سياسة

الفروج لم يعد «بروتين الفقراء»: كيف تضرب أزمة الإنتاج آخر بدائل الأسر السورية؟

أحمد علي

كيف يرتفع سعر الفروج بعد أسابيع من إعلان وجود فائض في الإنتاج؟ قالت المؤسسة العامة للدواجن في 10 حزيران 2026 إن دخول مستثمرين جدد وزيادة الاستثمارات أديا إلى فائض محلي، ثم أظهرت تغطية للأسواق في 21 تموز أن سعر الكيلوغرام تراوح بين 250 و350 ليرة سورية جديدة، أي بين 25 و35 ألف ليرة قديمة، بينما بلغ سعر الشرحات بين 680 و750 ليرة جديدة.

الفاصل بين الخبرين أربعون يوماً تقريباً، وهي مدة تقترب من دورة تربية الفروج التي تستغرق، وفق رئيس لجنة الدواجن في اتحاد غرف الزراعة نزار سعد الدين، ما بين 40 و45 يوماً. وفي التغطية نفسها قدّر سعد الدين أن أكثر من 60% من المربين كانوا قد خرجوا من الإنتاج قبل نحو أربعين يوماً بسبب الخسائر. هكذا وصل أثر قرار اتخذه المربي في المدجنة إلى واجهة المحل بعد اكتمال الدورة، ووجدت الأسرة نفسها أمام سعر جديد لمادة كانت تلجأ إليها كلما ابتعد اللحم الأحمر عن قدرتها.

الفروج بين الفائض والفجوة

سبق أن تناول تقرير «الثروة الحيوانية في سوريا.. كنز يتآكل في صمت!» المنشور في «سوريا اليوم 24» في 29 حزيران 2025 تراجع هذا القطاع، وأورد تقديراً بخسارة 60% من القدرة الإنتاجية للدواجن خلال سنوات الحرب. كان ذلك رقماً عن الضرر المتراكم، ولم يكن إحصاءً حديثاً لعدد المداجن العاملة، لكنه وضع الأزمة في مكانها الصحيح. هشاشة الإنتاج سبقت موجة الأسعار الحالية، وما حدث في 2026 كشف سرعة انتقال الخسارة من المربي إلى السوق.

ظهرت أولى علامات الفجوة بوضوح في آذار. قدّر سعد الدين حينها أن نحو 40% من المربين توقفوا عن العمل منذ بداية العام، فيما نقلت وكالة سانا عن صاحب مسلخ في دمشق تراجع الذبح اليومي لديه من نطاق يراوح بين ستة وثمانية أطنان إلى نحو ثلاثة أطنان. وقال صاحب محل في باب سريجة إن الكميات الواصلة إلى الأسواق انخفضت إلى النصف. تظل هذه شهادات قطاعية ومحلية، ولا تقوم مقام مسح وطني، لكنها تفسر اتجاه السعر وتراجع العرض في دمشق وريفها خلال تلك المرحلة.

جاء إعلان الفائض في حزيران من دون نشر كمية الإنتاج اليومية أو حجم الاستهلاك أو توزيع الفائض بين المحافظات. هذه الفجوة في البيانات تجعل المصطلح واسعاً. فقد يعني الفائض أن المعروض تجاوز طلباً انخفض أصلاً بسبب ضعف القدرة الشرائية، وقد يعني وجود كميات في مناطق لا تصل بسهولة إلى مناطق النقص، كما قد يعكس وضع السوق في أسبوع محدد قبل خروج أثر دورة التربية التالية. لا يمكن الجزم بأي تفسير من دون أرقام الإنتاج والذبح والمخزون وحركة النقل.

ظهر الخلل في حركة السوق نفسها. رصدت سانا في آذار فائضاً في بعض المناطق ونقصاً في أخرى، ونقلت عن لجنة الدواجن مطالبتها بتسهيل نقل المادة بين المحافظات. وعندما عادت الأسعار إلى الارتفاع في تموز، عزا مختصون ذلك إلى زيادة الطلب في الموسم السياحي بالتزامن مع فجوة إنتاجية. المشكلة في الكمية المتاحة داخل السوق وفي توقيتها ومكانها، ولا يشرحها رقم إجمالي معلن وحده.

كلفة التربية وتقلب القرار

تبدأ الخسارة قبل وصول الطير إلى المسلخ. في 3 آذار قدّر سعد الدين كلفة إنتاج كيلوغرام الفروج لدى القطيع المثالي في الموسم الشتوي بنحو 201.5 ليرة جديدة، بينما تجاوز سعر الفروج الحي في السوق خلال رمضان 400 ليرة. التباعد بين كلفة نموذجية وسعر بيع مرتفع لا يثبت أن الهامش ذهب كله إلى المربي، فقد كانت الكميات أقل وارتفعت كلف النقل والذبح والتوزيع، كما خرج مربون من دورات سابقة بخسائر لم تسمح لهم بإدخال أفواج جديدة.

تغيرت الصورة مجدداً في حزيران. أفادت تغطيات الاجتماع الذي عقدته وزارة الزراعة مع ممثلي القطاع بأن إنتاج طن الفروج من أرض المدجنة كان يكلف نحو 1600 دولار، فيما لم يتجاوز سعر بيعه 1400 دولار، أي بخسارة مقدرة قدرها 200 دولار للطن. الرقم صادر عن مشاركين في السوق ولم تنشر الوزارة جدولاً موحداً يوضح مكونات الكلفة، لذلك يصعب تطبيقه على كل المدجنات. مع ذلك، يشرح لماذا يخرج المربي حين ينخفض السعر، ثم ترتفع الأسعار بعد أربعين يوماً عندما يقل المعروض.

الأعلاف هي العبء الأكبر في دورة التربية، وتتأثر أسعار الذرة والصويا بالاستيراد وسعر الصرف والنقل. يضاف إليها احتياج المدجنة إلى الطاقة والدواء البيطري واللقاح. وقد أعاد إتلاف 3500 طير نافق في دير الزور في تموز، بعد ثبوت إصابتها بالتهاب الكبد، التذكير بأن تراجع الإنفاق على الوقاية أو نقص المستلزمات يمكن أن يحول الكلفة الاقتصادية إلى خطر على سلامة الغذاء. الحادثة تخص شحنة محددة ولا تسمح بتعميم وجود مرض على الإنتاج السوري، لكنها توضح حجم الخسارة التي قد تقع في دورة واحدة.

تحركت سياسة الاستيراد مرات عدة خلال أشهر قليلة. قرار 24 كانون الأول 2025 أوقف استيراد الفروج الحي والطازج والمجمد وأجزائه خلال كانون الثاني 2026، ثم سُمح باستيراد الفروج الحي لمدة تقارب عشرين يوماً في رمضان عندما ارتفعت الأسعار. امتد السماح ببعض مدخلات القطاع والفروج الحي حتى 30 نيسان، قبل أن تعود اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في 9 حزيران إلى وقف استيراد فروج الريش وصوص الفروج والبياض حتى إشعار آخر.

هذا التتابع يعالج كل موجة بعد ظهورها، لكنه يجعل قرار التربية أكثر صعوبة. المربي الذي يشتري الصوص والعلف اليوم يحتاج إلى تصور للسوق بعد ستة أسابيع، وفتح الاستيراد في نهاية الدورة قد يدفع سعره إلى ما دون الكلفة. المنع خلال فجوة إنتاجية يحسن هامش المنتج الموجود في السوق، ويرفع العبء على المستهلك. المنشآت الكبيرة التي تملك سيولة ومصادر علف أو تفريخ أكثر استقراراً تستطيع تحمل هذه الحركة بدرجة أفضل، بينما يخرج المربي الصغير سريعاً ويحتاج إلى تمويل جديد كي يعود.

وحذرت قراءة سابقة نشرت في «سوريا اليوم 24» في 28 كانون الأول 2025 من أن منع الاستيراد قد يرفع الأسعار إذا لم يكن الإنتاج المحلي كافياً، وأشارت إلى اعتماد بعض القرارات الزراعية على بيانات قديمة أو غير مكتملة. الوقائع اللاحقة أعادت المشكلة نفسها. أعلنت وزارة الزراعة في 15 حزيران العمل على سعر تأشيري أسبوعي يستند إلى كلفة الإنتاج، ثم نقلت صحيفة محلية سورية عن سعد الدين اتفاقاً على ألا يتجاوز سعر الطن من أرض المدجنة ألفي دولار وأن يكون سعر الصوص 60 سنتاً. هذه الآلية تمنح السوق مرجعاً، لكنها تحتاج إلى نشر الكلفة التي بني عليها السعر وإلى بيانات تسبق النقص، فالنشرة لا تضيف أفواجاً إلى المداجن.

الكلفة على الأسرة

رفع المرسوم رقم 67 لعام 2026 الحد الأدنى العام للأجور إلى 12 ألفاً و560 ليرة جديدة شهرياً ابتداءً من أيار. وبسعر تموز الذي تراوح بين 250 و350 ليرة جديدة للكيلوغرام، يكلف فروج بوزن كيلوغرامين ما بين 500 و700 ليرة. شراء طير واحد كل أسبوع يستهلك نحو 16% إلى 22% من الحد الأدنى للأجر، قبل احتساب الخبز والخضار والطاقة اللازمة للطهو وسائر إنفاق الأسرة.

هذا الحساب تقريبي لأنه يستخدم سعراً مرصوداً في أسواق محددة ويفترض وزناً ثابتاً، لكنه يبين مقدار الضغط على الدخل. ظل الفروج أرخص من اللحم الأحمر في معظم الأسواق، إلا أن المقارنة لم تعد كافية كي تجعله متاحاً. الأسر التي كانت تشتري الطير الكامل بدأت تخفض عدد مرات الشراء أو تتجه إلى الأجزاء الأقل سعراً. وفي دير الزور، نقل تقرير ميداني في تموز أن ارتفاع سعر الطير من أقل من 20 ألف ليرة قديمة إلى نحو 35 ألفاً دفع عائلات إلى الاكتفاء به مرة أسبوعياً.

يصل هذا التراجع إلى مجتمع يعاني أصلاً من نقص الغذاء. قال برنامج الأغذية العالمي في أيار 2026 إن 7.2 ملايين شخص في سوريا يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينهم 1.6 مليون في أوضاع شديدة، وإن أسرًا كثيرة تقلل حجم الوجبات أو تختار غذاء أقل قيمة أو تتخطى بعض الوجبات. كما خفض البرنامج مساعداته الغذائية الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً بسبب نقص التمويل. ارتفاع الفروج لا يصنع هذه الأزمة وحده، لكنه يزيل خياراً غذائياً كان يساعد الأسرة على تنويع وجبتها بكلفة أقل من اللحوم الأخرى.

تحتاج المعالجة إلى بيانات تسبق القرار. نشر عدد المداجن النشطة والأفواج الداخلة إلى التربية وكميات الذبح حسب المحافظة يسمح بتوقع الفجوة قبل أربعين يوماً. ويمكن ربط السماح المؤقت بالاستيراد بحدود معلنة للمخزون والسعر، بدلاً من تغييره بعد وصول السوق إلى الذروة. دعم العلف واللقاحات والطاقة ينبغي أن يصل إلى المربي الذي يثبت استمراره في الإنتاج والتزامه بالشروط الصحية، مع توفير تمويل قصير الأجل لصغار المربين كي لا تتركز السوق في المنشآت القادرة على تحمل الخسارة.

يبقى المستهلك بحاجة إلى حماية مباشرة أيضاً. السعر التأشيري الأسبوعي يفيد عندما تُنشر طريقة احتسابه وتُراقب حلقات الذبح والتوزيع، لكنه لن يعوض فجوة الدخل. توسيع القسائم الغذائية أو إدخال مصدر بروتين ضمن برامج الحماية الاجتماعية يستهدف الأسر الأشد ضعفاً خلال أشهر النقص، ويمنع تراجع التغذية ريثما يستعيد الإنتاج استقراره.

المعيار خلال دورة التربية المقبلة واضح. يجب أن يرتفع عدد المربين العاملين، وأن تستقر الكميات بين المحافظات، وأن يقترب سعر البيع من كلفة قابلة للتحقق من دون أن يبتلع جزءاً كبيراً من الأجر. استمرار القرارات المتأخرة سيُخرج مزيداً من صغار المربين ويُبقي الفروج بعيداً عن الوجبة الأسبوعية لأسر واسعة. عندها تتحول أزمة الإنتاج إلى أزمة دخل وتغذية، مهما تكرر الحديث عن الفائض.

اقرأ أيضاً: الفروج في مهب القرارات: لماذا لا يستقر سوق الدواجن بسوريا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى