القمح يكفي والمال لا يكفي.. عن مفارقة الاكتفاء السوري نتحدث!

الكاتب: أحمد علي
ينتهي عمل الحصادة، وتغادر الشاحنة مركز الاستلام، لكن الموسم لا ينتهي لدى المزارع المتعب. فخلف الأكياس المسلّمة ديون لبذار وسماد ووقود وأيد عاملة، وموعد قريب لحراثة الأرض من جديد. لذلك يبدو خبر امتلاء الصوامع مختلفاً من الحقل عنه في البيان الرسمي. فالقمح موجود، أما المال الذي يعيد الدورة إلى بدايتها فلا يصل بالسرعة نفسها كما يبدو.
أعلنت المؤسسة السورية للحبوب في آب 2026 استلام نحو 2.7 مليون طن، ثم رفعت حصيلة نهاية الموسم إلى قرابة 2.75 مليون، مقابل 2.55 مليون طن قالت إنها تكفي لصناعة الخبز. الباحث الفرنسي بنجامين فيف قرأ المفارقة من زاوية المدفوعات وتركيب المحصول، ومراجعة الأرقام تؤيد جوهر تحذيره. مع ذلك، تحتاج بعض استنتاجاته إلى أن تبقى تقديرات مشروطة لا حقائق نهائية.
ملخص ما يقوله الباحث الفرنسي بنجامين فيف هو أن إعلان سوريا تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح يخفي وراءه مفارقة أساسية بين وفرة المحصول وضعف القدرة المالية للدولة على دفع ثمنه، فضلاً عن أن الكميات المستلمة لا تعني بالضرورة انتفاء الحاجة إلى الاستيراد، بسبب الاختلال بين فائض القمح القاسي والعجز في القمح الطري المستخدم بصورة أكبر في صناعة الخبز.
ويرى فيف أن نقص السيولة وتأخر مستحقات المزارعين، وتحويل ربعها عبر تطبيق «شام كاش»، لا يشكلان مجرد مشكلة دفع مؤقتة، بل قد يهددان موسم القمح المقبل، لأن المزارعين يحتاجون إلى أموالهم خلال أيلول وتشرين الأول لشراء البذار والأسمدة والوقود وتجهيز الأراضي، فيما قد يستمر بعضهم في تلقي مستحقاته على أقساط لأشهر.
وبذلك، فإن السياسة التي نجحت في جمع محصول كبير هذا العام قد تضعف قدرة المزارعين على تمويل الموسم التالي، ولا سيما في شمال شرق سوريا الذي يقود إنتاج القمح، ما يجعل المشكلة في نظر الباحث أعمق من أزمة سيولة، إذ تكشف خللاً في تصميم سياسة شراء القمح نفسها، وفي المبالغة بمفهوم «الاكتفاء الذاتي» بينما تستمر الحاجة إلى التجارة والاستيراد وتبقى الزراعة شديدة الارتهان للأمطار وتقلبات المناخ.
الاكتفاء السوري من القمح يحتاج إلى تعريف
الرقم الذي تجاوزته المشتريات الحكومية هو احتياج مرتبط أساساً بالخبز، لا كل استخدامات القمح في البلاد. فالبذار والعلف والبرغل والفريك والمعكرونة ترفع الحاجة الإجمالية، وقدّر مسؤول زراعي الإنتاج الكلي بأكثر من 3.5 ملايين طن عند احتساب هذه الاستخدامات. لهذا يصح القول إن مخزون الخبز تحسن بقوة، بينما يبقى إعلان الاكتفاء الوطني الشامل أوسع من الدليل المتاح.
ثم إن 2.7 مليون طن هي كمية دخلت مراكز المؤسسة، وليست تقديراً مستقلاً لكل ما أنتجته الحقول. يظل جزء للاستهلاك المنزلي والبذار والتجارة الخاصة. فهذه ليست ملاحظة لغوية صغيرة. فهي تحدد إن كانت سوريا تملك فائضاً قابلاً للتصدير، أم أنها غطت قناة الشراء الحكومي واحتفظت بقنوات أخرى خارج الحساب.
القمح ليس صنفاً واحداً
يلفت تحليل الباحث الفرنسي فيف إلى فرق بين القمح الطري والقاسي. وباستخدام نسب الشراء المنشورة حتى منتصف تموز، وهي 54.4 في المئة طري و45.6 في المئة قاس، ثم مقارنتها بخلطة افتراضية للخبز نسبتها 80 إلى 20، يظهر عجز يقارب 571 ألف طن من الطري وفائض يقارب 721 ألفاً من القاسي. والحساب نفسه صحيح رياضياً.
لكن النتيجة مؤشر لا ميزان نهائي. فهي تفترض بقاء تركيب مشتريات منتصف الموسم حتى نهايته، وثبات نسبة الخلط، وعدم وجود مخزون مرحّل أو قدرة على تعديل المطاحن. ما تؤكده بثقة هو أن مجموع الأطنان وحده لا يجيب عن ملاءمة النوع. وقد تحتاج البلاد إلى تجارة تبدل فائضاً من القاسي بطري يناسب الخبز، من دون أن يعني ذلك فشل الموسم.
شحنة طرطوس تختبر دقة الإعلان
وصول شحنة قمح إلى ميناء طرطوس في 11 آب، بعد أيام من القول إن الاستيراد لن يكون ضرورياً، يخلق تناقضاً ظاهراً. وقد تكون الشحنة تنفيذاً لعقد سابق أو من صنف يحتاجه الطحن، وهذان احتمالان معقولان لم تنشر تفاصيل تكفي لحسمهما. لذلك لا تصلح السفينة وحدها لنفي وفرة المحصول.
إنما تكشف الشحنة كلفة العبارة المطلقة. كان ممكناً القول إن المشتريات المحلية غطت احتياج الخبز المتوقع مع بقاء الواردات التعاقدية أو النوعية. عندئذ لا تتحول كل سفينة إلى اختبار للمصداقية. في سوق الحبوب، يجري الاستيراد والتصدير معاً أحياناً لأن النوع والمكان والتوقيت والسعر لا تقل أهمية عن الوزن.
فاتورة أكبر من التمويل المرصود
المشكلة الأشد وضوحاً تبدأ بعد التسليم. عند سعر رسمي يبلغ 55 ألف ليرة سورية جديدة للطن، تصل فاتورة 2.7 مليون طن إلى نحو 148.5 مليار ليرة. في المقابل، تحدثت المؤسسة عن 100 مليار ليرة مخصصة للشراء. الفارق الحسابي يقارب 48.5 ملياراً، وهو ما يفسر لماذا تعثرت السيولة حين جاء الموسم أفضل من المتوقع.
التزمت الدولة بشراء كمية مفتوحة بسعر ثابت، لكنها لم تجهز تمويلاً يغطي سيناريو الحصاد الجيد. هنا يصبح التأخير مشكلة في تصميم السياسة لا ازدحاماً عابراً أمام نافذة مصرف. كان يفترض ربط سقف التمويل بتحديثات الإنتاج الأسبوعية، أو ترتيب خط سيولة احتياطي قبل أن تبدأ الشاحنات بالوصول.
شام كاش ينقل الأزمة إلى الهاتف
وجّه المصرف الزراعي في 13 آب بتحويل 25 في المئة من صافي المستحقات إلى حسابات المزارعين على تطبيق شام كاش، ودفع الباقي عبر إجراءاته. قد يخفف الدفع الإلكتروني ضغط الأوراق النقدية ويمنح المزارع جزءاً سريعاً، لكنه لا يصنع سيولة نقدية عند الوكيل ولا يعلّم كبير السن استخدام التطبيق في يوم واحد.
كما أن العمولة الرسمية المعلنة للسحب، مهما بدت صغيرة، تختلف عن اقتطاعات غير رسمية قال مزارعون إن بعض الوكلاء يطلبونها. لم نجد بيانات رقابية منشورة تثبت حجم هذه الممارسة على مستوى البلاد، ولذلك تبقى الشكاوى إنذاراً يحتاج إلى فحص. والمطلوب وكلاء أكثر، وإيصال واضح لكل اقتطاع، وخيار مصرفي كامل لمن لا يملك حساباً رقمياً.
ثمن هذا الموسم يمول الموسم التالي
تبدأ الاستعدادات للقمح الشتوي خلال أيلول وتشرين الأول، ثم تدخل الزراعة طورها الرئيسي في تشرين الثاني. المزارع الذي سلّم محصوله في حزيران وانتظر حتى آب لدفعة أولى لا يستطيع تأجيل السماد والوقود إلى أن يكتمل القسط الرابع. الدائن أيضاً قد لا يقبل أن ينتظر جدول الدولة.
إذا اضطر صاحب الحقل إلى تقليص المساحة أو البذار أو الري، يظهر أثر نقص السيولة في محصول 2027. ويكون الخطر أكبر في الحسكة والرقة ودير الزور، وهي المحافظات التي حملت جانباً كبيراً من التعافي. هكذا تستطيع أزمة دفع صغيرة على شاشة الخزينة أن تمحو جزءاً من مكسب صنعته الأمطار والعمل خلال عام كامل.
موسم مطير ليس سياسة دائمة
قفز الإنتاج بعد جفاف 2025، حين هبطت الكمية إلى أقل من مليون طن وفق بيانات محلية. ساعدت الأمطار هذا العام، وبقيت مساحة واسعة من القمح معتمدة عليها. لذا لا يجوز تسجيل الموسم كله بوصفه انتصاراً إدارياً، كما لا يصح تجاهل إصلاح مراكز الاستلام وفتح الساحات ونقل الحبوب بين المحافظات.
الاستدامة تحتاج أصنافاً تتحمل الجفاف، ورياً أقل هدراً، وتمويلاً يصل قبل الشراء، وصوامع تحمي الجودة، وبيانات تفصل الأنواع والمخزون والاستخدام. إعلان الاكتفاء لحظة سياسية مريحة. أما بناؤه فيحتاج إلى سلسلة لا تنكسر بين قطرة المطر ورغيف الخبز وحساب المزارع.
نجحت سوريا في جمع كمية تكفي على الأرجح لتأمين خبز موسم كامل، وهذا تحول مهم بعد سنوات الجفاف والانقسام والاستيراد. غير أن الاحتياج الشامل أكبر، وتركيب القمح غير متطابق تماماً مع حاجة المطاحن، ووصول شحنة مستوردة يجعل الصياغة المطلقة أقل دقة مما ينبغي.
الاختبار الآن ليس عدد الأطنان في الصوامع، بل قدرة المزارع على العودة إلى أرضه. إذا وصل كامل الثمن قبل موعد الزراعة، يصبح موسم 2026 جسراً إلى اكتفاء أكثر صلابة. وإذا بقي المال أقساطاً متأخرة، فقد يكون القمح قد كفى عاماً واحداً فقط.
اقرأ أيضاً: القمح المسوّق يصل إلى 860 ألف طن: هل يكفي الموسم لترميم الأمن الغذائي السوري؟









