أعمال واستثمار

القمح في سوريا.. هل حقاً يواجه “ذهب السوريين” خطر الزوال؟

لطالما تمتعت سوريا بالاكتفاء الذاتي من القمح، بالإضافة إلى تصدير ما يزيد عن حاجتها إلى الخارج. إلا أن الظروف الحالية قد غيرت من هذا الواقع كثيراً، فقد باتت زراعة القمح في سوريا تواجه خطر الانقراض.

ماذا حدث؟ وما هي أسباب هذا التدهور الكبير في إنتاج القمح السوري؟ وكيف يمكن إنقاذ هذا القطاع الهام؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في هذا المقال.

الواقع الحالي لزراعة القمح في سوريا

تعرضت زراعة القمح في سوريا إلى تدهور كبير، حيث وصل الإنتاج لهذا العام إلى أدنى مستوياته منذ سنوات. فبعد أن كان إنتاج سوريا من القمح يُغطي الاحتياج المحلي بشكل كامل، باتت البلاد اليوم تعتمد على الاستيراد من أجل تحقيق الأمن الغذائي.

ووفق دراسة صادرة عن مركز جسور للدراسات في عام 2024، فإن المساحات المزروعة بالقمح قد تراجعت بشكل كبير مقارنة بما قبل عام 2010. ويعود السبب في ذلك إلى مجموعة متشابكة من العوامل، على رأسها الحرب وهجرة الفلاحين، وتراجع الدعم الحكومي للقطاع الزراعي.

ويُشار إلى أنه في ظل هذا التراجع الكبير في إنتاج القمح، فإن المخزون الحالي يكفي فقط لبضعة أشهر، وذلك بحسب تصريحات حكومية لوسائل الإعلام. الأمر الذي يضع الحكومة أمام ضغط كبير من أجل تأمين احتياجات البلاد الغذائية من القمح، وذلك وسط ظروف غير المستقرة التي تمر بها البلاد.

الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لزراعة القمح

إنتاج القمح في سوريا يتجاوز مجرد كونه محصول زراعي، وذلك بسبب أهميته الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، كونه يمثل ركيزة أساسية في الأمن الغذائي للبلاد.

حيث أن زراعة القمح تلعب دوراً حيوياً في دعم الاقتصاد المحلي للبلاد، وذلك من خلال مساهمتها المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الزراعي، بالإضافة إلى توفيرها لفرص عمل لمختلف شرائح المجتمع، ولاسيما سكان المناطق الريفية التي تواجه أعلى معدلات الفقر في البلاد وهو ما تحدثنا عنه في مقال سابق، مما يجعل هذه الزراعة عامل مهم جداً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

وبالإضافة للعوائد على المستوى المحلي، كانت سوريا في السابق تلعب دوراً محورياً في أسواق القمح العالمية، حيث كان مصدراً رئيسياً للقمح قبل عام 2011، مما كان يساهم في دعم الميزان التجاري للبلاد وتأمين الاحتياطات من العملات الأجنبية.

إنتاج القمح السوري.. أرقام تكشف حجم الكارثة

كما ذكرنا في الفقرات السابقة فإن زراعة القمح في سوريا قد شهدت تدهوراً حاداً وخصوصاً خلال السنوات الأخيرة. حيث تشير التقديرات إلى أن إنتاج سوريا من القمح لهذا العام لا يتجاوز 750 ألف طن، مقارنة بمليوني طن العام الفائت، وهو دليل واضح على تراجع هذه الزراعة الاستراتيجية في البلاد.

هذا ويُشار إلى أن إنتاج سوريا من القمح للعام الحالي، يعتبر ضئيلاً جداً مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عام 2011، حيث كان إنتاج القمح يتراوح بين 3 و4 ملايين طن، وهو ما كان يُغطي كامل الاستهلاك المحلي للبلاد، بالإضافة إلى تصدير الفائض.

كما وصفت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) الظروف المناخية في سوريا بأنها الأسوأ منذ 60 عاماً، الأمر الذي كان مؤثراً بشكل كبير على 95% من القمح البعلي في البلاد. حيث تحذر المنظمة من أن هذا سيؤدي إلى عجز في إنتاج القمح يصل إلى 2.5-2.7 مليون طن، ما يعرض 16.3 مليون شخص لخطر انعدام الأمن الغذائي ويجعل سوريا تعتمد على الاستيراد.

أسباب تراجع زراعة وإنتاج القمح في سوريا

يُعزى التراجع الحاد في إنتاج القمح إلى مجموعة من العوامل، يأتي التغير المناخي والانخفاض غير المسبوق في معدلات الهطولات المطرية في مقدمتها، مما ألحق ضرراً كبيراً بزراعة القمح لاسيما الأصناف البعلية التي تعتمد في ريها على الأمطار فقط.

وفي هذا الصدد، أشار المهندس الزراعي أنس رحمون في تصريحاته لوسيلة إعلامية، إلى أن هناك مساحات شاسعة من القمح قد خرجت من موسم هذا العام بسبب تأثرها بالجفاف، وذلك بسبب قلة الأمطار التي أثرت على التسنبل والإنتاج.

وليست الطبيعة هي وحدها من يقف وراء تراجع القمح السوري، حيث أن الحرب التي تسبب في هجرة عدد كبير من الفلاحين، قد لعبت أيضاً دوراً كبيراً، في تراجع هذه الزراعة الاستراتيجية. أما من بقي من المزارعين، فقد كانوا في مرمى نيران التكاليف المرتفعة للزراعة من وقود وأسمدة، مقابل انخفاض في سعر المادة المنتجة، وهو ما جعلهم يتخلّون عن زراعة القمح والتوجه إلى أصناف بديلة أكثر ربحاً مثل الكمون والحبة السوداء، وذلك وفق ما أفاد به الباحث الزراعي علاء الجسري، لوسيلة إعلامية.

كيف يمكن إنقاذ زراعة القمح في سوريا؟

باتت زراعة القمح في سوريا تواجه خطر حقيقي بالانقراض، مما يستدعي اتخاذ إجراءات فعالة وسريعة لانتشال هذه الزراعة والنهوض بها، نظراً لما لها من أهمية كبيرة في اقتصاد البلاد وأمنها الغذائي.

في هذا الصدد، أشار الباحث الزراعي علاء الجسري، خلال حديثه مع وسيلة إعلامية، إلى أن أولى خطوات إنقاذ زراعة القمح السوري يجب أن تكون من خلال إصلاح السياسات الزراعية. حيث أن من الضروري تقديم دعم مباشر للمزارعين متمثلاً في تخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج ومنح القروض الزراعية، إضافة إلى شراء المحصول من قبل الحكومة بأسعار عادلة تنافس أسعار التجار.

هذا وقد أكد الجسري على ضرورة إعادة تفعيل مراكز إكثار البذار، وذل بهدف إنتاج أصناف جديدة من بذار القمح بحيث تكون قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية الطارئة على البلاد، بالإضافة إلى العمل على تحسين أنظمة الري والسدود المتضررة.

أما على المستوى الاستراتيجي، فقد أكد المتخصص الزراعي، المهند صالح، في تصريحات لوسيلة إعلامية، على ضرورة تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وذلك بهجف خلق مشاريع استثمارية واسعة في مجال الزراعة. مشيراً إلى أهمية التوجه نحو الزراعة الحديثة والذكية، واستخدام بذور محسنة، وتوجيه الأموال المخصصة للاستيراد نحو تطوير القطاع.

اقرأ أيضاً: القمح السوري.. ما حال سنابل الخير على ضوء القرارات الجديدة؟!

في الختام، تُظهر هذه المعطيات أن إنقاذ زراعة القمح في سوريا ليس مجرد خيار، بل ضرورة ملحة. فالعودة إلى الاكتفاء الذاتي تتطلب تضافر الجهود لتقديم دعم حقيقي للمزارعين، وتطوير السياسات الزراعية، واعتماد حلول مستدامة تضمن استمرارية هذا المحصول الاستراتيجي لمستقبل البلاد.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى