القطاع الصحي في سوريا وصراع البقاء.. بين نقص المعدات وتهديد الحياة ومحاولات النهوض

يمثل القطاع الصحي في كل الدول عَصب الحياة ومحركها ومقياس جودتها، أيّ تدهور في هذا القطاع أو نقص فيه يعني تهديد حياة المرضى بدءاً من أمراض الحساسية الموسمية وصولاً للأمراض المزمنة. في سوريا عانى القطاع الصحي من مشكلات عديدة تتعلق بالبنى التحتية وما لحق بها من الحرب الطاحنة مروراً بنقص الكوادر الطبية التي وقعت بين نار الاستهداف ونار الهجرة انتهاءً بالنقص الحاد في المعدات الطبية الذي ألم بمشافي المحافظات السورية كافة وما زال مستمراً حتى اليوم.
في مقالنا هذا سنستعرض وضع القطاع الصحي في سوريا ونناقش نقض المعدات الطبية وتوزع هذا النقص على أغلب مستشفيات الجمهورية.. محاولين إلقاء الضوء على الجهود المبذولة والحلول المطروحة للنهوض بهذا القطاع.
وضع القطاع الصحي في سوريا.. أنهكته الحرب ويبحث عن الشفاء
يواجه القطاع الصحي في سوريا تحديات جسمية، فسنوات النزاع في البلاد دمرت مقدرات هذا القطاع وخرجت الخدمات الصحية عن الخدمة بنسبة تقارب 40%، ببنية تحتية شبه مدمرة ومتهالكة يحاول هذا القطاع التمسك بالحياة من أجل المرضى على مَضض. نقص الكوادر البشرية والمستلزمات الطبية تجعل قطاع الصحة يحتضر في سوريا، إذ تشير التقارير إلى أن 57% من المستشفيات و37% من مراكز الرعاية الصحية الأولية تعمل بأقصى طاقة لها.. في حين أن العديد من المنشآت تعمل بأقل من طاقتها أو جرى إغلاقها بفعل نقص التمويل والإمداد على حسب ما أفادت به منظمة الصحة العالية في تقرير لها بشهر آذار الماضي.
قدّر التدمير بالبنية التحتية للمجال الصحي بأكثر من 80% في بعض المدن مثل “معرة النعمان ودير الزور” بفعل سنوات الحرب، ما عمّق من الأزمة الإنسانية وزاد من صعوبة تقديم الخدمات بعد السقوط. القطاع بشقيه الخدمي والإنساني يصارع الصعوبات، إذ أن المنظمات الإنسانية في البلاد تواجه صعوبة في تأمين التمويل الكافي بسبب تقلص الدعم الدولي تحديداً من الاتحاد الأوروبي وأمريكا، على إثره أغلقت العديد من العيادات والمراكز الصحية في شمال وشمال شرقي سوريا.
وما يزيد من المأساة الصحية في هذا البلد المنهك ما كشفه تقرير صادر عن قطاع الصحة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) لشهر تموز 2025، من ضعف كبير في جاهزية النظام الصحي في سوريا، محذراً من انهيار تدريجي في ظل تراجع التمويل وتدهور الاستعدادات لمواجهة الأزمات.
وصف التقرير مستوى الجاهزية بأنه “ضعيف”، وأشار إلى أن مؤشرات التمويل والمرونة المؤسسية “مقلقة”، وبيّن أن اعتماد القطاع على المساعدات الدولية في ظل غياب الدعم الحكومي الفعّال، تسبب بجمود في قدرات الطوارئ، وخلق فجوات واسعة في سلاسل الإمداد، إضافة إلى تراجع دور منظمات المجتمع المدني، خاصة في شمال شرقي البلاد.
ورصد التقرير غياب خطط استجابة في معظم المناطق، لاسيما في درعا والسويداء، وسط تصاعد التوتر الأمني، وحذّر من أن غياب التوزيع الجغرافي العادل للخدمات، إلى جانب تغير أولويات الاستجابة، يزيد من تعرض الفئات الأضعف للمخاطر الصحية.
هذه الحالة الحرجة التي يمر بها القطاع الصحي في سوريا تحتاج تدخل عاجل من المجتمع الدولي وتعاون إسعافي مع الحكومة السورية لتقديم الرعاية للمواطنين.
اقرأ أيضاً: وزارة الصحة…تجدد الآمال بعد رفع العقوبات والمشاركات الدولية
التجهيزات الطبية من التغطية شبه الشاملة في الماضي إلى النقص والعوز وطلب الاستغاثة
تراجعت المنظومة الصحية في البلاد، بعد أن وُصِفَ النظام الصحي السوري قبل العام 2011 بالنظام المتماسك نسبياً، فغطت المراكز الصحية الحكومية (المشافي الوطنية، المستوصفات الحكومية) معظم البلدات والمدن في سوريا إلى أن قَلَبَ الصراع الأمور رأساً على عقب، حيث سُجل دمار ما يقارب 60% من المشافي والمراكز الصحية مع حلول العام 2013، ووثّق 602 هجوم على أكثر من 348 مرفق صحي مختلف في البلاد كان للمشافي الحصة الأكبر في الهجوم.. ما يعني دمار المعدات والتجهيزات الطبية وسرقتها وتخريبها في الأماكن المستهدفة.
انعدام الدعم في العهد القديم وبقاء وجود الأجهزة المهترئة والمتوقفة عن العمل زاد من حدة الأزمة، إذ أن العديد من الأجهزة الطبية في سوريا الآن بمعظم مشافيها متوقفة عن العمل ما يهدد حياة آلاف المرضى ويمنع عنهم تشخيص المرض والمساعدة في العلاج.
من ضمن الأجهزة الطبية المفقودة في البلاد أو المعطلة وتقبع خارج الخدمة، جهاز “الرنين المغناطيسي” هاد الجهاز المحوري والهام الذي يعتمد عليه بتشخيص العديد من الأمراض الخطيرة والمزمنة، تعاني مستشفيات حلب الحكومية من نقص حاد في الأجهزة الطبية الحديثة منذ سنوات عديدة خَلت، نتيجة ما تعرضت له البنية التحتية الصحية من تدمير وإهمال خلال الحرب، مع تزامن ضعف المخصصات المالية لقطاع الصحة، فغياب أجهزة الرنين المغناطيسي يضاف إلى قائمة طويلة من النواقص تشمل تعطل أجهزة الأشعة، ونقص الأدوية النوعية، وعدم كفاية الكوادر الطبية المتخصصة، على إثر هذا النقص يواجه المرضى في محافظة حلب معضلة صحية متفاقمة نتيجة غياب أجهزة الرنين المغناطيسي عن المستشفيات الحكومية، ما يدفعهم إلى الاعتماد على المراكز الخاصة التي تحدد تكلفة الفحص بين مليون ومليون ونصف مليون ليرة سورية (من 100 إلى 150 دولار أمريكي).
فالأجهزة تعاني من تآكل شديد، وبحاجة إلى صيانة عاجلة، ناهيك عن الإهمال الإداري في صيانة الأجهزة ومعالجة النقص وضعف التمويل خلال عهود الإدارات السابقة، ما يزيد من تفاقم أزمة القطاع الإشعاعي داخل المستشفى، كل تلك التحديات تدفع المرضى لخيار اللجوء إلى القطاع الخاص بأسعاره الملتهبة، أو الاستغناء عن الفحوصات الضرورية وتأجيل العلاج، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تفاقم الوضع الصحي واتخاذه لمنحى كارثي.
مشفى المجتهد في دمشق ليس ببعيد عن تعطل جهاز الرنين المغناطيسي في بعض الأحيان أو توقفه بالكامل، ويعزي مدير المشفى “محمد الحلبوني” ذلك، إلى أن هذا الجهاز هو من الأجهزة القليلة الموجودة في مدينة دمشق وبعد السقوط شهد إقبالاً كبيراً وسابقاً كان يصور وضعيات محددة.. ما زاد الضغط عليه وأصابه بأعطال، مشيراً إل أن أغلب أجهزة الأشعة قديمة ومستهلكة وبحاجة لتبديل.
ينضم مشفى حمص الجامعي لقافلة المشافي التي تشكو النقص بالتجهيزات الطبية رغم توفيره لنحو 80 خدمة طبية ضمن الإمكانيات المتاحة، لكن على الرغم من هذا النشاط الطبي هناك تحديات تعيق العمل، أبرزها نقص في المستهلكات الطبية والأعطال المتكررة في الأجهزة الطبية، خاصة أجهزة الأشعة والتكييف، وغياب بعض التجهيزات الأساسية مثل جهاز الرنين المغناطيسي وأجهزة التنفس الاصطناعي، ما يحدّ من القدرة على تقديم خدمات طبية نوعية.
على غرار ما سبق من نقص في الأجهزة الطبية تعاني مختلف المشافي في المحافظات من هذا التهالك الطبي، وتعمل المستشفيات في سوريا بأقصى طاقات استيعابية لها، لكن هذا النقص الحاد في الأجهزة والأعطال المتكررة في أجهزة حساسة كالرنين المغناطيسي وأجهزة الطبقي محوري من الممكن له أن يشل الطبابة في المشافي والمراكز الصحية ما ينذر بتهديد حياة آلاف المرضى وتلاشي التغطية الطبية للعديد من الأمراض في العديد من المحافظات السورية.
اقرأ أيضاً: الأطباء المقيمون في مشافي وزارة الصحة..عشرة أشهر بلا رواتب
كيف نتجاوز أزمة نقص المعدات الطبية في البلاد؟
الحكومة السورية في الفترة الحالية تنظر إلى القطاع الصحي كأحد أعمدة التنمية المفصلية في البلاد، وسعت إلى وضع سياسات واستراتيجيات تُشجّع الاستثمارات الجديدة في المجال الطبي، سواء من خلال سنّ التشريعات المحفِّزة، أو توفير حوافز ضريبية وجمركية للمعدات والأجهزة الطبية، أو تيسير إجراءات التراخيص. كما برز دور (الصندوق السوري للاستثمار) في دعم هذه التوجهات على المستوى التنفيذي، إذ عمل على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وتوجيهها إلى المناطق الأكثر احتياجاً للمرافق الصحية.
لتجاوز أزمة النقص، تسعى الجهات الصحية المعنية إلى توفير التجهيزات الحديثة، مثل: أجهزة التصوير المتقدمة وغرف العمليات عالية التقنية، ما يرفع من مستوى الخدمات الطبية ويعزّز ثقة المرضى، وفي تصريح لمدير التخطيط والتعاون الدولي في وزارة الصحة السورية “زهير قراط” قال أنه يجب إعادة تأهيل البنية التحتية الصحية في البلاد، فحوالي 55% من المنشآت الصحية مدمرة بشكل جزئي أو كلي، وتحتاج لترميم، سواء في الرعاية الأولية أو الثانوية، كما أن الأجهزة الطبية في المشافي السورية في معظمها تجاوزت عمرها الافتراضي وتحتاج إلى صيانة عاجلة، وبعضها يتطلب استبدال كامل لتقادمها.
بدورها وزارة الصحة تبحث مع منظمات دولية سبل النهوض بالقطاع الصحي ورفد هذا القطاع بما يحتاجه من معدات وتجهيزات طبية، كتعاونها مع منظمة “سانت إيجيديو Saint Egidio” لتعزيز التعاون الطبي وتلبية الاحتياجات الصحية في سوريا.
لسد نقص المعدات الطبية في سوريا، يمكن اتخاذ عدة خطوات تشمل التعاون الدولي، تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي، وتدريب وتأهيل الكوادر الطبية المحلية، بالإضافة إلى دعم القطاع الصحي من خلال منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية.
اقرأ أيضاً: مستشفيات دير الزور أمام إعادة تأهيل وافتتاح أقسام جمدت لسنوات
ختاماً، القطاع الصحي من أكثر القطاعات معاناة في الصراع السوري، شريان حياة البلاد ومَددها الطبي يعاني من كوارث حقيقية تحتاج لحلول جذرية لاسيما مشكلة أعطال ونقص الأجهزة الطبية التي تلقي بثقلها على المرضى وتضع الجهات الصحية في مأزق تأمين الطبابة وإنقاذ الحياة، يتحتم توفير دعم سريع وشامل للقطاع الطبي في سوريا فالحمل يزداد عليه كل يوم والقطاع لا يحتمل هذا الضغط المتزايد.. فالحلول يجب أن تكون فعالة وريعة وملبية للمتطلبات.









