أعمال واستثمار

القطن يتراجع في الحسكة.. ما خيارات المزارعين؟

بقلم: ريم ريّا

بعد أن كان قطن الحسكة يغطي احتياج سوريا ويصدر إلى الخارج، اليوم يشهد قطاع القطن في البلاد تحولاً كبيراً، يفرض على المزارعين تغيير خياراتهم، بسبب ارتفاع تكاليف الري وأسعار الأسمدة والمحروقات، حتى أصبح نقص المياه والموارد المائية عاملاً ثانوياً في تراجع زراعة القطن أمام العوامل الأخرى. على الرغم من تسجيل الاحصائيات للعام الحالي 2026 تحسناً في موسم القطن، لكن  الظروف الزراعية التي شهدتها محافظة الحسكة لا تزال تفرض على المزارعين قرارات صعبة منها متعلق بالمياه ومنها بتكاليف الزراعة وأسعار البيع.

أرقام أفضل… لكن التحديات لا تزال قائمة

أشارت أولى التقديرات لموسم إنتاج قطن في سوريا للعام الحالي 2026، أنه بلغ حوالي 79,467 طناً، بزيادة قدرها 9,880 طناً تقريباً مقارنةً بإنتاج الموسم السابق 2025 البالغ 69,587 طناً.

إلى جانب ذلك، زادت المساحة المزروعة من 25,810 هكتارات في عام 2025 إلى حوالي 26,593 هكتاراً هذا الموسم، بزيادة قدرها 783 هكتاراً تقريباً. هذه الأرقام تشير إلى تحسن في كل من الإنتاج والمساحة المزروعة، لكنها لا تعني بالضرورة تحسناً في وضع المزارعين. حيث لا تزال ندرة المياه وارتفاع تكاليفها تشكل تحديات كبيرة في مناطق الإنتاج، بما في ذلك الحسكة.

ففي ريف الحسكة، يحتاج القطن إلى كميات كبيرة من مياه الري. ويقول المزارعون إن انخفاض منسوب المياه الجوفية أجبرهم على الاعتماد بشكل أكبر على الآبار الارتوازية. ومحصول القطن يحتاج إلى ما بين 12 و15 عملية ري في الموسم الواحد، مما يعني تشغيل المضخات لفترات طويلة بالتالي استهلاك وقود بكميات هائلة.  وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تكاليف تشغيل الآبار، تشكل كل عملية ري عبئاً إضافياً يضاف إلى المزارع.

والمشكلة عملياً لا تنتهي عند ارتفاع التكاليف،إذ أصبح الحصول على المياه أكثر صعوبة في بعض المناطق بسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية، مما يجعل الاستمرار في زراعة محصول يتطلب رياً منتظماً وهذا بحد ذاته مغامرة للمزارع.

هل يتجه المزارعون إلى محاصيل أخرى؟

في ظل هذا الوضع، بدأ بعض المزارعين في التفكير في محاصيل بديلة، مثل الذرة وبعض محاصيل العلف والخضراوات، وخاصة تلك الأقل تكلفة أو التي تتطلب كميات أقل من المياه. لا يعني هذا التخلي عن القطن بشكل نهائي، بل تقليل مخاطر زراعته قدر الإمكان. فزراعة محصول كالقطن، ثم انتظاره موسم كامل لتحقيق الربح وتحمل تكاليفه وتوابعها، ليس بالأمر السهل والمتاح بالمطلق في ظل الوضع الاقتصادي ففي البلاد، لا سيما مع عدم معرفة سعر الشراء في وقت سابق.

فالسعر عاملٌ حاسم. فمع الماء، يظل سعر شراء القطن عاملاً بالغ الأهمية في قرار المزارع. في موسم 2025، حددت وزارة الزراعة سعر شراء الكيلوغرام الواحد من القطن المحلج بـ 85 ليرة سورية جديدة، منها 30 ليرة مدعومة من صندوق دعم الإنتاج الزراعي، و55 ليرة مدفوعة من الهيئة العامة لحلج وتسويق القطن.

لكن بالنسبة للمزارع، لا يكفي مجرد الإعلان عن السعر. يجب أن يعكس السعر تكاليف البذور والري والأسمدة والوقود والآلات والعمالة، ويجب أن يتلقى المزارعون مستحقاتهم في الوقت المحدد.

خيارات ودعم متعلقة بالمياه

اليوم، تتم دراسة خطط لتحسين موارد المياه في الحسكة، وتركز هذه الخطط على مشاريع تجميع مياه الأمطار، وإعادة تشغيل الآبار المرخصة، وتأهيل قنوات الري والمضخات، إلى جانب مناقشات حول مشاريع تحويل المياه من نهر دجلة. وتشجع وزارة الزراعة على استخدام تقنيات الري الحديثة وتطوير أصناف أكثر مقاومة للإجهاد المائي، بهدف تقليل استهلاك المياه وزيادة الإنتاجية لكل وحدة مساحة. أما بالنسبة للمزارعين، فتبقى قراراتهم مرهونة بقدرتهم على تحمل التكاليف. وهذا يترجم على أارض الواقع، إما بالاستمرار في زراعة القطن عندما تتوفر المياه والسعر المناسب، أو باختيار محاصيل بديلة أقل تكلفة وأقل مخاطرة.

ختاماً، يجد المزارع نفسه بين تحسن أرقام الإنتاج في جميع أنحاء سوريا والضغط المستمر في الحسكة، لتبدو المعادلة واضحة..  أن عودة زراعة القطن تعتمد على مساحات أوسع وليس فقط على توفر الأراضي المناسبة، وعلى توفر المياه، والسعر العادل المناسب للمزارع وما بذله، ومستلزمات الإنتاج التي يستطيع المزارعون تحمل تكلفتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى