الفستق الحلبي في ريف حماة.. شجرة تصمد وسط تعب الأرض وأهلها

بقلم هلا يوسف
كثير من مزارعي الفستق الحلبي الذين ظلوا متمسكين بأشجارهم يصفون السنوات الأخيرة بأنها الأثقل، حيث لم يعد العمل في الأرض كما كان في السابق، ولا العائد يكفي أحياناً لتغطية الجهد المبذول. ففي ظل الغياب القسري لبعض أصحاب الأراضي وصعوبة الوصول إليها، وبين انتشار الآفات الزراعية والجفاف، وجد الفلاح نفسه أمام واقع زراعي معقد بشكل كبير. ففي ريف حماة الشمالي شكلت بساتين الفستق الحلبي مشهداً ثابتاً في حياة السكان. إلا أن السنوات الأخيرة حملت معها تحديات كبيرة غيرت الكثير من ملامح هذا المشهد، بعدما تأثرت البساتين بالحرب والنزوح والجفاف وتراجع الإنتاج.
وتنتشر زراعة الفستق الحلبي في مناطق عدة من ريف حماة، أبرزها مورك وكفر زيتا والطيبة، حيث وجدت هذه الشجرة البيئة المناسبة للنمو رغم قلة الأمطار وقسوة الظروف المناخية. وتمتاز شجرة الفستق بقدرتها على تحمل الجفاف مقارنة بكثير من الأشجار الأخرى، إلا أنها تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تبدأ بالإثمار، إذ لا تعطي محصولها الأول قبل مرور ثماني إلى عشر سنوات من زراعتها.
وتعرف بلدة مورك بأنها العاصمة السورية للفستق الحلبي، إذ ارتبط اسمها بهذه الزراعة منذ عشرات السنين. ومع بداية شهر آب من كل عام تبدأ أعمال القطاف، فتتحول البساتين إلى خلية عمل يشارك فيها المزارعون وعائلاتهم، في مشهد يتكرر جيلاً بعد جيل ويعكس عمق العلاقة بين الأهالي وهذه الشجرة.
ويؤكد مزارعون من المنطقة أن الفستق الحلبي ظل لعقود المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لكثير من العائلات، وأن مواسمه كانت تشكل حدثاً اقتصادياً واجتماعياً مهماً ينتظره الجميع كل عام. ويشيرون إلى أن جزءاً من المحصول يستخدم في الصناعات الغذائية المحلية، بينما يذهب القسم الأكبر إلى الأسواق الخارجية بسبب الجودة العالية التي يتمتع بها الفستق السوري.
الحرب وتغير واقع البساتين
شهدت بساتين الفستق الحلبي خلال سنوات الحرب تحولات كبيرة أثرت على المزارعين والإنتاج الزراعي. فقد أدت عمليات النزوح والتهجير إلى ابتعاد عدد كبير من أصحاب الأراضي عن بساتينهم، ما تسبب في تراجع العناية بالأشجار وتضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وفي هذا السياق برز دور شركة “اكتفاء”، وهي شركة استثمار زراعي مملوكة للدولة السورية تأسست عام 2021 بعد دمج شركتي “غراس” و”الخضراء”. وتتولى الشركة إدارة الأراضي التي يتعذر على أصحابها الوصول إليها من خلال التعاقد مع مزارعين ومستثمرين محليين لضمان استمرار الإنتاج الزراعي وحماية الأراضي من الإهمال.
وتؤكد الشركة أن دورها مؤقت ويهدف إلى الحفاظ على الأشجار والإنتاج إلى حين عودة أصحاب الأراضي أو تسوية أوضاعهم القانونية. إلا أن هذا الملف ما زال يثير نقاشاً واسعاً بين المزارعين.
فبعض أصحاب الأراضي يقولون إنهم عادوا إلى مناطقهم بعد سنوات من الغياب ليجدوا أن أراضيهم تُدار من خلال عقود موقعة مع أطراف أخرى، الأمر الذي منعهم من الإشراف المباشر على ممتلكاتهم ومحاصيلهم. ويرى هؤلاء أن المشكلة لا تتعلق بملكية الأرض فقط، بل بقدرتهم الفعلية على استثمارها والاستفادة منها.
في المقابل، يرى مزارعون آخرون أن وجود جهة تشرف على إدارة الأراضي ساعد في حماية البساتين من الإهمال خلال سنوات صعبة، وأن استمرار العمل الزراعي كان أفضل من ترك الأشجار من دون رعاية أو استثمار.
ويترأس شركة “اكتفاء” حالياً محمد حنوف، بينما تولى وزير الزراعة السوري الحالي باسل السويدان إدارتها سابقاً، ويشرف منذر خطاب على فرعها في محافظتي حماة وحمص.
الفستق الحلبي.. عماد الاقتصاد المحلي
عند النظر إلى هذا المحصول نجد أن أهميته لا تقتصر على قيمته التراثية فقط، بل يعد أحد أهم المحاصيل الاقتصادية في سوريا. وتعتمد عليه آلاف الأسر كمصدر رئيسي للرزق، سواء من خلال الزراعة أو التجارة أو عمليات الفرز والتوضيب والتصدير.
ويرى مزارعون في مورك أن الفستق الحلبي هو المحرك الأساسي للحياة الاقتصادية في المنطقة، إذ ترتبط به أعمال كثيرة تبدأ من العناية بالأشجار وتنتهي بتسويق المحصول داخل سوريا وخارجها. كما يؤكدون أن جودة المنتج السوري جعلته مطلوباً في العديد من الأسواق العربية والعالمية.
ويواجه هذا القطاع الزراعي مجموعة من التحديات، أبرزها انتشار حشرة “الكابنودس” التي تعد من أخطر الآفات التي تصيب أشجار الفستق. ويقول المزارعون إن مكافحة هذه الحشرة تتطلب جهداً جماعياً، لأنها تؤدي إلى إضعاف الأشجار وقد تتسبب في موتها إذا لم تتم معالجتها بالشكل المناسب.
ورغم هذه الصعوبات، ما زال الفستق الحلبي يشكل مورداً اقتصادياً مهماً للمنطقة. ووفق بيانات مكتب الفستق الحلبي، بلغت صادرات موسم 2024 نحو 2.44 مليون كيلوغرام من الفستق المقشور، و263 ألفاً و776 كيلوغراماً من الفستق بقشره، بالإضافة إلى 2.07 مليون كيلوغرام من الفستق الأخضر. وكانت مصر وألمانيا والسعودية وإندونيسيا من أبرز الدول المستوردة للمنتج السوري.
تراجع الإنتاج وأرقام تكشف حجم التحديات
رغم أهمية الفستق الحلبي، فإن هذا القطاع يواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد استمراريته. ويقول مدير مكتب “الفستق الحلبي” محمد عادل هواش إن إنتاج موسم 2025 انخفض إلى أقل من نصف إنتاج العام الذي سبقه.
ويعود هذا التراجع إلى عدة أسباب، من بينها ظاهرة “المعاومة”، وهي ظاهرة طبيعية تحمل فيها الأشجار محصولاً وفيراً في سنة ثم ينخفض إنتاجها في السنة التالية. كما ساهم الجفاف وارتفاع تكاليف الزراعة وضعف القدرة المالية للمزارعين في تقليص مستوى الخدمات الزراعية المقدمة للبساتين.
وأضاف هواش أن سنوات الحرب تركت آثاراً كبيرة على هذا القطاع، إذ تعرضت بعض البساتين للقطع والحرق والإهمال، كما خرجت مساحات واسعة من الخدمة نتيجة تهجير أصحابها.
وتشير بيانات مديريات الزراعة إلى أن عدد الأشجار المتضررة تجاوز مليوناً و14 ألفاً و852 شجرة على مساحة تقارب 70 ألف دونم. وكانت محافظة حماة الأكثر تضرراً بواقع 798 ألفاً و480 شجرة متضررة على مساحة 49 ألفاً و905 دونمات، تلتها محافظة حلب بـ167 ألفاً و239 شجرة، ثم محافظة إدلب بـ49 ألفاً و133 شجرة.
وتعد سوريا من أبرز الدول المنتجة للفستق الحلبي في العالم، إذ تبلغ المساحة المزروعة نحو 60 ألفاً و500 هكتار، تضم ما يقارب 9.7 ملايين شجرة، منها 7.7 ملايين شجرة مثمرة. ويتركز أكثر من نصف الإنتاج السوري في محافظة حماة، فيما تتوزع النسبة المتبقية بشكل رئيسي بين حلب وإدلب.
باختصار، مع كل موسم جديد يجد الفلاح نفسه أمام سؤال صعب: كيف يمكن الحفاظ على هذه الأشجار التي ورثها عن أجيال سابقة، في وقت لم تعد فيه الزراعة كما كانت، ولا الظروف كما كانت، ولا حتى العائد يكفي كما كان في الماضي؟ بين هذه التحديات تتراجع المساحات المزروعة أحياناً، وتتضرر بساتين أخرى، بينما يحاول من تبقى من المزارعين التمسك بما يمكن إنقاذه من هذا الإرث الزراعي القديم.
اقرأ أيضاً: شركة زراعية قابضة: هل تصبح الزراعة قاطرة للتعافي والصادرات؟









