
الكاتب: أحمد علي
لا يحتاج السوري إلى كثير جهد ليتعرّف على الفساد، فإنه يعرفه حقّ المعرفة، لا بل هو أخبر الناس به؛ فهو تاريخيّاً يعايش طابوراً لا ينتهي أمام نافذةٍ حكومية، توقيعٌ لا يمشي إلا بمرافقة «فنجان قهوة»، وإحساسٌ عام بأن القانون مرنٌ على بعض وصلبٌ على آخرين. لكن ما يبدو في الظاهر سلوكاً فردياً أو خللاً أخلاقياً، يكشف عند التدقيق بنيةً أعمق تُعيد إنتاج نفسها عبر الاقتصاد والسياسة والسلطة.. بهذا تتجاوز حكاية «الموظف المرتشي» حدودها الضيقة، لتتحول إلى قصة بلد كامل يتآكل من الداخل، وتصبح عبارة الفساد في سوريا مفتاحاً لفهم ما جرى ويجري، لا مجرد عنوانٍ لخبرٍ عابر أو فيديو مرئي عابر أيضاً…
الفساد في سوريا بعين الشارع: من هو الفاسد؟
في المنظور الشعبي، الفساد «شخص»: موظفٌ يطلب رشوة، تاجرٌ يهرّب، شرطيٌّ يغضّ طرفاً مقابل شيء ما…إلخ. أي بالمختصر، تُختزل المشكلة في أخلاقيات أشخاص وتُقاس بضميرهم. وهذا الفهم مفهومٌ بقدر ما هو مُضلِّل؛ لأنه يضعنا أمام مشهدٍ أخلاقي ثنائي: طيّبٌ وشرير، بينما بنيةُ الحوافز والقواعد الفعلية على الأرض تدفع «العاديين» إلى حلولٍ رمادية. فحين تصبح الرخصة باب رزق، والراتب لا يكفي أسبوعاً، وتنعدم الشفافية، يتشظى معيار الصواب والخطأ، ويُعاد تعريف «الضرورة» بما يسمح به السوق والسطوة معاً.
وبطبيعة الحال، لا يلغي ذلك مسؤولية الأفراد، لكنه يكشف أن الشخص جزءٌ من مسرح أكبر، وأن عبارة الفساد في سوريا لا تُفهم حقاً إلا إذا وسّعنا الكادر لنرى الأضواء والكواليس في آن معاً.
في عدسة الاقتصاد السياسي: لماذا يصبح الفساد خياراً «عقلانياً»؟
الاقتصاد السياسي لا يحاكم الضمائر، بل يقرأ الحوافز والسياسات والمؤسسات. وفق تعريفات الحوكمة الدولية، يُقاس الفساد بمدى استخدام السلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، صغيرها وكبيرها، وبمدى «استيلاء النخب» على قرارات الدولة ومقدّراتها. وهذا ما يسمّى في مؤشرات الحوكمة العالمية مؤشر «السيطرة على الفساد»، ويضعه على طيفٍ يمتد من -2.5 إلى 2.5 ليقيس فعالية الردع والمؤسسات أكثر مما يقيس النوايا.
فكلما اقتربت الدرجة من +2.5 دلّ ذلك على سيطرة أفضل على الفساد (مؤسسات أقوى، ردع أعلى، شفافية أكبر). وكلما اقتربت من -2.5 دلّ ذلك على سيطرة أضعف (ثغرات واسعة، ضعف تطبيق القانون، نفاذ المحسوبيات).
وهنا تتضح طبيعة الفساد في سوريا كمنظومة: شبكة مصالح، تراتبيات أمنية وإدارية، وأسواق ظل تُموّل نفسها بعوائد الريع والاحتكار.
جذور الظاهرة: من الدولة الريعية إلى اقتصاد الحرب
لم تولد الشبكات بين ليلةٍ وضحاها. قبل الحرب، وصف باحثون طبيعة الاقتصاد السوري بأنها «رأسمالية محاسيب» منخفضة الشفافية وضعيفة المساءلة؛ اقتصادٌ ريعُه يتوزع عبر حلقات الولاء والنفوذ أكثر مما يتدفق عبر قواعد تنافسية عادلة. ومع تفجّر الصراع، تشابكت شبكات السلطة مع اقتصاد الحرب، فظهرت «طبقات وسيطة» تُنظم التهريب، تُحكِم الكارتلات، وتحتكر السلع الأساسية، بينما يتراجع دور المؤسسات الرسمية إلى هوامشها. وهذا الانتقال من فسادٍ هيكلي «هادئ» إلى فسادٍ حربي «صاخب» جعل المنظومة أصلب وأوسع، وربطها بأمن الحدود والعملة والموارد.
وقد خلصت أبحاث إلى أن ما بعد 2011 لم يخلق الفساد من العدم، بل أعاد صياغته ضمن منطق النجاة وتمويل السيطرة، مع ما يرافق ذلك من إعادة تموضع للاعبين قدامى وبروز لاعبين جدد أو أوجه جديدة.
وكان من أبرز تمظهرات هذا التحول توسيع اقتصاد المخدرات، ولا سيما الكبتاغون، بوصفه مورداً مالياً ورافعة نفوذ. فالتقارير الصحافية والتحقيقية الواسعة وثّقت كيف تَحوّل هذا النشاط إلى صناعةٍ عابرة للحدود، تتشابك فيها مصالح أفراد وشبكات أمنية ووسطاء وتجار، وتُغذّي بدورها ممارسات الرشوة، وغسل الأموال، وشراء الولاءات داخل مؤسسات الدولة وخارجها. بذلك يصبح الفساد في سوريا ليس نتيجةً جانبية للحرب فحسب، بل أداةً من أدواتها ووقوداً لاستمرارها.
حجر الميزان: الوقائع والمؤشرات لا الانطباعات
الانطباع الشعبي مهم، لكنه يحتاج ميزاناً موضوعياً. على مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن «ترانسبارنسي إنترناشونال»، سجّلت سوريا 12 نقطة من 100 وجاءت في المرتبة 177 من أصل 180 دولة، ما يضعها ضمن ذيل الترتيب عالمياً ويعكس انزياحاً مستمراً نحو بيئةٍ عامةٍ ضعيفة الضبط والمساءلة.
والمؤشر هنا لا يقيس «الضمير» بل يقيس كيف يقيّم خبراء ورجال أعمال قدرة المؤسسات على كبح الفساد في القطاع العام؛ أي أنه يلتقط صورة بنيوية لا عرضية. وقراءة هذه المؤشرات مع تحليلات مراكز أبحاث مستقلة ترسم لوحةً متسقة: شبكةٌ ممتدة من المصالح والريع تُضعف الدولة والمجتمع في آن. وهكذا، فحين نستخدم عبارة الفساد في سوريا، فنحن لا نصف رأياً، بل نشير إلى بياناتٍ وقرائن متقاطعة.
الكُلفة الاجتماعية الآن: حين يدفع المجتمع الثمن مضاعفاً
يقتات الفساد على أزمات الناس ثم يعيد إنتاجها. وفي الواقع اليومي، يعني ذلك خدماتٍ عامة أقل جودة وأكثر كلفة، بنى تحتية تتداعى لأن الصيانة تتحول إلى «مقاولات محاسيب»، وبيئة أعمال تُقصي الصغار وتكافئ من يملك «المفتاح».
وبالنتيجة، يتآكل العقد الاجتماعي حين يرى المواطن أن القانون نافذٌ انتقائياً، فتضعف الثقة، وتزدهر الحلول غير الرسمية، ويتحوّل الاقتصاد إلى جُزُرٍ منفصلة من «التدبير الخاص». وبطبيعة الحال، ينعكس ذلك على التعليم والصحة والقضاء، ويزيد من هجرة الكفاءات التي ترى في السوق العالمي عقداً اجتماعياً أقل كلفة. ثم تأتي الحلقة الأخطر: مشاركة متزايدة لشبكات الجريمة المنظمة في توفير السلع والوظائف والدخل، بما يفاقم العنف ويُقوّض أي أفقٍ للتعافي.
ووسط هذه الدوّامة، يصبح تفكيك الفساد في سوريا وإنهاء هذه الظاهرة من جذورها شرطاً لازماً لا لتعافي الدولة فحسب، بل لعودة الحياة اليومية إلى إيقاعها الطبيعي، وبدء حقيقي لعقد اجتماعي جديد يقطع مع الماضي الأسود باتجاه أيام بيضاء للسوريين.
«كل الدول فيها فساد.. إذاً عادي»!
يتكرر هذا المنطق في الجلسات العامة: «لا تُضخّموا الأمر؛ الفساد موجود في كل بلد». صحيحٌ أن الظاهرة كونية (وهذه بحد ذاتها تحتاج وقفة أخرى لفهمها وتفصيلها)، لكنّ الفرق بين «وجود» الفساد و«حوكمة» الفساد هو الفرق بين شوائب في الماء ونهرٍ من الطمي (ليس مجرد شوائب عابرة في الماء، بل كتلة أوساخ وطين وزبائل جارفة تغيّر لون النهر وتعيق جريانه، وتجففه في نهاية المطاف.. ربما نظرة عابرة إلى نهر بردى تصوّر حرفيّاً المعنى المقصود مجازياً هنا).
في الدول المتقدمة، تعمل الشفافية، وفصل السلطات، والإعلام، وأجهزة العدالة، وسقوف الإنفاق السياسي، على تقليص الفساد ورفع كلفته على مرتكبيه. أما حين تُصاب هذه الحواجز بالوهن، يصبح التعميم مبرّراً للاستسلام. القول بأن الفساد في سوريا «طبيعي» لأنه موجود في غيرها يساوي القول إن المرض مقبول لأنه يصيب البشر. القياس الصحيح هو: لماذا تتفاوت شدته وآثاره؟ وكيف نبني مناعةً مؤسساتية تقلّصه إلى هامشٍ يمكن للمجتمع أن يتعايش معه دون أن يختنق؟
كيف نضرب المنظومة، لا الأفراد؟
المعالجة الأخلاقية ضرورية لكنها غير كافية البتّة. فالمطلوب «هندسة مضادّة» تعيد تشكيل هياكل البلاد وقوانينه وعلاقاته، والبداية من العلن: نشر البيانات المالية والإنفاق العام والمشتريات الحكومية بصيغٍ مفتوحة وقابلة للتدقيق، وربطها برقابة مجتمعية حقيقية تتيح للإعلام والجامعات والمجتمع المدني الوصول والتمحيص والتدقيق، فالفساد ينمو في الظل والظلام وتقتله أشعة النور.
يلي ذلك إصلاحٌ قضائي يضمن استقلال النيابة ومكافحة تضارب المصالح وحماية المُبلّغين والشهود. وفي الاقتصاد، تُفتح الأسواق أمام منافسةٍ شفافة وتُكسَر الاحتكارات عبر قوانين فعّالة، لا عبر تبديل المحاسيب. امّا إدارياً، فتُبسَّط الإجراءات وتُرقمن المعاملات لحذف «مناطق الاتصال» التي تتكاثر فيها الرشوة الصغيرة.
لكن الأهم أن يُعاد تعريف «الأمن» بما يشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي؛ فحين يُقاس النجاح بنجاعة شبكات المحاسيب لا بمرونة السوق وعدالة الفرص، ينتصر الفساد بالنتيجة. وهنا تبرز ضرورة مصادرة الأرباح غير المشروعة واسترجاع الأموال المنهوبة ضمن مساراتٍ قضائية واضحة، وإطلاق هيئات مستقلة بصلاحياتٍ واقعية لا رمزية.
وهذه الإجراءات لا تُثمر في يومٍ وليلة، لكنها تُضعف بنية الفساد في سوريا حين تجعل الكلفة أعلى من العائد، وتحوّل «الخيار العقلاني» السابق إلى مخاطرة خاسرة.
من يغيّر القواعد؟
لا تُصلح المنظومات نفسها بنفسها عادةً، لأن الفساد يصبح جزءاً من البنية، ولا يمكن أن يحاسب الفساد نفسه.. هل سمعتم ذات يوم بأن الفساد كافح أو ضرب نفسه مثلاً؟! إذا يحتاج الأمر تحالفاً اجتماعياً سياسياً واسعاً، ومجتمعاً مدنياً شعبياً يملك أدوات الرقابة والمعرفة، وإدارةً عامة تُكافأ فيها النزاهة بالكفاءة والترقي لا بالعزلة.
ونقول كل ذلك لأن التجربة المقارنة تقول إن لحظات إعادة البناء بعد الحروب تحمل فرصة ذهبية لإعادة كتابة العقد الاجتماعي، شرط أن تُصاغ القواعد على مبدأ الشفافية والمساءلة، لا على منطق تقاسم الغنائم. وهنا، يصبح قياس التقدم عبر مؤشراتٍ موضوعية مرجعاً عملياً للمساءلة لا مجرد أرقام في تقارير.
«خلاصة بيناتنا»
حين يبدأ الحديث عن الفساد في سوريا من الأخلاق وينتهي عند الوعظ، نفقد كسوريين الطريق والبوصلة بينهما. أما حين نرى الفساد كمنظومة ونواجهها بقواعد جديدة مضادة، نمنح الأخلاق فرصةً كي تصير سياسةً عامة جديدة، فأخلاق المجتمعات هي أخلاق بنيتها السياسية والاقتصادية – الاجتماعية.
وبهذا المعنى، فإن أخلاق السوريين الماثلة الآن هي نتيجة وانعكاس لبنية الفساد المتأصلة والتي عمّدتها العقود الماضية.. يومَ تصبح الشفافية عادة، والمساءلة ممارسة، والبيانات ملكاً عاماً، والرقابة الشعبية حاضرة وفعّالة، يمكننا لأول مرةٍ أن نكتب نهايةً مختلفة لهذه الحكاية المأساوية الأليمة والمجحفة بحق الشعب السوري، والتي دفع بسببها أتماناً باهظة كان عمادها الدم والأرواح… آن للنزيف السوري أن ينتهي!
اقرأ أيضاً: ما بين الفساد والبيروقراطية.. كيف يمكن تطبيق الإصلاح في المؤسسات الحكومية؟








