الفستق الحلبي.. محصول يكبر في الأرض ويضيق في السوق

بقلم: ريم ريّا
من منا لا يحب الفستق الحلبي؟ تلك الحبة التي تدخل في الحلويات وترافق القهوة وتظهر في كثير من المناسبات، تحولت خلال السنوات الماضية إلى محصول زراعي مهم بالنسبة إلى آلاف المزارعين السوريين. لكن خلف صورته كمنتج مرغوب، يعيش الفستق الحلبي مفارقة صعبة على المزارعين، بين ضيق المساحات المزروعة وعدد الأشجار في ازدياد. في حين لا تزال رحلة المزارع من الشجرة إلى السوق مليئة بالمشكلات، من الآفات وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى ضعف التسويق وصعوبات التصدير.
توسع المساحات المزروعة وتباين معدلات الإنتاج
تشير البيانات الأولية لموسم 2026 إلى توسع واضح في زراعة الفستق الحلبي، حيث ارتفعت المساحة المزروعة إلى حوالي 67.864 هكتاراً، وهو ما يمثل زيادة تقارب 12% مقارنة بـ 60.500 هكتار سجلت في عام 2025. كما شهد إجمالي عدد الأشجار نمواً، إذ ارتفع من حوالي 9.7 مليون شجرة في العام الماضي إلى ما يقرب من 10.47 مليون شجرة في هذا الموسم، منها أكثر من 8 ملايين شجرة مثمرة.
ومع ذلك، فإن الزيادة في المساحات وأعداد الأشجار لا تترجم بالضرورة إلى ارتفاع متناسب في حجم الإنتاج. ففي عام 2025، بلغ الإنتاج في حلب حوالي 25.360 طناً، مقارنة بـ 10.343 طناً في حماة وحوالي 4.695 طناً في إدلب.
وفي المقابل، تظهر التقديرات الأولية لعام 2026 انخفاضاً في إنتاج حلب ليصل إلى حوالي 12.690 طناً، بينما ارتفع الإنتاج في حماة إلى 14.740 طناً، وسجلت إدلب ما يقرب من 5.015 طناً. وتكشف هذه الأرقام عن تفاوتات إقليمية كبيرة، إضافةً إلى تأثير الظروف الجوية والآفات والتقلبات الطبيعية في إنتاجية الأشجار من موسم لآخر.
اقرأ أيضاً: الفستق الحلبي في ريف حماة.. شجرة تصمد وسط تعب الأرض وأهلها
تأثير الآفات السلبي على إنتاج الفستق الحلبي
يواجه المزارعون منذ سنوات تحديات تتعلق بالتغير المناخي وشح الأمطار وانتشار الآفات. ومن أبرز هذه الآفات حشرة “البسيلا”، التي أجبرت بعض المزارعين على محاولة مكافحتها مراراً وتكراراً دون تحقيق نتائج مرضية.
كما تعد خنفساء “الكابنودس” واحدة من أخطر المشكلات الحالية بسبب محدودية توفر تدابير المكافحة الفعالة، مما يضطر المزارعين إلى اللجوء لأساليب يدوية وميكانيكية لمكافحتها. وتتفاقم المشكلة بسبب تقادم الأشجار وارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود والعمالة، إلى جانب أخطاء الحصاد التي تؤثر سلباً على إنتاجية الموسم التالي.ويسلط هذا الأمر الضوء على أحد أسباب الفجوة بين الإمكانات الإنتاجية وحجم المنتج الذي يصل بشكل فعلي إلى السوق بالجودة والجدوى الاقتصادية المطلوبتين.
حتى عندما ينجح المزارع في إنتاج محصول عالي الجودة، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في التسويق. تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الأسعار المحلية لا تعكس دائماً التكاليف التي يتكبدها المزارعون. ويضطر بعض المنتجين إلى البيع بسرعة لضمان تدفق السيولة النقدية، مما يفتح المجال أمام الوسطاء في سلسلة التوريد لتحقيق مكاسب أكبر.
وهذا يفسر التفاوت بين قيمة المنتج عند بوابة المزرعة والسعر الذي يباع به في الأسواق النهائية ولو كان هذا التفاوت جزئياً. ولا تقتصر التحديات التي تواجه الفستق السوري على مرحلة الإنتاج، بل تمتد لتشمل أيضاً عمليات ما بعد الحصاد.
لماذا لم تحل المشكلة بعد؟
على الرغم من الجهود المبذولة، مثل خدمات الإرشاد الزراعي، وتوزيع الشتلات والأصول المطعّمة، والزيارات الميدانية للمحاصيل،إلا أن الحلول لا تزال تصطدم بعقبات تفوق قدرة المزارع الفرد على التحكم فيها. فالعملية التصديرية تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بفرز المحصول وضبط الجودة، وتمتد إلى ما بعد مرحلة الشحن بمراحل عديدة.
وتشمل أبرز العقبات، صعوبات في المعاملات المصرفية وتحويل الأموال، ومعايير الجودة الصارمة في الأسواق الخارجية، وارتفاع تكاليف الشحن والعبور مقارنة بالدول المنافسة. وبالإضافة إلى ذلك، تصدير جزء من الفستق السوري في صورته الخام ليتم لاحقاً فرزه وتعبئته وتسويقه تحت علامات تجارية أخرى؛ وهذا يعني أنه في حين تنتج سوريا المادة الخام، فإنها لا تجني دائماً القيمة الاقتصادية الكاملة للمنتج النهائي.
يلمس المستهلكون في السوق المحلي أثر هذا التفاوت، إذ تؤدي الأسعار المرتفعة في الغالب إلى تصنيف الفستق ضمن السلع الكمالية المخصصة للمناسبات الخاصة والحلويات، بدلاً من كونه سلعة تشترى بشكل دوري. وفي الوقت نفسه، لا يشعر المزارعون بشكل دائم بالرضا عن الأسعار التي يحصلون عليها.
وتكمن المفارقة في أن السعر المرتفع الذي يدفعه المستهلك لا يترجم بشكل تلقائي إلى أرباح كبيرة للمزارع، إذ تستنزف الفجوة بين السعرين من خلال سلسلة من التكاليف تشمل النقل، والفرز، والتخزين، والوساطة، والتسويق.
من الإنتاج إلى القيمة المضافة
الحل لا يبدو في زيادة عدد الأشجار فقط، بل في تحسين ما يحدث للمحصول بعد قطافه. ويطرح ذلك الحاجة إلى تطوير الفرز الآلي، وتحسين التعبئة، والانتقال بشكل تدريجي من بيع المنتج الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، وربط الفستق بصناعة الحلويات والمنتجات الجاهزة. كما أن تسجيل الفستق الحلبي السوري كعلامة تجارية محمية، وبناء هوية واضحة له في الأسواق الخارجية، يمكن أن يساعد في تحويل شهرته التقليدية إلى قيمة اقتصادية فعلية.
الفستق الحلبي السوري يملك قاعدة إنتاجية واسعة وسمعة معروفة، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الشجرة وحدها. المطلوب أن تمتد العناية بالمحصول من الأرض إلى السوق، بحيث لا يبقى المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة، ولا يبقى المنتج السوري مادة خاماً تكتسب قيمتها الحقيقية بعد أن تغادر البلاد.









