سياسة

الفيدرالية: بين سوريا والميزان القانوني الدولي

تبرز الفيدرالية كأحد الحلول المطروحة لإدارة التنوع وتحقيق الاستقرار خصوصاً في الدول تواجه نزاعات داخلية، لذا سوف نستعرض في هذا المقال قضية الفيدرالية من منظور شامل، يتضمن نشأتها ومفاهيمها الأساسية. بالإضافة إلى تحليل تجارب تطبيقها في نماذج عالمية ناجحة مثل ألمانيا وأخرى متعثرة مثل العراق، وصولاً إلى طرح السؤال الأبرز حول إمكانية تطبيقها في سوريا.

ماذا يعني النظام الفيدرالي ونشأته التاريخية؟

تعرف الفيدرالية على أنها نظام حكم تتحد بموجبه مجموعة من الوحدات السياسية المستقلة مثل الولايات أو الكانتونات لتشكل مع بعضها دولة واحدة، مع احتفاظ كل وحدة باستقلال واسع في إدارة شؤونها الداخلية وهياكلها المؤسسية. وفي هذا النمط الأنظمة، تتقاسم الحكومة المركزية والحكومات المحلية السلطة والسيادة، حيث تتولى الحكومة المركزية غالباً الشؤون السياسة الخارجية والدفاع وتحصيل الضرائب والميزانية العامة، في حين تحتفظ الوحدات الفيدرالية بصلاحيات كاملة في الشأن المحلي، مع حصولها على نصيب عائدات الضرائب والنشاط الاقتصادي والاستثماري الذي يتم على أراضيها.

ويُشار إلى أن الأصول النظرية للفيدرالية تعود إلى كتابات الفيلسوف الألماني جوهان ألتيزيوس، تحديداً في كتابه “السياسة: عرض منهجي ومعزز بنماذج شاهدة ومقارنة” الذي صدر عام 1603، وعلى الرغم من أن أفكاره كانت تركز على حرية المجموعات لا الأفراد، فإنه يُعتبر الأب الروحي لفكرة النظام الفيدرالي. أما عملياً، فقد ظهرت الفيدرالية قبل ذلك بكثير، حيث تعود جذورها إلى عام 1291 في سويسرا، عندما أسس كانتونان وهما “شويز وأنتروالد” عهداً دفاعياً مشتركاً تطور لاحقاً إلى الفيدرالية السويسرية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن النموذج الحديث للدولة الفيدرالية، كما نعرفه اليوم، قد نشأ فعلياً مع صدور دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787.

تجارب النظام الفيدرالي بين النجاح والفشل

تواجه الدول التي تتبنى النظام الفيدرالي تحديات وفرص تختلف بحسب طبيعة كل دولة، حيث يمكن أن يؤدي هذا النظام إلى تحقيق الاستقرار والازدهار كما في بعض التجارب الناجحة كما يجري في ألمانيا، أو قد يفضي إلى تعقيدات وصراعات قد تذهب في الدولة باتجاه التقسيم دون العثور على قنوات للتعاون ودعم مكونات النظام الفيدرالي بعضها كما شهدنا في العراق.

حيث يعتبر النظام الفيدرالي في ألمانيا، نموذجاً ناجحاً لتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية المركزية والولايات الست عشرة، وذلك بناء على مجموعة من الأسس التي تضمن فعالية النظام الفيدرالي في تحقيق استقرار الدولة. وأول هذه الأسس نجد مبدأ توزيع السلطات الذي يمنح الولايات الألمانية أغلب الصلاحيات التنفيذية والقضائية، مما يسمح لها بإدارة شؤونها الداخلية بشكل مستقل، بما في ذلك الشرطة المحلية والتعليم.

وعلى الرغم من توزيع السلطات بهذه الطريقة، إلا أن المشاركة الفعالة للولايات في عملية التشريع على المستوى الفيدرالي من خلال مجلس الولايات، الذي يمثل مصالحها ويشارك في سن القوانين، يمنع تمركز السلطة ويعزز مبدأ التوافق السياسي.

بالإضافة إلى ذلك، يحمي الدستور الألماني الذي جرى تبنيه في عام 1949 النظام الفيدرالي الألماني من خلال بند “النص الأبدي”، وذلك في مادته 79 الفقرة 3، والذي يمنع أي تعديلات مستقبلية قد تؤثر على تقسيم البلاد إلى ولايات، أو على المشاركة المبدئية في عملية التشريع، أو على المبادئ الواردة في المادة 1 والمادة 20، مما يمنح الولايات استقلالية دستورية قوية. كما أن مبدأ التضامن ضمن النظام الفيدرالي الألماني يعني أن الولايات والحكومة الفيدرالية تدافع عن بعضها البعض وتساعد بعضها البعض لمساعدة نفسها.

أما الوجه السلبي للنظام الفيدرالي، فنجد العراق خير مثال له، حيث لم يتمكن النظام الفيدرالي في العراق، القائم على أساس ثنائي قومي وإداري بحسب مسودة الدستور العراقي، من تحقيق الهدف المنشود ولم يرقى بالدولة العراقية ككل، إنما واجه تطبيق النظام الفيدرالي في العراق تحديات كبيرة بسبب عوامل تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة، حيث أن العراق بلد شديد التنوع العرقي والطائفي، وله تاريخ طويل من الحكم المركزي، مما خلق حالة من الشك وانعدام الثقة بين مكوناته المختلفة. بالإضافة إلى ذلك فإن القضايا الجوهرية مثل توزيع الإيرادات المالية والنزاعات على الحدود لا تزال عوائق رئيسية أمام تطبيق نظام فدرالي مستقر وفعال.

على الرغم من أن إقليم كردستان العراق تمكن من تحقيق تقدم ملموس في مجالات متعددة. حيث أنه بفضل الحكم الذاتي، تمكنت حكومة الإقليم من تطوير قطاعات حيوية مثل التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والإسكان، بالإضافة إلى بناء منظومة متكاملة لقطاع النفط والغاز بفضل استثمارات القطاع الخاص.

إلا أن هذا النجاح بقي مقتصراً على الإقليم فقط، ولم تتم مشاركته على باقي مناطق الدولة العراقية، الأمر الذي يُشير بشكل أو بآخر إلى أن النظام الفيدرالي في العراق اتجه أكثر نحو الانفصال أكثر من كونه يسعى للنهوض بالدولة ومؤشر واضح على تمتع الإقليم بصلاحيات تفوق صلاحيات الحكومة المركزية للدولة.

ويُشار في هذا الصدد إلى أن مسودة الدستور العراقي تتضمن نصوصاً، تجعل مصلحة الأقاليم هي الأولوية، حيث يتقدم فيه القانون الإقليمي على القانون الاتحادي في حالة الخلاف بينهما حول الصلاحيات المشتركة كما تبين المادة 111 من مسودة الدستور العراقي، كما أن المادة 117 تشير إلى تأسيس مكاتب خاصة للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية، وهو إجراء غير مسبوق على مستوى كل التجارب الفيدرالية في العالم.

ومن هنا نجد أن الفيدرالية التي تضمنها الدستور العراقي تسببت في تشظية السلطة لا في توزيعها، كما أنها أسست لنظام فيدرالي لا يتفق مع المفهوم النظري المعروف للفيدرالية. وبالتالي نجد أن النظام الفيدرالي ليس حلاً سحرياً، بل هو عملية مستمرة تتطلب التزاماً بالعدالة والحوكمة الرشيدة لتحقيق الاستقرار والرفاهية لجميع المكونات.

وفي ظل الحديث الشائع اليوم عن إمكانية تطبيق النظام الفيدرالي في سوريا، يبرز السؤال الأهم، في حال تحقق ذلك، هل ستكون سوريا نموذجاً ناجحاً للنظام الفيدرالي كما شهدت ألمانيا، أم سيتعقد المشهد السوري أكثر، كما شهدنا في حالة العراق؟

الفيدرالية في سوريا: بين الفرص والتحديات

يحتدم الجدل في الأوساط السورية حول مستقبل شكل الدولة بين من يرى في الفيدرالية أو الحكم الذاتي مدخلاً للتفكك والانقسام، وبين من يعتقد أنها قد تشكّل إطاراً عملياً لإعادة بناء شكل الدولة والمجتمع في سوريا بناء على أسس جديدة. ومن هذا المنطلق سوف نناقش الفرص التي يمكن أن يقدمها النظام الفيدرالي لسوريا وبين التحديات التي يمكن أن تواجهها البلاد بسببه.

في حال تم تطبيق النظام الفيدرالي في سوريا، على اعتبارها بلداً يزخر بمكونات مختلفة فقد تكون هناك فرصة لتعزيز التنوع وتكريس التعددية، حيث يمكن لهذا النظام أن يضمن إسناد إدارة الشؤون المحلية إلى الحكومات المحلية، ما يسمح لها بتكييف الخدمات والسياسات مع خصوصيات السكان في كل منطقة. كما يمكن أن يساهم في تحفيز الإبداع الإداري وتقديم نماذج تنموية أكثر فعالية على مستوى الأقاليم، بالإضافة إلى تسهيل التبادل التجاري والاقتصادي بين المكونات المختلفة.

ومن جهة أخرى، لا يخلو هذا الخيار من المخاطر والتحديات، حيث أنه من شأن السلطات الواسعة الممنوحة للحكومات المحلية أن تعيق بلورة رؤية تنموية وطنية شاملة، وذلك بسبب التنوع الكبير في المكونات المشكّلة لسوريا، ما يثير إشكالات حول كيف يمكن تحقيق الاندماج الوطني في ظل هذه الظروف؟

بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن تنشأ خلافات جديدة بسبب آلية توزيع الضرائب والإيرادات التي سيتم اعتمادها في حال تم تطبيق النظام الفيدرالي في سوريا، بالإضافة إلى أن الصلاحيات الممنوحة للحكومات المحلية قد تتحول إلى مواجهات سياسية ونزعة انفصالية، كما حدث في بعض التجارب الدولية مثل إقليم كتالونيا في إسبانيا، مما يهدد الاستقرار العام.

اقرأ أيضاً: «قسد» ودمشق: بين طموحات الفيدرالية وهواجس السيادة!

في الختام، يمكن للفيدرالية في سوريا أن تكون آلية لتحقيق الاستقرار والازدهار إذا تمكنت من إدارة التنوع بشكل إيجابي، لكنها قد تتحول إلى مصدر للنزاع والانقسام إذا لم يتم حل الخلافات الجوهرية حول السلطة والموارد، والواجب هنا أن يكون الشعب، كل الشعب وليس جزءاً منه فقط، هو المخول بالتقرير إن كان بحاجة فيدرالية أم لا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى