سياسة

القضاء الأهلي والوساطة العشائرية في سوريا: حوكمة يومية دون قاعات محاكم!

الكاتب: أحمد علي

تتشابك اليوميّات في الريف السوري بخيوط الماء والعشب والضوء؛ ثلاثة عناصر بسيطة ظاهرياً، لكنها تتحول عند ندرتها إلى شرارات خصومة. بين جداول ريٍّ خافتة، ومراعي تتنقّل حدودها مع مواسم المطر، وأسلاك كهرباء متعبة تتدلّى على أطراف القرى، ينشأ احتكاك مستمر يحتاج إلى عقلٍ قريب من الأرض وأذنٍ تصغي إلى الناس قبل أن تشتدّ العقد. هنا يظهر دور منظومات محلية متجذّرة في العادات والتجارب، يطلق عليها الناس القضاء الأهلي والوساطة العشائرية. ليست بديلاً كاملاً عن القضاء الرسمي ولا امتداداً شكلياً له، بل آلية اجتماعية مرنة تستند إلى السمعة والضمانات الأخلاقية وروح الجماعة.

وحين يهدأ الغبار، يتضح أن النجاح في فضّ النزاعات اليومية لا يقاس فقط بنصّ مكتوب، بل بقدرة المجتمع على ترميم الثقة بين الجيران وإعادة المياه – مجازاً وفعلاً – إلى مجاريها.

كيف يعمل القضاء الأهلي والوساطة العشائرية في نزاعات الماء والكهرباء والرعي؟

يتحرك القضاء الأهلي والوساطة العشائرية وفق منطق السرعة والقرب. يجتمع وجهاء معروفون بالحياد، ويرافقهم أحياناً رجال دين ومختصون محليون، ويُستدعى الطرفان إلى مجلس مفتوح تُعرض فيه الوقائع كما يراها كلٌّ منهما. لا تُبحث القوانين المكتوبة فحسب، بل تُستحضر الأعراف المتوارثة ونُظم الجيرة، ويُصار إلى تقدير للضرر ومُهلة للتعويض وضمانات تحفظ الكرامة.

يعتمد هذا المسار على ثلاثة ركائز: مكانة الوسيط وثقة الناس به، قبولٌ مُعلَن من الطرفين بمرجعية المجلس، وآليات متابعة تمنع ارتداد الخصومة من جديد. بهذه البنية، صار القضاء الأهلي والوساطة العشائرية خياراً عملياً حين تتعلق الخلافات بموردٍ يتقاسمه الجميع وتتعدى كلفتها حدود المحكمة إلى أعصاب القرية كلها.

مياهٌ تتناقص ونزاعات تتكاثر

حين يختلف مزارعان على توقيت الضخ من بئرٍ مشتركة، أو على تقسيم قناة الري القديمة، تتحرّك المخاوف سريعاً: خوف من تلف المحصول، ومن خسارة موسمٍ كامل. هنا يميل الوسطاء إلى الجمع بين الحلّ التقني والحلّ الاجتماعي. يُقاس تدفق الماء بتقديرات محلية، وتُرسم جداول دقيقة للدور، وتُكتب وثيقة مختصرة يوقّع عليها الطرفان مع شاهدين من وجهاء المنطقة.

أحياناً يُفرض تعويضٌ رمزي لمن خالف الاتفاق ليصبح عبرة من دون إحداث جرحٍ كبير. في هذه القضايا، يُظهر القضاء الأهلي والوساطة العشائرية مزيةً حاسمة: مرونة عالية تسمح بإعادة توزيع الموارد تبعاً للمواسم والمطر، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام الاجتماعي الضروري للزراعة.

المراعي: حدودٌ بلا أسوار

المراعي في أطراف القرى ليست دائماً مؤطرة بخريطة أو صكّ ملكية، بل بذاكرة المكان ومسارات قطعانٍ اعتادت طرقاً بعينها. فحين تتعدّى الماشية على حقولٍ مزروعة، يشتعل الخلاف لأن الخسارة مباشرة ومرئية.

يلتقط الوسطاء الخيط من عقدتين: قيمة الضرر وسلوك القطيع. يُدعى أصحاب الخبرة لتقدير الخسارة بالمتر وعدد الشجيرات، ويُحدَّد تعويضٌ يغطي التكلفة ويترك مساحة للتسامح. ثم تأتي الخطوة الأهم: إعادة ضبط المسارات عبر علاماتٍ محلية واضحة أو “مَسَاكِن” زمنية تراعي نموّ المحاصيل. وبذلك، لا يقتصر الفعل على إطفاء الحريق، بل على إقامة حاجزٍ يمنع تكراره، وهذا جوهر عمل القضاء الأهلي والوساطة العشائرية بوصفهما صيانةً للعلاقات قبل أن يكونا حكماً في الخلاف.

كهرباء القرية: شكوى لا تنطفئ

الكهرباء في الريف ليست سلكاً ومحولاً فحسب، بل شبكة مصالح صغيرة: اشتراكات مولدات خاصة، تفاوت أحمال، وخطورة أعطال. وحين يتهم جارٌ جارَه بسرقة خطّ أو تحميل المحول فوق طاقته، تتجاوز المشكلة التقنية إلى اتهامٍ أخلاقي يمسّ السمعة. هنا يتعامل الوسطاء بحذرٍ مزدوج: يلجؤون إلى فنيين محليين لقياس الاستهلاك وتحديد مصدر العطل، ثم يضعون تسوية تدريجية تشمل تقسيط التعويض، وجدولة استخدام الأجهزة الثقيلة، ومراقبة مشتركة لفترة محدودة.

وما يسهّل النجاح أن القضاء الأهلي والوساطة العشائرية يضعان الجميع في دائرة الحل، فيتحول “المتهم” إلى شريك في إصلاح الشبكة، ويصبح الالتزام بالاتفاق جزءاً من شرف العائلة.

الوجهاء ضامنون والنساء وسيطات خفيات وبارزات

تاريخياً، لعب الوجهاء دور “الشيك الأخلاقي” (الضمانة الاجتماعية) الذي يضمن تنفيذ ما يُتفق عليه. لكن الجديد هو الحضور المتنامي للنساء وسيطاتٍ في الخلافات اليومية، وخصوصاً تلك التي تخصّ الماء والكهرباء والقضايا المدرسية والصحية المتصلة بها. تمتلك الوسيطات قدرة على تهدئة النبرة وتفكيك سوء الفهم، وتصل إلى غرف البيوت حيث تصاغ القناعات النهائية. حين تتوسط امرأة معروفة بالاستقامة والنزاهة، تتحول المسألة من مبارزة كرامات إلى حوارٍ حول مصلحة الأطفال وأمن البيت. تتكامل هذه الأدوار مع الوجهاء الذين يوفّرون الغطاء العام، فيتقدّم القضاء الأهلي والوساطة العشائرية كمنصة تعددية لا حكراً ذكورياً مغلقاً.

من الأعراف إلى الوثيقة: كتابة الذاكرة المشتركة

أحد التحديات أن الأعراف الشفهية تتعرض للتآكل مع تغيّر الأجيال وتبدّل مصادر الدخل. لذلك يذهب بعض الوسطاء إلى تدوين مختصر للاتفاقات الأكثر تكراراً: دورات الري، مسارات الرعي، أوقات التشغيل المسموح بها للأجهزة الثقيلة، وغرامات ثابتة للمخالفات الشائعة. لا تُحوّل هذه الأوراق المجلس إلى محكمة رسمية، لكنها تخلق ذاكرة مكتوبة تحفظ الاستمرارية وتُسهل الرجوع إليها حين تتكرّر الواقعة.

بهذه الخطوة، يتضح كيف يطوّر القضاء الأهلي والوساطة العشائرية أدواته من داخل المجتمع من دون أن يفقد مرونته التي تمنحه القدرة على الاستجابة السريعة.

التحديات الواقعية والفرص المتاحة

تواجه هذه المنظومة مخاطر الانحياز إذا فقد الوسيط سمعته أو تشابكت مصالحه، ومخاطر العجز حين تتجاوز النزاعات حدود القرية إلى صراعات مسلّحة أو ملفات عقارية معقدة. الحلّ ليس في نفيها ولا في تقديسها، بل في جعلها شريكاً تكاملياً مع مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني. يمكن تدريب الوسطاء على مهارات حلّ النزاع، وتزويدهم بمعرفة قانونية أساسية، وتشجيع مشاركة النساء، وإنشاء قنوات إحالة رسمية إلى القضاء عند الحاجة.

كما يمكن إدخال أدوات قياس بسيطة للمياه والكهرباء تُخفف مساحة التأويل. عبر هذا المسار، يظلّ القضاء الأهلي والوساطة العشائرية أداة مجتمعية مرنة، ويصبح جزءاً من منظومة أوسع لحوكمة الموارد المحلية.

أمثلة وأحداث..

في ريف دير الزور، حيث تتجاور قريتا مراط ومزلوم على خط الفرات، تفجّرت خلافات قديمة حول أدوار الضخّ وقِسمة قنوات الريّ. استدعى الأهالي وجهاء القرى مع لجنة حلّ نزاعات مجتمعية مدعومة تنموياً، فجرى التوافق على جدول ضخّ مُعتمد ووضع ضمانات تنفيذ، ثم شُقّت قناة ريّ جديدة أطلق عليها الأهالي «قناة اللطف» لتهدئة التوتّر وإيصال الماء إلى نحو 2,500 دونم يستفيد منها قرابة 350 مزارعاً؛ نموذجٌ حيّ على القضاء الأهلي والوساطة العشائرية حين تتزوّد بأدوات متابعة وتمويل صغير يثبّت الاتفاق على الأرض.

في البادية الأوسع، لم تُحلّ الخلافات حول المراعي بقرار فوقي بل عبر «لجان رعي» محليّة تأسّست ضمن مشروع تنموي طويل النفس: شيوخ ووجهاء ومربّو أغنام اتفقوا على إراحة مواقع منهكة موسميّاً، واعتماد رعيٍ دوريّ منظم بدل الإغلاق المزمن، وربط ذلك بتقديرٍ مشترك للحمولة الرعوية ومسارات القطيع. المؤكَّد هنا أن كتابة «قواعد عادلة» بيد المجتمع نفسه تقلّل الاحتكاكات وتحوّل العُرف إلى وثيقة تُراجع مع تغيّر المطر والموسم.

وفي ملف الكهرباء الذي يلامس أعصاب كل بيت، تُظهر المعطيات الإنسانية أن شرائح واسعة من القرى لا تنال سوى ساعات قليلة جداً من التغذية العامّة، ما يدفع إلى حلول محليّة قائمة على المولّدات، ومعها تتكاثر الشكاوى حول التسعير وساعات التشغيل والأحمال. لمواجهة ذلك، لجأت بلدات إلى تنظيمٍ أهليّ وقواعد مكتوبة ترعى عمل المولّدات وتضبط الأسعار والدورات، كما حدث في القامشلي مع لوائح محلية تنظّم «الأمبيرات» وتقلّل فرص الاستغلال والنزاع بين الجيران على الحصص والأوقات. هكذا تتحوّل الشكوى التقنية إلى اتفاق اجتماعي قابل للقياس والمتابعة.

نحو عقدٍ اجتماعي صغير لكل قرية

ختاماً، حين يُحلّ نزاع الماء بلا كسرٍ للخواطر، وتُعاد خطوط الرعي إلى مساراتٍ واضحة، وينطفئ شجار الكهرباء قبل أن يتفاقم، تستعيد القرية ملامحها كعقد اجتماعي صغير يحاول أن يحمي العيش المشترك. لكن ذلك لا يعني أن الطريق معبّدٌ بالكامل؛ فالقضاء الأهلي والوساطة العشائرية يملكان قدرة على ابتكار حلول عملية تنبع من الثقة والمعرفة الدقيقة بالناس والمكان، غير أنّهما يظلان محكومين بحدود واضحة: هل يستطيعان أن يقدما بديلاً مستقراً عن مؤسسات الدولة، أم أن دورهما سيبقى مؤقتاً ومرتبطاً بظرف الندرة والاضطراب؟

اقرأ أيضاً: العشائر والبدو في مناطق «قسد».. صورة محايدة لمشهد معقد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى