القهوة العربية.. لكل فنجان حكاية وطقوس خاصة تعبر عن الكرم العشائري

بقلم هلا يوسف
تُعدّ القهوة العربية ركناً أساسياً في جلسات العشائر السورية والعربية، إذ ارتبط حضورها بالضيافة والكرم الذي تُعرف به هذه العشائر. ورغم تلاشي كثير من الطقوس المرافقة لشربها، ما تزال القهوة العربية تُقدَّم للزوار في القبائل السورية. والأجمل أن هذه العادة وجدت طريقها إلى بيوت سورية عديدة أخرى، ولو بصورة جزئية.
لطالما ارتبطت القهوة العربية بعدد من العادات والتقاليد العشائرية التي تمتد جذورها لقرون طويلة، إذ لم يكن إعدادها وتقديمها مجرد فعل اعتيادي، بل كان يحمل معاني ودلالات عميقة. فلكل حركة أو كلمة ترافق شربها رسالة، ولكل سلوك أو موقف خلال تقديمها هدف ومقصد.
في قرية مسعدة، جنوب بلدة تل كوجر (اليعربية في ريف ديرك)، يروي أحد كبار وجهاء عشيرة شمر كيف كانت القهوة العربية قديماً تصنع حصراً في بيت شيخ القبيلة. حيث كان الشيخ يتولى بشكل مباشر مهمة استقبال الضيوف وتقديم القهوة لهم، ولا يسمح لأحد داخل القبيلة مهما كان قرابته، أن يصنع القهوة. وكانت أي محاولة لصنع القهوة في مكان آخر تعتبر تحدياً لسلطة الشيخ وتمرداً على الأعراف العشائرية.
لكن مع مرور الوقت واستقرار العشائر في القرى والبلدات، بدأ تقليد تقديم القهوة يتوسع ليشمل بيوت كبار العوائل، الذين أصبحوا يعرفون “بالملافي”. ومع هذا التغيير بدأت القهوة العربية تصبح سمة مميزة في المضافات التي تستقبل الضيوف.
إذا هز الضيف فنجان قهوته دل ذلك على اكتفائه. وكان هز الفنجان يعني أنه قد شرب ما يكفي ولا يرغب في المزيد. ومن التقاليد أيضاً أن يقدم الفنجان باليد اليمنى وأن يشرب بها، ولا يجوز للضيف وضع الفنجان على الأرض حتى وإن كان فارغاً.
ومن بين العادات التي كانت سائدة في الماضي، كان ترك شيء من القهوة في قاع الفنجان يعتبر إهانة لصاحب القهوة ويعد بمثابة إشارة على أن الشخص غير أهل لتقديم القهوة. وكان من المعتاد أيضاً أن يشرف الشيوخ على اختيار من يصب القهوة من الأشخاص الذين لا يسمعون جيداً، وذلك لحماية خصوصية المضيف وضمان عدم سماع أي أخبار أو أحاديث جانبية خلال اللقاءات.
كان لشرب القهوة طقوسه الخاصة، عادةً ما يقدم الضيافة فنجان واحد أو اثنان أو ثلاثة، حيث يعتبر الأول “فنجان الرأس” أي فنجان الضيافة، والآخر يطلق عليه “فنجان الطرد”، ويشربه الضيف لطرد الضجر والملل، بينما يعتبر الفنجان الثالث “فنجان الخلاص”، وغالباً ما يكتفي البعض بفنجانين فقط.
أما بالنسبة لتحضير القهوة فيبدأ الأمر بحمص البن على نار هادئة داخل “المحماس”، ويحرك بشكل مستمر حتى يصبح لونه بنياً داكناً. بعدها يفرغ البن المحمص في صينية ليبرد، ومن ثم يُطحن بواسطة “النجر”، وهو أداة قديمة تستخدم لصنع القهوة. كان صوت طحن البن بمثابة دعوة للصباح، حيث يشتاق الجميع لهذا الصوت المميز الذي يعلن بدء تحضير القهوة.
تغلى القهوة بعد إضافة الهيل في دلة صغيرة تسمى “المصبة”، وتقدم بعد أن يضاف إليها الماء لتهدأ وتصبح جاهزة للشرب. أما الطبخة الأولى من القهوة، فتسمى “البكر” وتشرب بعد إضافة الهيل مباشرة. أما الطبخة الثانية، والتي تسمى “الثنوة” أو “العشرة”، فهي المرة التي يُعاد فيها غلي القهوة وتصبح أكثر قوة.
إذن القهوة العربية ليست مجرد مشروب، بل هي جزء من التراث العشائري وثقافة عميقة تحمل في طياتها الكثير من القيم والعادات التي تعكس كرم الضيافة والاحترام والتقدير للآخرين.
مشاركة نسائية في تقليد القهوة العربية
على الرغم من أن معظم الطقوس التي ترافق تقديم القهوة العربية ترتبط بالرجال بشكل أساسي، إلا أن هناك بعض العادات التي تشمل الجميع، سواء كان رجلاً أو امرأة. إحدى هذه الطقوس كانت تمارس حتى وقت قريب، خاصة في فترات الجفاف، حيث كان يُعتقد أن شرب القهوة له علاقة بطلب الغيث من السماء.
في تلك الأوقات الصعبة كانت النساء والأطفال يخرجون إلى القرى المجاورة، ويسعون لدخول مضافات الضيافة هناك. كانت النساء يسكبن القهوة على الأرض، بينما يحملن “الدلة” (إبريق القهوة) معهم كنوع من التعبير عن حاجتهن للمطر في سنوات الجفاف.
والغريب في هذا التقليد أن نساء القرية المستهدفة كنّ يتولَّين الدفاع عن مضافة قريتهن أثناء غياب الرجال، في مشهد يعبّر عن شجاعة وصلابة المجتمع البدوي في مواجهة التحديات. كانت تلك اللحظات تتخطى مجرد إعداد القهوة، بل كانت تجمع بين الفلكلور الشعبي والروح الجماعية التي تتحد في أوقات الأزمات.
تبقى العادات العربية القديمة رمزاً للضيافة والكرم حتى لو مضى عليها دهور. وعادة القهوة العربية من أجمل العادلت التي ارتبطت بالعشائر السورية العربية.
اقرأ أيضاً: عادات عيد الفطر حول العالم وأغربها









