ثقافة وتراث

القهوة بين المزاج والفوائد: دراسة علمية تكشف تأثيرها على الكبد

بقلم هلا يوسف

يرتبط الصباح عند السوريين بفنجان القهوة الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ففنجان واحد قادر على تغيير المزاج، وصنع يوم جيد. هذا ما يحدث بالظاهر، لكن داخل الجسم يعمل البن بطريقة مختلفة تؤثر مباشرة على الكبد بشكل أساسي، فالدراسات العلمية استطاعت إثبات فوائد فنجان القهوة على صحة الجسم والكبد. فتخيل حجم الإفادة التي يحصل عليها السوريون خصوصاً مع تصنيف “إندي 100” التابع لصحيفة الإندبندنت البريطانية سوريا بالمركز الخامس عربياً في استهلاك القهوة. إذ يبلغ متوسط استهلاك الفرد نحو 1.6 كيلوغرام سنوياً، بينما يصل إجمالي استهلاك السوريين إلى نحو 100 طن سنوياً، كما ارتفعت واردات القهوة بنسبة وصلت إلى 400%.

ومع ولع السوريين بالقهوة من ناحية، وانتشار الدراسات العلمية التي تثبت فائدتها، بدأت أساليب الغش في سوريا تنتشر بطرق لا تخطر على بال، فهناك من يخلط البن بالشعير المحمص، أو بعض أنواع البقوليات، أو الخبز المحروق، أو جذور الهندباء، أو حتى نوى التمر بعد طحنها. وهناك من يستخدم نشارة الخشب الناعمة أثناء التحميص لزيادة الوزن، ثم يضيف منكهات وروائح صناعية حتى تبدو القهوة وكأنها طبيعية.

وهنا إذا افترضنا أننا نشرب قهوة جيدة، فهل يمكن أن تقدم لنا فوائد صحية حقيقية؟ هذا السؤال حاولت الإجابة عنه دراسة علمية كبيرة نشرت حديثاً.

دراسة علمية ضخمة… ماذا يحدث للكبد عند شرب القهوة؟

أجرى باحثون من مركز سيدارز-سيناي الطبي في الولايات المتحدة واحدة من أكبر الدراسات التي تناولت العلاقة بين القهوة وصحة الكبد، ونُشرت نتائجها في مجلة Clinical Gastroenterology and Hepatology. حيث قاد الدراسة الدكتور هيونسوك كيم، الأستاذ المساعد في الطب بمركز سيدارز-سيناي، وشارك فيها الدكتور جو دونغ يانغ، المدير الطبي لبرنامج سرطان الكبد، إلى جانب الدكتورة شيلي لو، رئيسة قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد في المركز.

ولم تكن هذه الدراسة صغيرة أو محدودة كما هو الحال في كثير من الأبحاث السابقة، بل اعتمد الباحثون على بيانات 354,957 شخصاً من المشاركين في بنك البيانات الحيوية البريطاني، وجميعهم لم يكونوا مصابين بتليف الكبد أو سرطان الكبد عند بداية الدراسة.

ثم تابع الباحثون هؤلاء المشاركين لمدة متوسطة بلغت 13 عاماً، وقاموا بربط بياناتهم بالسجلات الصحية لمعرفة من أصيب بتليف الكبد أو سرطان الكبد أو توفي بسبب أمراض الكبد. وتخطوا ذلك إلى الاستعانة بفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي للكبد، بالإضافة إلى تحاليل بروتينات الدم، للحصول على صورة أوضح لما يحدث داخل الجسم.

ويقول الدكتور هيونسوك كيم إن الدراسات السابقة كانت تشير إلى احتمال وجود فوائد للقهوة، لكنها كانت محدودة، أما هذه الدراسة فقد جمعت بين عدد كبير جداً من المشاركين والمتابعة الطويلة والفحوصات الطبية الدقيقة، وهو ما منح النتائج قوة أكبر.

وعندما حلل الباحثون البيانات، كانت النتائج ملفتة للانتباه. فقد تبين أن الأشخاص الذين يشربون القهوة كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض الكبد مقارنة بمن لا يشربونها.

أما الأشخاص الذين كانوا يشربون خمسة أكواب أو أكثر يومياً، فقد انخفض لديهم خطر الإصابة بتليف الكبد بنسبة 32%، وانخفض خطر الإصابة بسرطان الكبد بنسبة 47%، كما تراجعت احتمالات الوفاة المرتبطة بأمراض الكبد بنسبة 42%.

ودعموا النتائج بالفحوصات الطبية، بالإضافة إلى الإحصاءات السابقة، فقد أظهرت صور الرنين المغناطيسي أن شاربي القهوة لديهم دهون أقل في الكبد، كما تقل لديهم تراكمات الحديد. وأظهرت تحاليل الدم ارتفاع البروتينات المرتبطة بوظائف الكبد السليمة، مقابل انخفاض البروتينات المرتبطة بالالتهاب وتندب الكبد، وهو ما يساعد في تفسير العلاقة بين القهوة وصحة الكبد من الناحية البيولوجية.

وعلى الرغم من الفوائد الكبيرة للقهوة، إلا أن الباحثين أشاروا أيضاً إلى وجود فوائد لدى الأشخاص الذين يشربون كوب أو كوبين يومياً، وتصبح أوضح عند تناول ثلاثة إلى أربعة أكواب يومياً. ورغم ذلك، نصح الخبراء بعدم زيادة استهلاك القهوة لخمسة أكواب يومياً.

ومن النتائج المهمة أيضاً أن الفوائد ظهرت لدى شاربي القهوة العادية والقهوة منزوعة الكافيين، وهو ما يشير إلى أن الكافيين ليس المكون الوحيد المسؤول عن هذه التأثيرات، بل ربما توجد مركبات طبيعية أخرى داخل حبوب القهوة تؤدي دوراً مهماً.

ونوه الباحثون أن هذه الدراسة من النوع الرصدي، أي أنها تثبت وجود ارتباط بين شرب القهوة وانخفاض خطر الإصابة بأمراض الكبد، لكنها لا تثبت أن القهوة وحدها هي السبب المباشر لهذه الحماية.

ويؤكد الدكتور جو دونغ يانغ أن نتائج الدراسة تشجع الأشخاص الذين يستمتعون بالقهوة، لكن في نفس الوقت لا تعني أن يبدأ أي شخص بشرب القهوة من أجل حماية الكبد فقط. فالحفاظ على وزن صحي، وممارسة الرياضة، وضبط مستوى السكر وضغط الدم والكوليسترول، والابتعاد عن العادات الضارة، ما زالت هي الأساس في الوقاية من أمراض الكبد.

كما أوضحت الدكتورة شيلي لو أن الخطوة المقبلة في هذا البحث ستكون محاولة تحديد المركبات الموجودة داخل القهوة والمسؤولة عن هذه التأثيرات، مما قد يفتح الباب مستقبلاً لفهم أفضل لكيفية حماية الكبد، ومعرفة الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من هذه المركبات أكثر من غيرهم.

في النهاية، شرب القهوة يجب أن يبقى ضمن حدوده المعتدلة، حتى لا نحمي الكبد من جهة، ونصيب أنفسنا بارتفاع الضغط من جهة أخرى. وربما تحمل الدراسات القادمة اكتشافات جديدة حول فوائد القهوة والبن تغنينا عن زيادة معدل استهلاك القهوة حتى نحقق الفوائد المرجوة.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى