سياسة

القمح حتى منتصف 2027: هل ينجح الأمن الغذائي السوري في حماية سعر الرغيف؟

الكاتب: أحمد علي

يبدأ سؤال الخبز قبل أن يصل الناس إلى الفرن. يبدأ من المطر، ومن قرار الفلاح أن يزرع القمح، ومن قدرة المؤسسة على الشراء، ومن صومعة لا تسرّب الرطوبة، ومن شاحنة تصل في موعدها إلى المطحنة. لذلك لا يبدو الإعلان عن توافر القمح حتى منتصف 2027 خبراً عابراً في سجل التصريحات الزراعية. هو اختبار لسلسلة كاملة، إذا تماسكت وصل أثرها إلى سعر الرغيف، وإذا اختلت حلقة منها عاد الخلل إلى الطابور.

الأمن الغذائي السوري والرقم الذي يحتاج إلى اختبار

قالت المؤسسة السورية للحبوب إن تقديراتها تشير إلى إمكانية تأمين احتياجات البلاد من القمح حتى منتصف عام 2027. وبحسب التصريحات المنشورة عن مديرها العام حسن العثمان، يستند هذا التفاؤل إلى مخزون يقارب مليون طن، وإلى توقعات بأن يبلغ إنتاج موسم 2026 نحو 2.5 مليون طن، مع إمكانية تسويق ما لا يقل عن 1.5 مليون طن إلى المؤسسة في أسوأ التقديرات.

هذه الأرقام تعطي هامشاً مهماً. لكنها لا تغلق السؤال. حاجة سوريا السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، وهذا يعني أن أي تراجع في الإنتاج أو في الكميات المسوقة قد يعيد فجوة الاستيراد بسرعة. لذلك يصبح الإعلان عن تأمين القمح حتى منتصف 2027 أقرب إلى تعهد مشروط منه إلى نتيجة نهائية مكتملة.

المشكلة لا تكمن في الرقم فقط. القمح لا يتحول إلى خبز بمجرد وجوده في المخزون. بين الحبة والرغيف توجد كلفة طحن، ووقود، وكهرباء، ونقل، وتخزين، ورقابة، وسياسة دعم. إذا تعثرت واحدة من هذه الحلقات، يمكن أن يبقى القمح موجوداً وأن يشعر الناس في الوقت نفسه بأن الخبز مهدد.

لهذا أبقت المؤسسة باب الاستيراد مفتوحاً عند الحاجة. هذا ليس تفصيلاً ثانوياً. إنه اعتراف عملي بأن الأمن الغذائي السوري لا يستطيع الاعتماد على التفاؤل بالموسم وحده، خاصة في بلد خرج من سنوات قاسية على الزراعة والبنية التحتية والقدرة الشرائية.

موسم 2026 بين التعويض والمخاطرة

تأتي تقديرات موسم 2026 بعد عام صعب. منظمة الأغذية والزراعة قدّرت إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بنحو 1.2 مليون طن فقط، أي أقل بأكثر من 60 في المئة من المتوسط، نتيجة الجفاف الشديد. كما قدّرت احتياجات استيراد القمح في السنة التسويقية 2025 و2026 بنحو 3 ملايين طن، أعلى بنحو 70 في المئة من متوسط السنوات الخمس.

هذه الخلفية تجعل الموسم الجديد أكثر من موسم زراعي. إنه فرصة لتعويض جزء من العجز. لكن الفرصة لا تعمل وحدها. المطر ضروري، لكنه ليس كافياً. هناك كلفة البذار والأسمدة والوقود، وهناك شبكات ري تحتاج إلى ترميم، وهناك فلاحون تراجع هامشهم المالي بعد سنوات من الخسائر والاضطراب.

حتى إذا نجح الحقل، يبقى سؤال التسويق. الكمية التي تصل إلى المؤسسة هي التي تدخل في حسابات الخبز العام. وإذا لم يكن سعر الشراء مناسباً، أو تأخرت المدفوعات، أو ارتفعت كلفة النقل، فقد تتجه كميات إلى السوق الخاصة أو إلى التخزين الفردي. عندها لا يكون الإنتاج وحده معياراً كافياً.

سعر شراء القمح، بهذا المعنى، ليس قراراً زراعياً ضيقاً. هو أداة لتوجيه المحصول نحو الصوامع العامة. وكلما كان القرار واضحاً ومجزياً ومبكراً، ازدادت قدرة الدولة على تحويل الموسم إلى مخزون يمكن الاعتماد عليه.

من الصومعة إلى الفرن

تقول المؤسسة السورية للحبوب إن واقع التخزين تحسن مقارنة بالعام الماضي، بعد تأهيل عدد من الصوامع والصويمعات بخبرات محلية. وتشير الأرقام المنشورة إلى امتلاك المؤسسة 37 صومعة و98 صويمعة و14 مستودع تخزين و27 مركز عراء، مع استمرار العمل على نحو 15 موقعاً في ريف دمشق والرقة والحسكة ودير الزور ودرعا وحلب.

هذه التفاصيل تبدو تقنية، لكنها في ملف القمح جزء من السياسة العامة. محصول كبير بلا تخزين آمن قد يتحول إلى خسارة. الرطوبة والحشرات وضعف التهوية وسوء النقل لا تنتظر قرارات كبرى. تعمل بصمت، ثم يظهر أثرها في جودة الطحين وكلفة الإنتاج.

لذلك تبدو إجراءات مثل تجهيز مراكز الاستلام بالكهرباء وأنظمة المراقبة والقبان الإلكتروني وبرامج الحجز المسبق أكثر أهمية مما توحي به لغتها الإدارية. فهي تقلل الاحتكاك، وتمنح الفلاح مساراً أوضح للتسليم، وتحد من الفوضى في موسم قصير ومكثف.

لكن التخزين ليس الحلقة الأخيرة. القمح يجب أن يصل إلى المطاحن، ثم إلى الأفران. وهنا تدخل كلفة الوقود والكهرباء والنقل. قد يكون المخزون مطمئناً على الورق، لكن كلفة تشغيل السلسلة هي التي تحدد في النهاية قدرة السعر الرسمي على الصمود.

سعر الرغيف لا تحميه الوفرة وحدها

السؤال الشعبي لا يصاغ بلغة المخزون. الناس يسألون بطريقة أبسط. هل يبقى الخبز متاحاً وبسعر يمكن احتماله؟

السعر الرسمي للخبز التمويني بقي في فترات حديثة عند 4000 ليرة سورية للربطة في عدد من المناطق. وفي مناطق شملها دعم برنامج الأغذية العالمي، توفر الخبز المدعوم بسعر يقارب 2500 ليرة. وعندما توقف الدعم في بعض المناطق، ومنها درعا، عاد السعر إلى المستوى الرسمي الأعلى، بحسب تقارير محلية.

هذا المثال يوضح أن سعر الرغيف لا يتحدد بالقمح فقط. الدعم الخارجي، والتمويل العام، وكلفة النقل، وسعر الصرف، وكفاءة الأفران، كلها تدخل في الحساب. إذا تراجع أحد هذه العناصر، يمكن أن يتحرك السعر أو تتراجع الكمية أو تنخفض الجودة.

من هنا تأتي حساسية الحديث عن حماية الرغيف. فإذا خفف الموسم الجيد الحاجة إلى الاستيراد، فقد يقل الضغط على القطع الأجنبي وعلى الموازنة. لكن ذلك لا يتحول تلقائياً إلى سعر ثابت. يحتاج الأمر إلى قرار دعم واضح، وإلى ضبط الهدر والتسرب، وإلى مراقبة توزيع الطحين، وإلى ضمان أن الأفران لا تعمل على حافة العجز اليومي.. الرغيف هو نهاية السلسلة. وما يحدث في نهايتها يكشف ما حدث في بدايتها.

الاستيراد ضرورة لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة دائمة

استوردت المؤسسة السورية للحبوب، بحسب التصريحات المنشورة، نحو مليون و465 ألف طن من القمح منذ التحرير لتأمين احتياجات المخابز واستمرار إنتاج الخبز. هذا الرقم يكشف حجم الفجوة التي ملأها الخارج، لكنه يكشف أيضاً كلفة الاعتماد عليه.

استيراد القمح يحتاج إلى تمويل وقطع أجنبي وعقود وشحن وتأمين وتفريغ ونقل داخلي. وكل طن مستورد يحمل أثراً على الموارد المالية، خصوصاً في اقتصاد يعاني من ضعف الدخل العام وتراجع القدرة الشرائية. لذلك فإن أي تحسن حقيقي في الإنتاج المحلي لا يخفف عبئاً زراعياً فقط، بل يخفف ضغطاً اقتصادياً أوسع.

مع ذلك، لا ينبغي تحويل تقليل الاستيراد إلى شعار مطلق. الأمن الغذائي لا يعني إغلاق الباب أمام الخارج، بل امتلاك هامش كاف لاستخدامه عند الضرورة، من دون أن يصبح الخبز اليومي مرهوناً بالكامل بالسوق الدولية وسعر الصرف وكلفة الشحن.

المعادلة الواقعية أكثر تواضعاً وأصعب في الوقت نفسه. إنتاج محلي أقوى، ومخزون آمن، واستيراد احترازي عند الحاجة. هذه صيغة أقل صخباً من خطاب الاكتفاء الكامل، لكنها أقرب إلى شروط بلد ما زال يعيد بناء زراعته ومؤسساته.

الجفاف يفرض حدوده على كل خطة

لا يمكن النظر إلى القمح السوري بمعزل عن الماء. السنوات الأخيرة جعلت الجفاف عاملاً حاسماً في إنتاج الحبوب، خصوصاً في المناطق المطرية والشمال الشرقي. تقارير دولية حذرت من أثر تغير المناخ وتراجع الهطولات على الأمن الغذائي، ومن أن هشاشة الزراعة قد تتحول إلى ضغط مباشر على ملايين الأسر.

برنامج الأغذية العالمي يتحدث عن 9.1 مليون شخص في سوريا يواجهون انعداماً في الأمن الغذائي. هذا الرقم يجعل ملف القمح أكثر من مسألة إنتاجية. إنه ملف اجتماعي واسع، لأن أي ارتفاع في سعر الخبز يذهب مباشرة إلى دخل الأسر، لا إلى هامش إنفاق يمكن الاستغناء عنه.

لذلك لا يكفي موسم جيد واحد. المطلوب سياسة طويلة النفس، تشمل البذار المحسن، وترميم شبكات الري، ودعم مستلزمات الإنتاج، وتوفير الوقود الزراعي، وتطوير التخزين، وربط سعر الشراء بكلفة الفلاح الحقيقية. من دون ذلك سيبقى كل موسم معلقاً بين التفاؤل والخوف.

المناخ لا ينتظر جاهزية المؤسسات. وإذا لم تُبنَ خطة مرنة، فقد يعيد موسم جاف واحد كل الحسابات إلى نقطة البداية.

ما الذي يعنيه القمح حتى منتصف 2027؟

يعني الإعلان، في أفضل حالاته، أن لدى البلاد فرصة لالتقاط النفس. مليون طن في المخزون، وموسم متوقع عند حدود 2.5 مليون طن، واحتمال تسويق 1.5 مليون طن أو أكثر، كلها عناصر يمكن أن تمنح المؤسسة هامش عمل حتى منتصف 2027. لكنها لا تكفي وحدها لحماية سعر الرغيف.

حماية السعر تحتاج إلى ثلاث طبقات. تأمين القمح أولاً، ثم خفض كلفة السلسلة بين الصومعة والفرن، ثم تثبيت سياسة دعم قادرة على تعويض الفارق بين الكلفة والسعر النهائي. إذا غابت واحدة من هذه الطبقات، عاد الضغط إلى المستهلك.

لا يحتاج السوريون إلى طمأنة لفظية طويلة. يحتاجون إلى خبز موجود، بسعر معروف، وبجودة مقبولة، ومن دون انتظار يستهلك وقتهم وكرامتهم. فإذا نجحت إدارة القمح في تحويل الأرقام إلى استقرار يومي، يمكن القول إن الأمن الغذائي السوري بدأ ينتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى الحياة.

أما إذا بقيت الوفرة في الصوامع بعيدة عن الفرن، فستعود الأزمة من الطريق نفسه. فالقمح حتى منتصف 2027 ليس نهاية ملف الخبز. هو بداية اختبار واضح. هل تستطيع المؤسسات أن تحمي السلسلة كاملة، أم أن الرغيف سيبقى أضعف من كل رقم مطمئن؟

اقرأ أيضاً: تحديث منظومة تخزين القمح: خطوة نحو تعزيز الأمن الغذائي

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى