أعمال واستثمار

الفستق الحلبي يبحث عن طريق العودة بين حقول الألغام والظروف الزراعية

بقلم هلا يوسف

تحمل الذاكرة الزراعية السورية في جعبتها تاريخاً طويل من المنتجات التي تركت بصمتها السورية على أرض عرفتها الحضارة حق المعرفة. ومن بين هذه المنتجات الفستق الحلبي الشهير، حيث ارتبطت بساتينه بتاريخ طويلٍ مع السكان. فقد انتشرت بساتين الفستق الحلبي في مناطق واسعة من شمال ووسط البلاد، خصوصاً في ريف حماة وإدلب وحلب، حيث شكلت مورك ومعرة النعمان وسراقب والتمانعة مراكز أساسية لإنتاجه.

وتشير مصادر تاريخية إلى أن هذه الشجرة عرفت في سوريا منذ آلاف السنين، وأن أقدم الأدلة على استخدامها تعود إلى العصر البرونزي في حوض البحر المتوسط، وتحديداً في مدينة حلب. ومن هناك انتقلت زراعتها لاحقاً إلى أوروبا عبر الرومان في القرن الأول الميلادي، قبل أن تنتشر في مناطق أخرى من العالم.

قبل عام 2011، كانت سوريا تحتل موقعاً متقدماً في إنتاج الفستق الحلبي عالمياً، إذ جاءت في المرتبة الرابعة بعد إيران وتركيا والولايات المتحدة. وكانت البساتين السورية تنتج ما بين 90 و100 ألف طن سنوياً، يصدر جزء كبير منها إلى أسواق الخليج وأوروبا بفضل الجودة العالية والمذاق المميز.

وقد أسهم هذا المحصول في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل واسعة في الزراعة والتجارة والصناعات الغذائية المرتبطة به، مثل صناعة الحلويات والمكسرات. ومع ارتفاع الطلب العالمي على الفستق الحلبي، الذي قد يصل سعر الكيلوغرام الواحد منه في بعض الأسواق إلى أكثر من 30 دولاراً، ظل هذا المحصول أحد أهم الموارد الزراعية التي تعول عليها البلاد.

آثار الحرب وتراجع الإنتاج

إلا أن الحرب التي اندلعت في سوريا غيرت هذا المشهد بشكل جذري. فقد تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للتدمير، وتضررت البنية التحتية المرتبطة بالقطاع الزراعي، بينما نزح عدد كبير من المزارعين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لهذه الزراعة. كما أدت الألغام ومخلفات الحرب إلى جعل الوصول إلى بعض الأراضي محفوفاً بالمخاطر، ما دفع كثيرين إلى ترك بساتينهم مهجورة لسنوات.

فتشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 60 في المئة من الأشجار المثمرة بين عامي 2012 و2017 في ريف حماة وحده، بينما قطع أو احترق نحو نصف مليون شجرة فستق في مناطق مختلفة من الشمال السوري. ومع تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة، تحولت مهنة زراعة الفستق إلى عبء ثقيل على المزارعين الذين فقد كثير منهم مصدر رزقهم الأساسي.

يروي أحد المزارعين من منطقة مورك قصة خسارة يصفها بأنها لا تعوض. فقد كان يمتلك أرضاً مساحتها 120 دونماً تضم نحو ألفي شجرة يتجاوز عمر معظمها سبعين عاماً، إلا أن هذه البساتين تحولت بحلول عام 2023 إلى أرض شبه خالية بعدما تم اقتلاع الأشجار بالكامل ولم يبق منها سوى شجرتين فقط. ويقول إن إعادة زراعة الأرض أصبحت شبه مستحيلة، إذ تصل تكلفة غرس الدونم الواحد إلى نحو ألفي دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم المزارعين في ظل غياب الدعم.

قصة مشابهة يرويها مزارع آخر من بلدة التمانعة، الذي فقد عشرات الأشجار من بستانه الذي يضم 240 شجرة يزيد عمرها على سبعين عاماً، بعدما تم اقتلاع بعض الأشجار خلال العمليات العسكرية، في حين قضت الآفات الزراعية على أشجار أخرى لاحقاً. ويؤكد أن الخسارة لم تكن مادية فحسب، بل طالت إرثاً زراعياً عائلياً امتد لعقود طويلة.

إلى جانب آثار الحرب، واجهت هذه الزراعة تحديات إضافية أبرزها الجفاف المتكرر وانخفاض منسوب المياه الجوفية، ما أدى إلى تقلص المساحات المروية وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما انتشرت آفات خطيرة مثل حفار الساق المعروف “بالكابنودس” وحشرة “بسيلا الفستق”، إضافة إلى أمراض فطرية تؤثر في الثمار والأوراق. ويؤكد مختصون أن مكافحة هذه الآفات تتطلب برامج متكاملة تشمل التقليم المنتظم والتسميد والرش الوقائي، وهي إجراءات يصعب تطبيقها في ظل نقص المبيدات والأسمدة وارتفاع أسعارها.

محاولات التعافي وإحياء الزراعة

على الرغم من حجم الخسائر التي تم ذكرها سابقاً، لم تتوقف محاولات إنعاش زراعة الفستق الحلبي. ففي بعض المناطق بدأت مبادرات فردية وجماعية لإعادة زراعة البساتين، حيث بادر مزارعون في بلدة كفرزيتا إلى غرس أكثر من 1200 شجرة جديدة خلال عام واحد بدعم من سوريين مغتربين. كما ظهرت تعاونيات محلية تجمع المزارعين بهدف تبادل الخبرات وتأمين مستلزمات الإنتاج، بينما أطلقت بعض الجامعات برامج تدريبية لتعريف الشباب بأساليب الزراعة الحديثة.

تتميز شجرة الفستق الحلبي بقدرتها على تحمل الجفاف نسبياً مقارنة بمحاصيل أخرى، مما يجعلها مناسبة للبيئة السورية في ظل تراجع الموارد المائية. ومع ذلك، يرى الخبراء أن عودة هذا القطاع إلى سابق عهده تتطلب خطة شاملة تبدأ بإعادة تأهيل الأراضي المتضررة وإزالة الألغام، وتوفير غراس محسنة عالية الجودة، إضافة إلى تقديم قروض ميسرة للمزارعين وتفعيل دور الإرشاد الزراعي.

كما يشير مختصون إلى أهمية إنشاء مؤسسات تتولى تسويق المحصول وضمان أسعار عادلة للمزارعين، إذ إن غياب جهة منظمة للتسويق يتركهم تحت رحمة التجار وتقلبات الأسعار. وفي السوق المحلية يتراوح سعر الكيلوغرام حالياً حول ستة دولارات، في حين يصل في الأسواق العالمية إلى ما بين عشرين وثلاثين دولاراً، وهو فارق كبير يعكس الإمكانات الاقتصادية التي يمكن تحقيقها في حال تطوير قطاع التصدير.

في النهاية، بالرغم من كل التحديات، لا يزال الفستق الحلبي محتفظاً بمكانته التاريخية والاقتصادية. وفي الوقت الذي تعود الحياة إلى القرى والبلدات بعد التحرير، بدأت أراضي الفستق الحلبي تستنشق نفس الحياة من جديد، إلا أن نجاح الموسم يعتمد أيضاً على الدعم الحكومي لها، وعمل وزارة الزراعة، مما يساهم في دعم الاقتصاد المحلي، وإحياء منتج مرتبط تاريخياً باسم سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى