ثقافة وتراث

الرسومات الساخرة والكاريكاتير: سخرية تسعى لتغيير المجتمع

بقلم هلا يوسف

في قوانين الإعلام، عند أعتاب الصورة المعبرة ينتهي الكلام، فقد تكتب جريدة كاملة حول موضوع معين، وتأتي الصورة لتختزله بتعبير واحد. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على الإعلام، بل ينطبق على الإنسان الأول، أي قبل اختراع اللغة، عندما كان البشر ينقشون على الأحجار قصصهم وتواريخهم. ومع تطور الحياة، وظهور الرسم كطريقة للتعبير عن الأفكار، اتخذ بعض الفنانين من الرسوم الساخرة منهجاً للانتقاد، خصوصاً في أوروبا التي كان فيها متسع من الحرية لتطوير هذا النوع من الفن، فظهر الكاريكاتير كوسيلة لتسليط الضوء على قضايا المجتمع الجدلية بطريقة فكاهية. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هل استطاع هذا الفن تحقيق الأثر المطلوب؟

الكاريكاتير كقوة اجتماعية وسياسية مؤثرة

من يتأمل فن الكاريكاتير عن قرب، يكتشف أنه ليس عبارة عن صور تمر مرور الكرام، بل هو طريقة ذكية للتعبير عن الواقع بطريقة مختلفة تماماً. إذ يستطيع هذا الفن أن يلتقط من حياتنا اليومية مشهداً بسيطاً، ثم يعيد رسمه وتقديمه بطريقة تكشف خلفية هذا المشهد من صراعات وتناقضات اجتماعية وسياسية. لذلك نجده قريباً جداً من الناس، لأنه يتحدث عن مشكلاتهم وهمومهم بلغة بصرية سهلة تصل مباشرة إلى الفهم دون تعقيد.

ومع تطور هذا الفن، تحول من تعبير فني بسيط، إلى أداة ناقدة قوية، قادرة على إثارة الأسئلة حول قضايا المجتمع الأكثر أهمية مثل العدالة والسلطة والمجتمع. حيث يفكك المشهد ويشرحه لعناصر، ويعيد تركيبه بطريقة تبدو ساخرة لكنها في الواقع تمس جوهر المشكلات، لتلفت انتباه الناس إلى الكلام الذي لا يقال في الخطابات الرسمية والإعلامية.

وهنا تظهر قوة فن الكاريكاتير الحقيقية، فهو لا يعتمد على الكلمات الطويلة أو الشرح المعقد، بل على الصورة التي تختصر الكثير في لحظة واحدة. وبسبب هذه البساطة الظاهرة والعمق في المعنى، استطاع الكاريكاتير أن يصل إلى مختلف فئات الناس، سواء كانوا مثقفين أو غير ذلك، وأن يثير لديهم التفكير وربما النقاش أو حتى الاعتراض.

ومن يعود لتاريخ هذا الفن، سيكتشف بأنه مر بالكثير من المحطات التاريخية الجدلية، والتي تظهر قوته التأثيرية، ففي فرنسا عام 1894، انتشرت قضية “ألفريد دريفوس” الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي، الذي تم اتهامه زوراً بالخيانة لصالح ألمانيا. وبعد أن شكل حالة جدلية في المجتمع، جاءت الرسوم الكاريكاتيرية لتلعب دوراً مهماً في كشف التناقضات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية. فقد استخدم رسامون مثل “كاران داتش” وغيرهم السخرية لتسليط الضوء على القضية، مما ساهم في إثارة الرأي العام، وانتهت القصة فيما بعد بتبرئة دريفوس عام 1906 بعد سنوات من الظلم.

الرسومات الساخرة والكاريكاتير: سخرية تسعى لتغيير المجتمع

وأيضاً خلال الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، استخدم الكاريكاتير كسلاح إعلامي. الحلفاء رسموا أدولف هتلر بشكل ساخر ومبالغ فيه، أحياناً على هيئة طفل غاضب أو شخص يتحكم بخريطة أوروبا كما لو كانت لعبة بين يديه، بهدف تقليل هيبته في نظر الناس ودعم الروح المعنوية ضد النازية.

أما في العصر الحديث، فقد اتخذ الرسم الساخر شكلاً جديداً مع فن الشارع، وكان أبرز رموزه الفنان البريطاني “بانكسي“، الذي بدأ نشاطه في مدينة بريستول في التسعينيات. بانكسي استخدم تقنية ستنسل Stencil لرسم أعماله بسرعة في الأماكن العامة. من أشهر أعماله لوحة “Girl with Balloon” عام 2002 تقريباً، التي أصبحت رمزاً عالمياً للأمل والفقدان، ثم حدثت واقعة شهيرة عام 2018 عندما تمزقت اللوحة ذاتياً بعد بيعها في مزاد في لندن، في حدث أثار جدلاً عالمياً حول معنى الفن وسوقه.

الرسومات الساخرة والكاريكاتير: سخرية تسعى لتغيير المجتمع

ومن أعماله أيضاً “Devolved Parliament” عام 2009، التي صور فيها البرلمان البريطاني على هيئة قرود، في نقد ساخر للحياة السياسية في بريطانيا.

الكاريكاتير في العالم العربي: رموز ونضال وصوت الشارع

لم يكن الكاريكاتير مقتصراً على جرأة الفنانين الغربيين، بل كان للفنانين العرب محطات عبروا فيها عن جرأتهم بطرح القضايا السياسية والاجتماعية عن طريق الكاريكاتير. وأول هذه المحطات المهمة كانت مجلة “أبو نضارة” التي أسسها يعقوب روفائيل صنوع عام 1877 في مصر. حيث كانت تعتبر هذه المجلة من أوائل التجارب العربية التي استخدمت الرسم الكاريكاتيري للنقد السياسي والاجتماعي. وبعد نفيه إلى باريس في عهد الخديوي إسماعيل، استمر صنوع إصدار المجلة من المنفى، وهاجم فيها الفقر وسوء الإدارة في مصر. ومع الضغط السياسي، تم إغلاق المجلة أكثر من مرة وتغيير اسمها إلى “رحلة أبو نضارة” ثم “النظارة المصرية”، قبل أن تتوقف نهائياً، لكنه استمر فيما بعد بإصدار مجلات ساخرة أخرى مثل “أبو صفارة”.

عندما نتحدث عن رسامي الكاريكاتير العرب، يقفز اسم الفنان الفسلطيني ناجي العلي إلى رأس القائمة، فالفنان الذي ولد عام 1937 في قرية الشجرة في الجليل، وتم تهجيره عام 1948، عاش تجربة اللجوء التي أثرت في فنه بشكل كبير. ففي عام 1969 تقريباً بدأ يرسم شخصية “حنظلة”، الطفل الذي يظهر دائماً بظهره للعالم ويداه خلف ظهره، وظل عمره 10 سنوات كما قال ناجي العلي نفسه: “سيبقى في العاشرة حتى يعود إلى فلسطين”. وقد أصبح حنظلة رمزاً عربياً للرفض والصمت والغضب من الواقع السياسي.

الرسومات الساخرة والكاريكاتير: سخرية تسعى لتغيير المجتمع

أما في مصر، فقد برز اسم الفنان مصطفى حسين (1935–2014)، الذي يعد من أهم رسامي الكاريكاتير في الصحافة المصرية. حيث كان يعمل في الصحافة بالبداية في أوائل الخمسينيات، ثم عمل في مجلات مثل “أخبار اليوم” و”المساء”. وفي عام 1956 بدأ نشاطه كرسام كاريكاتير يومي. شكّل ثنائياً شهيراً مع الكاتب أحمد رجب، حيث كان أحمد رجب يكتب الفكرة، ومصطفى حسين يحولها إلى رسم ساخر قريب من الناس. من أشهر أعماله شخصيات مثل “ماما سوسو” و”فلاح كفر الهنادوة”، كما تحولت بعض أعماله إلى مسلسلات تلفزيونية مثل “قط وفار”.

الكاريكاتير السوري.. فن المواجهة مع السلطة

عندما نتحدث عن تاريخ الكاريكاتير في سوريا، فإننا لا نتحدث عن رسوم ساخرة هدفها الضحك فقط، بل عن تاريخ طويل من المواجهة مع السلطة، وعن فن اختار منذ بداياته أن يكون قريباً من الناس وهمومهم. وكانت البداية الحقيقية عام 1928، عندما أسس الصحفي والكاتب السوري حبيب كحالة مجلة “المضحك المبكي”، التي تعد أول مجلة سورية منحت الكاريكاتير السياسي مساحة واسعة وجعلته أداة للنقد العلني.

لم تكن المجلة مجرد إصدار صحفي جديد، بل كانت عبارة عن مشروع ثقافي يواجه سلطة الانتداب الفرنسي، وينتقد كذلك السياسيين السوريين المتعاونين معه. لكن توقفت عن الصدور أكثر من مرة بعد التضييق عليها من قبل سلطة الانتداب الفرنسي، كما تعرض كحالة للاعتقال بسبب رسومه لتنتهي رحلتها عام 1966 مع وفاة كحالة وبدايات حكم حزب البعث. وعلى الرغم من أن الصحيفة لم تستمر لفترة طويلة، لكنها أسست لفكرة الرسوم الساخرة. فالصحف التي جاءت بعدها مثل “الجريدة” و”الحياة”، خصصت مساحة للرسامين الساخرين.

بينما توجه عدد كبير من الفنانين السوريين إلى توظيف الفن في الدفاع عن القضية الفلسطينية مع تصاعد المواجهات بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي. فقد برز عدة أسماء خلال تلك الفترة من بينهم الفنان نعيم إسماعيل، والفنان محمود حماد الذي أدخل الحرف العربي إلى أعماله التشكيلية.

ومع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، عاد الكاريكاتير إلى الواجهة بقوة، لكنه هذه المرة خرج من صفحات الصحف إلى جدران المدن وشاشات الإنترنت. وأصبح الرسم الساخر وسيلة لتوثيق الأحداث، وكشف الانتهاكات، ومواجهة الرواية الرسمية. وكان الفنان علي فرزات من أبرز الوجوه في هذه المرحلة، فقد عُرف منذ سبعينيات القرن الماضي برسومه الناقدة للفساد والبيروقراطية دون تحديد هوية أي شخص، كما أسس صحيفة “الدومري” التي كانت أول صحيفة سورية مستقلة متخصصة بالكاريكاتير قبل أن يتم إغلاقها بقرار سياسي. وفي آب 2011 تعرض فرزات لاعتداء عنيف، حيث كُسرت أصابع يديه في محاولة لإسكات ريشته، إلا أن الحادثة حولته إلى رمز عالمي لحرية التعبير.

ولم يكن علي فرزات الوحيد الذي دفع ثمن مواقفه، فقد اعتُقل رسام الكاريكاتير أكرم رسلان عام 2012 من مقر عمله، ثم قُتل تحت التعذيب، ليصبح واحداً من أبرز شهداء الكلمة والرسم في سوريا. وفي الوقت نفسه، لجأ فنانون آخرون مثل موفق قات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت لهم مساحة حرة لنشر رسوماتهم بعيداً عن الرقابة، كما شارك مع أكثر من أربعين فناناً سورياً في معارض أقيمت في عدد من الدول الأوروبية لنقل معاناة السوريين إلى العالم عبر لغة الصورة.

الرسومات الساخرة والكاريكاتير: سخرية تسعى لتغيير المجتمع

ومع استمرار الحرب وتشتت ملايين السوريين في المنافي، لم يتوقف الفن عن أداء دوره، بل تغيرت رسالته. فبعد أن كان يواجه السلطة بشكل مباشر، أصبح أيضاً وسيلة للحفاظ على الذاكرة واستعادة المدن التي دمرتها الحرب. ويظهر ذلك بوضوح في أعمال الفنان والمهندس السوري الأمريكي محمد حافظ، الذي اشتهر بصنع مجسمات دقيقة تعيد بناء البيوت والحارات والأسواق السورية المدمرة. كما قدم سلسلته الفنية الشهيرة “حقائب سفر”، التي استخدم فيها الحقيبة رمزاً للاجئ الذي يحمل وطنه وذكرياته في مكان صغير، ليحول تجربة اللجوء والاقتلاع إلى أعمال فنية مؤثرة يفهمها الناس في مختلف أنحاء العالم.

كما ظهر في عام 2014 عمل فني عالمي تضامني مع سوريا، شارك فيه فنانون مثل بانكسي والممثل إدريس إلبا وفرقة “Elbow”، من خلال فيديو كرتوني يسلط الضوء على الأزمة السورية، مستخدماً رمز “فتاة البالون” كإشارة للأمل وسط الدمار، وهو جزء من حملة “With Syria” التي انطلقت في أكثر من 30 دولة.

وبما أننا ذكرنا الثورة السورية، لا بد من الإشارة إلى تحول الجدران خلال ثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011، إلى مساحة مفتوحة للكاريكاتير والكتابة. إذ امتلأت جدران ميدان التحرير برسومات وشعارات تعبر عن الحرية والاحتجاج. وفي تونس وليبيا وسوريا، أصبحت الجدران وسيلة للتعبير عن الغضب الشعبي، وكأن الشارع نفسه تحول إلى صحيفة كبيرة يكتب فيها الناس آرائهم دون خوف.

باختصار، لغة الصورة أصدق وأكثر تعبيراً من أي لغة أخرى، والرسم الساخر والكاريكاتير كان وما زال الطريقة لتوثيق فترات تاريخية بوجهها الإصلاحي والناقد، فقد دفع الكثير من رسامي الصور الساخرة ثمن مواقفهم ونظرتهم للأمور. ومن خلال تاريخ هذا الفن نكتشف أنه قادر على إحداث تأثير كبير في المجتمعات، والدليل على حجم هذا التأثير محاربة السلطات له، خصوصاً في البلدان العربية.

اقرأ أيضاً: «السينما السورية إلى أين؟»: مناقشة قديمة تتجدد في لحظة إعادة بناء ثقافي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى