أعمال واستثمار

الفروج في مهب القرارات: لماذا لا يستقر سوق الدواجن بسوريا؟

بقلم: ديانا الصالح

يُفتح باب الاستيراد فينهار سعر الفروج المحلي خلال أيام، يُغلق القرار نفسه بعد أسابيع، فيرتفع السعر على المستهلك دون سابق إنذار، هذه الحالة أصبحت عادةً متكررة، تعيد مشهد الفوضى بقطاع الدواجن في سوريا، الذي يتخبط بدوره بين مربّين خارج سجلات الإحصاء الرسمية، وقرارات استيراد تتغير كل بضعة أشهر، ليكون في النهاية المنتج والمستهلك ضحايا لسوقٍ من الصعب التنبؤ باتجاهه.

فوضى قطاع الدواجن في سوريا

يعاني قطاع الدواجن في سوريا من عشوائية كبيرة في التربية، حيث يعمل مربون غير مرخصين إلى جانب المرخصين، وهذا ما يجعل من الصعب الوصول إلى إحصاءات دقيقة حول حجم الإنتاج الفعلي.

فأعداد المربين غير المرخصين كبير جداً، بالتالي تتشكل عشوائية في الإحصاء تؤثر بشكل مباشر على السوق، إما من خلال ارتفاع مفاجئ في أسعار الفروج أو انخفاض حادٍّ، وفقاً لحجم الكميات التي تدخل السوق فجأة.

ويتفرّع قطاع الدواجن في سوريا إلى أربعة أنواع رئيسية من التربية، هي الجدات والأمات والفروج والدجاج البيّاض، هذه الأنواع تخضع جميعها للعرض والطلب دون آلية تسويق مضبوطة، مما يخلق حالةً من الفوضى المتزايدة بشكل غير مباشر، أي أن الاستثمار غير المدروس وأساليب التربية التقليدية، أصبحتِ اليوم وقودٌ تشعل حالة الفوضى التي يعانيها هذا القطاع.

قرار يفتح وآخر يغلق

حمل النصف الأول من العام الحالي 2026 حالة غير مسبوقة من التذبذب، ففي أوائل العام أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير 3 قرارات، بهدف تنظيم استيراد بعض السلع الغذائية.

ومن ضمن القرارات كان منع استيراد “الفروج المجمد” خلال شهر آذار أي قبيل شهر رمضان، بينما سمح قرار آخر باستيراد “الدجاج الريش” حصراً خلال رمضان، وهذا التبدل بين الحظر والسماح دفع بمربي الدواجن إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الزراعة في دمشق، مطالبين بوقف الاستيراد من تركيا فوراً وحماية المنتج المحلي.

بعد ذلك جاء قرار اللجنة القاضي بوقف استيراد فروج الريش وصوص البيّاض وصوص الريش حتى إشعار آخر، بحجة متابعة واقع القطاع في السوق المحلية وحماية المنتج الوطني ودعم المربين.

لا أحد يملك الأرقام الحقيقية!

خلف هذه الفوضى الظاهرة على العلن تكمن مشكلة أعمق، وهي غياب الإحصاءات الدقيقة حول حجم الإنتاج الفعلي وحاجة السوق، فعندما تُقدر الحاجة بأكثر من الواقع، يُفتح باب الاستيراد على الرغم من قدرة الإنتاج المحلي على التغطية، وبذلك تنخفض الأسعار ويخسر المربون، أما عندما يُقدر الإنتاج بأكثر من حجمه الحقيقي، تتراجع الكميات المعروضة وترتفع الأسعار على المستهلك.

مدير عام المؤسسة العامة للدواجن فاضل حاج هاشم، أوضح أنه يتم العمل حالياً على تطبيق يحمل اسم “سراج”، وهدفه معالجة هذه الفجوة، وسيكون استخدامه إلزامياً لدى جميع المربين، بهدف الوصول إلى أرقام دقيقة تدعم القرار الحكومي.

وأشار حاج هاشم إلى أن حاجة السوق السورية من مادة الفروج تتراوح بين 400 و500 طن يومياً، مؤكداً أن المنتج المحلي قادر على تغطيتها، وذلك في حال تنظيم الإنتاج وضبط عمليات التسويق، والاستفادة من البيانات المتاحة بشكل صحيح.

لكن في المقابل يرى مربو الدجاج أن التطبيق جيد ولكن وحده لا يكفي، وذلك لأن عدداً كبيراً من المربين بعيدون عن التحديثات التقنية، علاوة على ذلك فإن بعضهم لا يجيد القراءة أو الكتابة، فهم يعتمدون على الخبرة اليومية بدل الأنظمة الحديثة، وذلك بسبب ابتعاد صغار المربين عن نموذج الشركات المتطورة بعد سنوات الحرب الطويلة.

من يتحكم فعلياً بسعر الفروج؟

في السنوات الأخيرة دخلت شركات كبيرة ذات ملاءة مالية مرتفعة إلى السوق، وكانت تعتمد سابقاً على المداجن الصغيرة وبجزء على المساهمة الحكومية، وأصبحت هذه الشركات لاعباً مؤثراً في تحديد اتجاه السوق.

ويوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن المداجن الصغيرة تُعتبر الحلقة الأضعف في القطاع مقابل الشركات الكبرى، التي أصبحت قادرةً على التحكم بالأسعار بالتنسيق مع بعض المسالخ، بالتالي تكون في موقع أقوى بكثير.

ولهذا السبب، يحتاج تنظيم قطاع الدواجن في سوريا إلى إشراف وسيطرة حكومية أكبر، وذلك يكون من خلال اجتماعات دورية في وزارة الزراعة، بحيث تجمع الشركات الكبيرة وأصحاب المداجن الصغيرة الخاصة، لتنسيق الإنتاج والتسويق وتخفيف التقلبات الحادة في الأسعار.

ويقترح حبزة حلاً عملياً يقوم على توزيع طرح الإنتاج على مراحل بدلاً من طرحه دفعة واحدة، إلى جانب تجميع المداجن الصغيرة تحت إدارة موحدة أو ضمن تجمعات إنتاجية منظمة، بالتالي سيكون بإمكانها منافسة الشركات الكبرى وحماية نفسها من الخسائر، بحال حدوث أي اضطراب مفاجئ في السوق.

البيض هو الاستثناء الناجح وسط الفوضى

مقابل كل الاضطرابات والفوضى التي يعيشها قطاع الدواجن في سوريا، يقدم البيض نموذجاً مختلفاً تماماً، ووفقاً لمدير عام المؤسسة العامة للدواجن، فقد تضاعف إنتاجه خلال عام واحد من عشرة ملايين إلى عشرين مليون بيضة.

وهذا الفائض مكّن سوريا من التصدير إلى دول الخليج وعلى الوجه الخصوص قطر، بأسعار مقبولة محلياً وبتقلبات أقل فوضوية من سوق الفروج.

كما أعلن المستشار الفني في اتحاد الغرف الزراعية السورية عبد الرحمن قرنفلة، أن سوريا صدّرت مليون و80 ألف بيضة إلى الأسواق العراقية، خلال الأسبوع الأول من شهر تموز الجاري وحده.

من المستفيد الحقيقي من استيراد الفروج التركي؟

خلف قرارات فتح الاستيراد وإغلاقه سؤال أكبر وأعمق، يدور حول المستفيد الحقيقي من استيراد الفروج التركي وإغراق السوق السورية به، لا سيما أن تركيا كانت المصدّر الرئيسي لسوريا من الدواجن في 2024، وذلك بقيمة قاربت 46.7 مليون دولار، فالآثار المترتبة هنا لا تتوقف عند حدود المربين، الذين وجدوا فجوة كبيرة بين تكاليف الإنتاج والتسعيرة الرسمية التي اتسعت بشكل كبير، فهذا الوضع يشكل تهديداً للأمن الغذائي السوري واستنزافاً للقطع الأجنبي في بلد يعاني بالأساس من هشاشة اقتصادية حادة.

قطاع الدواجن في سوريا يدور ضمن متاهةٍ معقدة، لا يمكن الخروج منها إلا بحلٍّ يوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين على حدٍّ سواء، فوجود مربين خارج سجلات الإحصاء، وقرارات استيراد تُفتح وتُغلق وفقاً لتقديرات غير مكتملة وبأوقات غير مناسبة، وشركات كبرى تتحكم بالسوق أمام مداجن صغيرة عاجزة عن المنافسة، ليبقى قطاع الدواجن السوري بحاجة إلى قاعدة بيانات دقيقة وآلية تسويق منظمة، خلفها دعم حقيقي لصغار المربين، وإلا فإن المواطن السوري سيبقى وحده من يدفع فاتورة كل قرار عشوائي سواء ارتفع سعر الفروج أو انخفض.

اقرأ أيضاً: قطاع الدواجن في سوريا.. مهنة يعتاش منها مليون شخص تدخل مرحلة الاضطراب

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى