الفطر المحاري.. استثمار غذائي غير تقليدي يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد السوري

يعتبر الفطر المحاري مصدراً غذائياً واعداً، بسبب سهولة زراعته وغناه بالمواد الغذائية المتنوعة. في هذا المقال، سوف نستعرض أبرز المعلومات الهامة عن زراعته، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد منتج زراعي بسيط إلى صناعة رائدة ورافد للاقتصاد في سوريا.
ما هو الفطر المحاري وأين تتم زراعته؟
يعتبر الفطر المحاري من أشهر أنواع الفطر الصالحة للاستهلاك البشري، وأطلقت عليه تسمية هذا الاسم نتيجة شكله الذي يُشبه المحار أو المروحة. ويتميز هذا النوع من الفطر بألوانه المتعددة التي تتدرج بين الأبيض والرمادي والبني الفاتح والأزرق. كما يعتبر هذا النوع من الفطر بديلاً ممتازاً للحوم نظراً لغناه بالبروتينات والفيتامينات والمعادن.
ومن اللافت أن زراعة هذا النوع من الفطر يمكن أن تتم في أي مكان، إلا أن المغاور تعتبر بيئة مثالية لزراعته نتيجة توافر معدلات مناسبة من الرطوبة والبرودة.
طريقة زراعة هذا النوع من الفطر
تعتبر زراعة الفطر المحاري سهلة، وذلك لأنه لا يحتاج إلى أي مواد سوى أبواغ الفطر والتبن وكمية من الجبس الذي يستخدم كمعدل قلوي.
في الخطوات الأولى من زراعة هذا النوع من الفطر، يتم تحضير بيئة الزراعة من خلال غلي التبن بالماء لمدة نصف ساعة، ليتم بعد ذلك تبريده وتجفيفه بحيث يبقى رطباً قليلاً، ووضعه بعد ذلك داخل أكياس، بحيث تكون المسافة بين كل كيسين من 7 – 10 أمتار.
وفي المرحلة الثانية، يتم خلط ملعقة من أبواغ الفطر مع التبن في كل كيس، بعدها يتم تثقيب الأكياس وتعقيمها وسقايتها، وبذلك تكون الأكياس أصبحت جاهزة لتعليقها في مكان مظلم بشكل كامل.
بعد انقضاء 25 يوماً، نلاحظ ظهور كتل من المشائج، حينها نقوم بصناعة فتحة فوق الكتلة مما بحيث يتم فسح المجال للفطر بالنمو، وفي أقل من 30 يوماً يُصبح الفطر جاهزاً للأكل. وبذلك يتراوح الزمن اللازم لزراعة الفطر المحاري بين 45 – 60 يوماً.
التحديات التي تواجه هذه الزراعة في سوريا
كغيرها من العديد من الزراعات الناشئة في سوريا، تواجه زراعة الفطر المحاري تحديات عديدة، في مقدمتها غياب الدعم الحكومي عن هذا النوع من الزراعات، مما يجعلها تقتصر على الجهود الفردية لبعض المزارعين، أو بعض المجموعات التطوعية الخاصة.
كما أن هذه الزراعة تواجه مشكلة أساسية متمثلة بوجود فجوة هائلة بين الدراسات الأكاديمية التي تقدم جانباً نظرياً بحتاً، وبين واقع الزراعة الحقيقي. هذا الأمر يُسبب صدمة للخريجين عند محاولة تنفيذ على أرض الواقع.
ومن الجدير بالذكر، أنه حتى في حال نجاح مشروع الزراعة، وبلوغ مرحلة الإنتاج الغزير، تجد مرحلة التسويق عائقاً كبيراً كون استهلاك هذه المادة ليس شائعاً في ثقافة الشعب السوري. الأمر الذي يتطلب إيجاد مستهلك أو مشتر للإنتاج خلال الخطوات الأولى لهكذا مشروع وحتى قبل الشروع في الزراعة.
كما أن الفطر المحاري يواجه ضيق في سوق التصريف، كونه لا يمكن تخزينه عن طريق التخليل أو تصديره، وبالتالي سوق تصريف الوحيدة المتوفرة، هي السوق المحلية.
تحويل الفطر المحاري في سوريا: من محصول زراعي إلى صناعة واعدة
تكمن القيمة الاقتصادية الفعلية للفطر المحاري في سوريا بعيداً عن تسويقه كمنتج طازج، في إمكانية تصنيعه وتحويله من مجرد محصول زراعي سريع التلف إلى سلعة صناعية ذات عمر تخزيني طويل وهوامش ربح أعلى وخصوصاً أن تكاليف زراعته منخفضة.
فمثلاً، تصنيع الفطر المحاري وتعبئته في علب أو مرطبانات وزنها الصافي 400 غرام، قد يجعل سعر الكيلو غرام الواحد يرتفع بنسبة 40% تقريباً، مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف التصنيع والتعبئة.
ويُشار إلى أن التوجه نحو إنتاج كميات كبيرة من الفطر المُصنع، يمكن أن يكون خطوة نحو صناعية غذائية جديدة في سوريا، حيث يوفر ذلك فرص عمل متنوعة تتراوح بين قطاع التصنيع والتعبئة والنقل، كما يُقلل من الهدر في الإنتاج الزراعي للفطر نتيجة تلفه بسبب ضيق سوق تصريفه كمنتج طازج.
ومن الجدير بالذكر، أنه يمكن تحويل الفطر المحاري من خلال تصنيعه إلى عدة أنواع من المنتجات، يأتي النوع المعلب في مقدمتها. كما يمكن تجفيفه وبيعه على شكل رقائق، أو تحويله إلى مسحوق يمكن استخدامه كمنكّه طبيعي في الشوربات والصلصات.
أما عن تصريف هذا الإنتاج، فيمكن توجيهه بسهولة نحو الأسواق المحلية من خلال تجار الجملة ومحلات السوبر ماركت، وتوريده لقطاع المطاعم والفنادق، والأهم من ذلك، فتح باب التصدير إلى الأسواق المجاورة بمنتج سوري معلّب منافس عالي الجودة.
كيف يمكن لسوريا أن تصبح رائدة في صناعة الفطر المحاري؟
بدأت زراعة الفطر المحاري عالمياً في ألمانيا، كمصدر غذائي خلال الحرب العالمية الأولى، والآن باتت زراعته لأغراض تجارية شائعة في العديد من دول العالم. حيث تعتبر الصين هي الدولة الرائدة عالمياً في إنتاج واستهلاك هذا النوع من الفطر، ويشكل إنتاجها حوالي 85% من الإنتاج العالمي للفطر المحاري.
وكي تتمكن سوريا من تحقيق ريادة في هذا النوع من الصناعات الغذائية، فإنها بحاجة إلى خطة استراتيجية تشمل محاورة عديدة.
في البداية يجب إنشاء بنية تحتية صناعية، حيث إنشاء معامل متخصصة بتجهيز وتعليب الفطر. بالإضافة إلى أنه يجب تأمين الدعم للمزارعين بهدف زيادة إنتاج الفطر الطازج وتأمين كميات كافية ومستمرة للمصانع بأسعار تشجيعية.
ثم بعد ذلك يجب العمل على استراتيجيات تسويقية فعالة على المستويين الداخلي والخارجي. داخلياً، يتطلب الأمر إطلاق حملات توعية لتعريف المستهلك السوري بفوائد هذا النوع من الفطر وقيمته الغذائية، واستخداماته في المطبخ السوري والأطباق المتنوعة، بالإضافة إلى تقديم عينات للمطاعم والفنادق بهدف تأمين سوق مستهلك لكميات كبيرة من الإنتاج المصنع.
أما التسويق على المستوى الخارجي، فيتطلب الأمر الحصول على شهادات جودة عالمية (مثل ISO)، والمشاركة في المعارض الغذائية الدولية، ودراسة الأسواق المستهدفة في الدول المجاورة والخليج العربي، وتقديم منتج معلّب ذي جودة عالية وتغليف جذاب ينافس المنتجات العالمية.
أما عن العوائد الاقتصادية، تعتبر واعدة جداً، فالانتقال إلى التصنيع لا يضمن فقط تحقيق أرباح أعلى من بيع المنتج الخام، بل يساهم في خلق قطاع صناعي جديد، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وفتح أبواب جديدة للتصدير وجلب القطع الأجنبي، مما يجعله استثماراً استراتيجياً ومجدياً للاقتصاد السوري على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: زراعة النخيل في سوريا: هل تستعيد رونقها وتنهض من جديد؟
في الختام، بات من الواضح أن الفطر المحاري يمثل أكثر من مجرد محصول زراعي، بل هو فرصة استثمارية واعدة، ويمكن أن يكون رافد حقيقي للاقتصاد الوطني.









