انهيار “الذهب الأبيض”.. كيف تحولت سوريا من أكبر مُصدّري القطن إلى مستورد له؟

كان القطن السوري ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني لعقود طويلة، إلا أنه شهد تراجعاً كبيراً، فتحولت سوريا من دولة ومصدرة للقطن والمنسوجات إلى بلد يعاني من نقص حاد في المادة الخام مما أدى إلى تراجع الصناعات النسيجية في البلاد بشكل عام. في هذا المقال سوف نستعرض كيف يواجه القطن السوري خطر الزوال، وما هي التحديات التي تواجه زراعة القطن والصناعات النسيجية في البلاد.
القطن السوري: من ركيزة اقتصادية إلى خطر الزوال
لطالما حاز القطن على لقب “الذهب السوري الأبيض”، وذلك باعتباره ركيزة أساسية في اقتصاد البلاد، حيث كان على مدى عقود محركاً أساسياً لعجلة الإنتاج في البلاد، ووسيلة هامة في تعزيز خزينة الدولة من العملات الأجنبية، بالإضافة إلى دوره في توفير المئات من فرص العمل في قطاعات مختلفة.
ويُشار إلى أن القطن السوري كان يتميز بإنتاجه الوفير على مدى عقود، حيث احتلت سوريا في عام 2011 المرتبة الثامنة عالمياً مع إنتاج وصل إلى 750 ألف طن، مع زراعة حوالي 22% من الأراضي المروية في البلاد. ولم تقتصر مزايا القطن السوري على الإنتاج الوفير فحسب، بل كان أيضاً منافساً عالمياً من حيث الجودة ونوعية الأصناف، فقد كانت سوريا ثاني أكبر منتج للقطن العضوي بعد الهند خلال عام 2010، وذلك بحسب تقرير بورصة الأقمشـة العالمية (TE).
إلا أن سنوات الحرب كان كفيلة بتدمير هذا القطاع الاستراتيجي في البلاد، حيث كشف الخبير بعلوم المحاصيل الحقلية أحمد حامد، خلال تصريحات إعلامية، أن إنتاج القطن في سوريا قد تراجع بشكل مأساوي ليصل إلى أقل من 14 ألف طن في عام 2024. حيث تقلصت المساحات المزروعة بأكثر من 85%، فبعد أن كانت زراعة القطن تحتل حوالي 250 ألف هكتار باتت أقل من 35 ألفاً، وتوقفت معظم المحالج عن العمل.
ومن الجدير بالذكر، أن الصناعات النسيجية في البلاد كان لها حصة كبيرة في الصادرات، حيث أسهمت بحوالي 27% من الناتج الصناعي غير النفطي، و45% من الصادرات غير النفطية في عام 2010. وعلى الرغم من ذلك، وبعد سنين الحرب الطويلة، تراجعت صادرات القطن إلى نحو 25.714 طناً فقط في عام 2020، معظمها إلى تركيا، كما وتراجعت كميات الأقطان المحبوبة (التي بها بذور) بنسبة 99%، والمحلوجة بنسبة 95%، والبذور المنتجة بنسبة 96%.
تحديات تهدد مستقبل القطن السوري
بعد أن كانت سوريا من أهم الدول المصدرة للقطن الذي كان يشكل مصدراً رئيسياً للدخل الوطني، فإنه يواجه اليوم خطر الزوال. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، كانت أزمة المياه في مقدمتها، حيث تسبب جفاف الأنهار وانخفاض منسوب المياه الجوفية، في جعل ري القطن عملية صعبة ومكلفة.
بالإضافة إلى ذلك، كشف المهندس الزراعي المختص في شؤون المحاصيل الحقلية من مدينة الحسكة، جاسم العماش، في تصريحات إعلامية، أن انتشار الآفات والأمراض، مثل دودة اللوز، في ظل غياب خطط مكافحة فعالة، يزيد من صعوبة المحافظة على إنتاج القطن.
ومن الجدير بالذكر، أن انخفاض الدعم اللوجيستي والإداري في المناطق الواقعة شرقي سوريا، كان عاملاً أساسياً في تدهور إنتاج القطن. حيث يواجه الفلاحون صعوبة كبيرة في الحصول على مستلزمات الإنتاج الأساسية مثل البذور والأسمدة والمبيدات بأسعار مناسبة أو بكميات كافية. كما أن التكاليف التشغيلية المرتفعة، من أسعار وقود وأجور عمالة وصيانة آليات، جعلت زراعة القطن غير مجدية اقتصادياً.
متى خسرت سوريا نفطها الأبيض بشكل حقيقي؟
في خطوة تؤكد الانهيار الحقيقي لقطاع “النفط الأبيض”، تحولت سوريا من دولة مصدّرة للقطن إلى دولة مستوردة له خلال عام 2021. حيث صدر قرار من رئيس الوزراء السوري حينها، سمح للقطاعين العام والخاص باستيراد القطن المحلوج والخيوط القطنية للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وذلك لتلبية احتياجات المصانع المحلية.
ويُشار إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة النقص الحاد في الإنتاج المحلي من القطن وعدم قدرة الشركات التابعة للمؤسسة العامة للصناعات النسيجية في حينها على تأمين احتياجات السوق. وعى الرغم من أن القرار كان محدوداً بمدة ستة أشهر، إلا أنه كان تحولاً مفصلياً في تاريخ القطن السوري، حيث كان دليلاً بارزاً على وصول القطاع إلى حالة حرجة، بعد أن كانت سوريا تحتل مراكز متقدمة في تصدير القطن قبل عام 2011.
تحديات الصناعات النسيجية في سوريا
تواجه صناعة المنسوجات في سوريا سلسلة من التحديات المتداخلة تبدأ من الحقول ولا تنتهي عند المصانع، فبعد أن كان إنتاج القطن في سوريا يصل إلى 750 ألف طن في عام 2011، انخفض بشكل كارثي إلى 14 ألف طن فقط في عام 2024. ولم تتوقف المشكلة عند الإنتاج الأولي للمادة، بل امتدت لتؤثر على البنية التحتية الصناعية، حيث أنه حتى عام 2024، توقفت غالبية المحالج عن العمل، باستثناء محلجي العاصي في حماة وتشرين في حلب.
ويُشار إلى أنّ جميع هذه العوامل أثرت سلباً على قطاع الصناعات النسيجية في سوريا، مما أدى إلى انخفاض مستوى إنتاج الخيوط والأقمشة، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة السورية ككل. حيث كانت سوريا في السابق تصدر الغزول إلى أكثر من 30 دولة، كما كانت تنتج خيوطاً محلوجة بإجمالي يبلغ أكثر من 250 ألف طن. أما اليوم فلا تزيد كمية الخيوط المنتجة عن الأقطان المحلية عن 15 ألف طن، ما يعني ضرورة البحث عن مصادر لتأمين مادة القطن الخام لضمان استمرار عمل ما تبقى من معامل النسيج في سوريا.
وبالنتيجة، فإن إعادة إحياء صناعة القطن في سوريا، تتطلب حاجة ماسة لزيادة الدعم الزراعي من أجل ضمان توفير المادة الأساسية لعمل مصانع النسيج في البلاد، والتركيز أيضاً على تعزيز عمليات التصنيع وتطويرها.
اقرأ أيضاً: هل نعود لسماع هَدير آلات النسيج.. من بعد الخسارة الفادحة هل من نهوض؟
في الختام، يواجه قطاع القطن السوري، الذي كان في السابق ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، خطر الزوال، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لإنقاذ “الذهب السوري الأبيض”.









