القنصليات والسفارات السورية.. وجه سوريا في الخارج بين الخدمات وإعادة الترتيب
كيف أُعيد ترتيب القنصليات والسفارات السورية بعد سقوط النظام؟

السفارات والقنصليات السورية في الخارج هي الواجهة الدبلوماسية والرسمية للدولة، وهي قناة التواصل الأساسية بين سوريا والرعايا السوريين المقيمين في الخارج. هذه السفارات والقنصليات بمثابة بعثات دبلوماسية تمثل وتنقل السياسة السورية للخارج وللدولة المضيفة.
تعمل هذه البعثات على تقديم الخدمات القنصلية، مثل إصدار الوثائق الرسمية ورعاية شؤون الجاليات السورية في الخارج. وهناك ما يعرف بالقنصليات الفخرية وهي بمثابة مكاتب صغيرة، الأشخاص المسؤولون فيها مكلفون بمهام رمزية وخدمية محدودة. هذه القنصليات تنشط عندما لا يكون هناك تمثيل دبلوماسي دائم، الهدف منها تسهيل شؤون المواطنين وتعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية. في هذا المقال سنناقش السفارات والقنصليات السورية في الخارج ونعرض آلية عملها، وإعادة ترتيبها بعد السقوط، إضافةً إلى التحديثات التي طالت إدارة القنصلية في سوريا لخدمة المواطنين.
آلية عمل القنصليات والسفارات السورية
وفق تقارير، عدد البعثات الدبلوماسية والقنصلية خارج سوريا بلغ 54 سفارة وبعثة على رأس عملها في عواصم ومدن العالم بين آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين. وبلغ عدد العاملين في السلك الدبلوماسي والقنصلي خارج سوريا، 152 شخصاً في 54 مدينة، وهم: 25 سفيراً، و15 قائماً بالأعمال، ووزير مفوض واحد، و25 شخصاً برتبة وزير مستشار، و20 سكرتيراً أولاً وثانياً وثالثاً، و72 ملحقاً دبلوماسياً وإدارياً وعسكرياً. كما أن أكبر البعثات الدبلوماسية موجودة في كل من نيويورك (مقر الأمم المتحدة)، والقاهرة (مقر الجامعة العربية)، وفي مسقط عاصمة سلطنة عُمان، إلى جانب بعثات كل من فيينا ودبي وبغداد.
تعمل السفارات السورية بوصفها الممثل الرسمي للدولة في الخارج، وتقوم بالإشراف على جميع الملفات السياسية والاقتصادية والثقافية، إضافةً إلى العلاقات الثنائية بين الجانبين. يرأسها السفير الذي يتبع بشكل مباشر إلى وزارة الخارجة والمغتربين في العاصمة دمشق. طبيعة عمل السفير قائمة على نقل مواقف الدولة الرسمية، والتنسيق مع سلطات الدولة المضيفة، فضلاً عن متابعة شؤون الجالية السورية.
أما القنصليات، فتختلف قليلاً عن السفارات إذ تعنى بشكل رئيسي بالخدمات الإدارية للمواطنين، على سبيل المثال إصدار وتجديد جوازات السفر، تنظيم الوكالات، إلى جانب تسجيل واقعات الولادة والوفيات والزواج، والتصديق على الوثائق الرسمية، فضلاً عن تقديم المسعدة القانونية والإنسانية في الحالات الطارئة وذلك بالتعاون مع السلطات المحلية. وهناك ما يعرف بالقنصلية الفخرية، وهي عبارة عن بعثة تمثيلية محدودة، دون أن يكون القنصل فيها موظفاً مهنياً دبلوماسياً تابعاً لوزارة الخارجية، والقنصل الفخري هو من يقوم بوظيفة القنصل عن الدولة في مناطق ليس لها فيها تمثيل دبلوماسي. وكثيراً ما يكون القنصل الفخري من التجار وأصحاب الأعمال الحرة، فتصبح القنصلية الفخرية إضافة إلى عمله الأصلي، وقد يكون القنصل الفخري لا يحمل جنسية الدولة التي يمثلها، وقد يعمل بدون أجر على منصبه. ولا تملك القنصلية الفخرية صلاحيات سياسية أو دبلوماسية كاملة كالسفارة.
اقرأ أيضاً: حفل افتتاح رسمي للسفارة السعودية في دمشق قبل وصول السفير
إعادة ترتيب البعثات الدبلوماسية بعد السقوط
عقب السقوط شهدت الدبلوماسية السورية الخارجية الفترة الماضية دراسة حثيثة لكامل ملفات السفارات والقنصليات والمكاتب القنصلية، إذ عملت الخارجية السورية على تنشيط معظم مكاتبها في مقر الوزارة لرفد الكوادر في البعثات الدبلوماسية بأشخاص كفؤ بينهم دبلوماسيون سابقون وأكاديميون لديهم خبرة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
هذه العملية هي إعادة هيكلة شاملة للسلك الدبلوماسي، وما يجري لا يقتصر على تغيير أشخاص أو مناصب، بل يندرج ضمن إطار إعادة تأسيس الدبلوماسية السورية كأداة سيادية مستقلة، تعبّر عن مصالح السوريين وتعيد ربط البلاد بالعالم، وتستعيد الثقة المفقودة منذ عقود.
في نيسان الماضي، أطلق وزير الخارجية السوري “أسعد الشيباني” عملية إعادة هيكلية السفارات والبعثات الدبلوماسية بتوجيهات من الرئيس أحمد الشرع، وأضاف الوزير الشيباني أن “إعادة هيكلة سفاراتنا وبعثاتنا سيكون بما يضمن تمثيلاً مشرفاً للجمهورية العربية السورية”. وقد أصدر الشيباني قراراً يقضي بنقل سفيري سوريا في روسيا والمملكة العربية السعودية إلى الإدارة المركزية في الوزارة، وقالت مصادر الخارجية حينها، إن هذا الإجراء يأتي في إطار حركة التغييرات الدبلوماسية التي بدأت للتو، من دون أن يحدّد ما إذا كانت تشمل مناصب أخرى في السلك الدبلوماسي. وأوضح المصدر أن هذا القرار يأتي في إطار حركة التغييرات الدبلوماسية التي بدأت مؤخراً.
والجدير بالذكر، أن بعض الدول قد رفضت استمرار عدد من السفراء السابقين على أراضيها، فيما لا تزال أموال بعض السفارات السورية مجمّدة في عواصم أخرى. تباينت آراء الدبلوماسيين السابقين والمحللين حول قرارات وزارة الخارجية السورية، فمنهم من رأى فيها خطوة موفقة في إعادة عدد من دبلوماسيي النظام السابق إلى البلاد، في حين رأى دبلوماسيون سابقون، أن الواقع على الأرض لم يتغير كثيراً، لا سيما مع غياب آليات التعيين والتوظيف ووجود أعداد كبيرة من موظفي النظام السابق على رأس عملهم، في ظل عدم وضوح الرؤية السياسية للدبلوماسية السورية الجديدة.
لكن هذه الخطوة تحمل أكثر من دلالة، من جهة، إعادة الترتيب هذه قد تكون مرتبطة بعملية مراجعة داخلية، ومن جهة أخرى يمكن النظر إليها كخطوة تمهيدية لإعادة هيكلة الدبلوماسية السورية بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والعودة الجزئية اللازمة إلى بعض المحافل العربية، لكن، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة وحدها مؤشراً كافياً على إصلاح حقيقي.
يرى مراقبون ، أن إعادة هيكلية البعثات الدبلوماسية في الخارج ما هي إلا استجابة لمطالب السوريين في بعض الدول التي تشتكي فيها الجاليات السورية من الواقع المتدهور للسفارات السورية، مثل ألمانيا والسعودية وتركيا.
اقرأ أيضاً: روسيا وسوريا.. سياسات جديدة تُنسج على بقايا العلاقات القديمة؟
التحديثات الجديدة في إدارة القنصلية في سوريا
تحت إطار الخطة الإصلاحية الشاملة، التي أعلنت عنها وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا والإدارة القنصلية، هناك سلسلة تحديثات جديدة لتطوير الخدمات القنصلية في داخل سوريا وخارجها، الهدف منها هو تبسيط الإجراءات وتسهيل حصول المواطنين في الداخل على الخدمات، والجالية السورية في الخارج.
هذه الخطوات تشمل: اعتماد نظام الحجز الالكتروني لمنع الواسطة والسمسرة وتنظيم المواعيد بشفافية، فضلاً عن توسيع صالات تقديم الخدمات في كل من برلين وبون إلى جانب إصدار أكثر من ألفي جواز سفر بشكل يومي. إضافةً إلى استحداث قنصليات جديدة في كل من جدة وغازي عنتاب وتحديث القنصليات القائمة في كل من بيروت واسطنبول.
أطلقت الوزارة كذلك نظام الدور الالكتروني واللصاقة الرقمية من أجل توثيق المعاملات، ورفعت عدد النوافذ في الصالة القنصلية بدمشق مع تدريب كوادر جديدة وتوزيعها على باقي المحافظات. ومن مشتملات الخطة كذلك افتتاح مكاتب قنصلية في كل من إدلب ودير الزور من أجل تخفيف أعباء السفر، فضلاً عن إنشاء قسم للجودة لتقييم الأداء عبر رموزQR، إلى جانب متابعة الشكاوى مباشرة. وحسب الوزارة، تجاوز عدد المعاملات المنجزة أكثر من مليون ومئتي ألف معاملة خلال أربعة أشهر، ما يعكس تحولاً رقمياً وإدارياً واسعاً نحو أتمتة العمل القنصلي وتطوير الأداء الدبلوماسي السوري بما يواكب احتياجات المواطنين في الداخل والمهجر.









