

  • في ضوء تغير الموازين الدولية والتحالفات الإقليمية الجديدة، إلى أي مدى يمكن لسوريا أن تعيد صياغة موقعها دون أن تكون مجرد تابع؟ وما المطلوب تفصيلاً؟

إعادة صياغة الموقع السوري في الإقليم تتطلب شروطاً كثيرة لكن أهمها بتصوري:

أولاً: بنية سياسية داخلية متماسكة تقوم على تمثيل حقيقي، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس وتحول دون اختراق القرار من الخارج.

ثانياً: مشروع وطني جامع يعيد تعريف الهوية السورية على أساس المواطنة والعدالة، وليس على منطق الغلبة أو تقاسم الحصص.

ثالثاً: إصلاح جذري في مؤسسات الدولة، يُعيد بنائها على أسس وطنية لا على أساس ولاءات ما بعد الحرب.

رابعاً: استقلال القرار الاقتصادي، عبر بناء اقتصاد إنتاجي وتخفيف التبعية للمنح والمساعدات الخارجية، ويُحصّن القرار السياسي.

خامساً: سياسة خارجية متوازنة، تتجاوز الاصطفافات الآنية، وتقوم على المصالح الوطنية لا على تبني محاور الآخرين.

  • هناك من يرى أن مرحلة «براك» ليست فقط إدارة توازنات، بل أيضاً تحويل سوريا إلى سوق مفتوح للمصالح دون هوية وطنية. هل تتفق؟

ليس لدي إجابة 

  • هل يمكن أن تساعد التسويات الدولية الجارية (خاصة مع تصاعد دور الصين) السوريين على استعادة سيادتهم دون “مناديب ساميين”؟ أم أن صراع القوى الكبرى لن يؤثر على سوريا اليوم كما في الأربعينيات؟

الفرق بين اليوم والأربعينيات أن الدولة السورية آنذاك كانت في طور التكوين السياسي، بينما اليوم نحن أمام دولة منهكة تحاول النجاة.

السيادة لا تُمنح، بل تخرج من الداخل. إذا لم يكن هناك مشروع وطني واضح يستثمر هذه الهوامش، فسيعاد إنتاج التبعية ولكن تحت عناوين جديدة. والقوى الكبرى ستستمر في استخدام سوريا كورقة تفاوض، ما لم تكن هناك إرادة سورية منظمة وواعية.

  • باعتبارك باحثاً وممارساً للشأن السياسي، ما هي مسؤولية النخب السورية اليوم في كسر هذه الحلقة من التبعية؟

مسؤولية النخب هي توليد الوعي، ثم بناء أدوات الفعل. المطلوب من النخب أن تتجاوز الاصطفافات الضيقة، وتنتج خطاب وطني عقلاني، يدعو إلى العدالة السياسية، والسيادة الاقتصادية، والهوية الجامعة والتحالفات الذكية. لكن إذا استمرت النخب في تكرار الانقسامات القديمة أو العمل وفق أجندات خارجية، فإنها ستصبح جزءاً من الأزمة لا طريقاً للحل.

  • هل لديك كلمة أخيرة تختم بها هذا الحوار؟

لا خلاص بلا فهم. نحن لا نعيش في زمن الاحتلال الكلاسيكي، بل في زمن صناعة النفوذ الذكي. وكل من لا يفهم طبيعة هذه الأدوات، سيتحول إلى أداة فيها. علينا أن نعيد تعريف مشروعنا، وأدواتنا، وتحالفاتنا، إذا أردنا أن نكون في قلب القرار، لا على هامش الأزمات.

اقرأ أيضاً: خبير الاستثمار سامي إسماعيل: الأمن القانوني أهم من الحوافز والمزايا الضريبية

اقرأ أيضاً: هل يؤدي «توجيه الرئيس الشرع» إلى صدام مع مؤسسات المال الدولية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى