سياسة

القمح المسوّق يصل إلى 860 ألف طن: هل يكفي الموسم لترميم الأمن الغذائي السوري؟

الكاتب: أحمد علي

تعلن الجهات السورية أن كميات القمح المسوّقة وصلت إلى 860 ألف طن. الرقم مهم، خصوصاً بعد سنوات تراجع فيها الإنتاج وتداخلت فيها آثار الحرب والجفاف وارتفاع الكلفة. لكنه لا يكفي وحده للحكم على الموسم. فملف القمح في سوريا يرتبط مباشرة بسعر الخبز، وبقدرة الدولة على تمويل الدعم، وتأمين الطحين للمخابز، وحماية الحد الأدنى من الأمن الغذائي في بلد ما زالت أغلبية سكانه تعيش تحت ضغط معيشي قاس.

بحسب ما نقلته الإخبارية السورية عن رئيس اللجنة المركزية لمتابعة موسم تسويق القمح، وصلت الكميات المستلمة من جميع المحافظات إلى نحو 860 ألف طن، منها قرابة 300 ألف طن من محافظة الحسكة وحدها، مع استمرار عمليات التسويق. يأتي ذلك بعد توقعات رسمية بموسم أفضل بكثير من العام السابق، إذ تحدثت وزارة الزراعة عن إنتاج قد يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن، مقارنة بنحو 900 ألف طن في 2025. هذه قفزة واضحة، لكنها لا تعني تلقائياً أن الأمن الغذائي السوري خرج من منطقة الخطر.

الأمن الغذائي السوري والرقم الذي لا يكفي

المشكلة الأولى أن القمح المنتج ليس بالضرورة قمحاً مسوّقاً إلى الدولة. الفارق بين الحقل والصومعة واسع. جزء من المحصول يبقى للاستهلاك المحلي، وجزء يذهب إلى التجار، وجزء قد يتأثر بكلفة النقل والتخزين وآليات التسليم، وجزء آخر تحكمه علاقة المزارع بالسعر الرسمي وبسرعة الدفع. لذلك يصبح رقم 860 ألف طن مؤشراً على تحسن التسويق، لا حكماً نهائياً على حجم المخزون الوطني.

الحكومة حاولت هذا العام رفع جاذبية التسليم الرسمي. وزارة الاقتصاد والصناعة حددت سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى عند 46 ألف ليرة سورية جديدة، كما أُعلن عن حوافز تشجيعية للمزارعين. وفي الخلفية، جرى الحديث عن منصة إلكترونية لتنظيم مواعيد التسليم، وعن تأهيل صوامع وصويمعات ومراكز تخزين. هذه إجراءات ضرورية. لكنها تدخل إلى أرض معقدة. قرار الفلاح لا يتحدد بالسعر المعلن فقط، بل بكلفة المازوت والحصاد والنقل، وبسعر السوق، وبالمدة التي يحتاجها للحصول على مستحقاته. إذا لم تكن هذه العوامل واضحة ومضمونة، يبقى التسليم الرسمي خياراً غير محسوم بالنسبة إلى كثيرين.

لهذا لا يكفي أن تكون سنة المطر أفضل من سابقتها. المطلوب أن يتحول الموسم إلى علاقة مستقرة بين الدولة والمنتج. يحتاج ذلك إلى سعر يقترب من كلفة الإنتاج الفعلية، ومراكز استلام قريبة، وآليات دفع لا ترهق المزارعين، وتنظيم واضح للدور، وتخزين يحافظ على الكميات المسلّمة. الأمن الغذائي السوري يبدأ من هذه التفاصيل، ومن ثقة الفلاح بأن تسليم القمح للدولة ليس مخاطرة، وثقة المواطن بأن الخبز لا يبقى معلقاً على المطر والاستيراد فقط.

موسم أفضل لا يعني اكتفاء مضموناً

التفاؤل بالموسم له أسبابه، فالأمطار تحسنت، ومناطق زراعية رئيسية في الشمال والشمال الشرقي عادت إلى الحسابات الوطنية بصورة أوسع، والحسكة والرقة ودير الزور يمكن أن تمنح الإنتاج وزناً لا يمكن تجاهله. أرقام رويترز، كما نقلتها الجزيرة، تشير إلى أن الحسكة وحدها قد تسهم بنحو 800 ألف طن، والرقة بنحو 300 ألف طن، ودير الزور بنحو 250 ألف طن. هذا يعني أن ثقل القمح السوري ما زال في الجغرافيا نفسها التي كان فيها تاريخياً.

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط كم تنتج سوريا. السؤال كم تحتاج، وكم تستطيع أن تحفظ، وكم يجب أن تستورد. بعض التصريحات المحلية تقدر الحاجة السنوية بنحو 2.5 مليون طن، بينما نقلت رويترز عن مسؤول في وزارة الزراعة أن الاستهلاك السنوي يقترب من 4 ملايين طن، خصوصاً مع الحاجة إلى القمح اللين المستخدم في إنتاج الخبز. لذلك يصبح تحديد الحاجة الفعلية شرطاً أساسياً لتقييم الموسم، لأن الفارق بين 2.5 و4 ملايين طن يغيّر حجم الفجوة التي يجب تغطيتها بالاستيراد أو بالمخزون.

إذا كانت الحاجة 2.5 مليون طن، فإن موسم 2026 قد يقترب من سد الفجوة، شرط أن تصل الكميات فعلياً إلى المخزون العام. وإذا كانت الحاجة تقارب 4 ملايين طن، فالموسم الجيد يخفف الاستيراد، لكنه لا يلغي الحاجة إليه. منظمة الأغذية والزراعة كانت قد توقعت، في موجزها القطري الصادر في شباط 2026، متطلبات استيراد للقمح في سنة التسويق 2025-2026 تبلغ نحو 3 ملايين طن، بعد عامين من إنتاج محلي ضعيف. هذه الخلفية لا تختفي بمجرد تحسن موسم واحد.

سوريا عرفت قبل الحرب سنوات كان فيها القمح عنواناً للاكتفاء، بل للتصدير أحياناً. العودة إلى تلك النقطة لا تحصل بقرار واحد ولا بموسم واحد. تحتاج إلى ماء، وبذار، ووقود، وأسعار، وطرق، وصوامع، وإدارة، وثقة. وتحتاج قبل ذلك إلى استقرار يسمح للزراعة بأن تكون خطة لا رد فعل.

الخبز هو الامتحان

تظهر دلالة القمح أكثر حين نضعه بجوار أرقام المساعدات. برنامج الغذاء العالمي أعلن في أيار 2026 تقليص مساعداته الطارئة في سوريا بنسبة 50 في المئة، من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، ووقف برنامج دعم الخبز الذي كان يساعد أكثر من 300 مخبز ويوصل الخبز المدعوم إلى ما يصل إلى أربعة ملايين شخص يومياً في مناطق شديدة الهشاشة. كما قال البرنامج إن 7.2 مليون شخص في سوريا ما زالوا يعانون انعدام أمن غذائي حاد، بينهم 1.6 مليون في ظروف شديدة.

هذا يعني أن موسم القمح لا يُقرأ من زاوية الإنتاج فقط، بل من زاوية شبكة الأمان التي تتراجع حوله. عندما ينكمش دعم الخبز، يصبح المخزون المحلي أكثر أهمية. وعندما يرتفع عدد العائدين وتبقى الدخول ضعيفة، يتحول سعر الرغيف إلى مؤشر اجتماعي شديد الحساسية. فالخبز في سوريا ما زال جزءاً من قدرة الأسرة على الصمود، لا بنداً عادياً في سلة الاستهلاك.

هنا يظهر الحد الفاصل بين التحسن والترميم. تحسن الموسم يعني أن القمح عاد ليمنح الدولة هامشاً أوسع. أما ترميم الأمن الغذائي السوري فيعني أن هذا الهامش يتحول إلى سياسة ثابتة تحمي المنتج والمستهلك معاً. إذا أخذت الدولة القمح بسعر لا يرضي الفلاح، تخسر الموسم القادم. وإذا ارتفعت كلفة الخبز على الفقير، يتسع الضغط الاجتماعي. وإذا اعتمدت على الاستيراد وحده، تبقى رهينة العملة والسوق الخارجي.

المطلوب مسار واضح يبدأ من الاعتراف بأن القمح ليس ملفاً زراعياً منفصلاً. هو ملف سيادي ومعيشي في آن واحد. التسويق الحالي، إذا استمر وارتفع، يمكن أن يخفف فاتورة الاستيراد ويقوي المخزون ويمنح المخابز هامش أمان. لكنه لن يصبح أمناً غذائياً فعلياً إلا إذا ترافق مع حماية دخل المزارع، وتحديث التخزين، وتقليل الهدر، وتحديد أرقام شفافة عن الحاجة والاستهلاك والمخزون.

الخلاصة أن وصول القمح المسوّق إلى 860 ألف طن خبر إيجابي، لكنه لا يكفي وحده للقول إن الأمن الغذائي تعافى. الموسم أفضل من سابقه، وهذه فرصة مهمة بعد سنوات قاسية. غير أن الأمن الغذائي يحتاج إلى ما بعد الحصاد: إدارة للمخزون، تسعير عادل، استيراد محسوب، ودعم للخبز لا يترك الفقراء أمام السوق وحدها. ونجاح الموسم سيظهر في قدرته على تخفيف الاستيراد وحماية الرغيف خلال الأشهر المقبلة، لا في رقم التسويق وحده.

اقرأ أيضاً: كاريكاتير: الحكومة تخفض عدد أرغفة ربطة الخبز

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى