سياسة

الفروج السوري أغلى من التركي.. الأرقام تحت المجهر!

الكاتب: أحمد علي

صوص سوري أغلى، وعلف وفحم ونشارة تتضاعف أسعارها تقريباً، ثم نتيجة جاهزة تقول إن طن الفروج الذي كان يكلف 1100 دولار قبل عامين صار يكلف 1800 دولار اليوم.. ما حقيقة ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي حول المقارنة ما بين أسعار الفروج في سوريا وتركيا؟ فالمقارنة لامست وجعاً حقيقياً يعرفه المربي والمستهلك..

راجعت كل ادعاء أمكن تتبعه، وقارنته بما نشرته جهات سورية وتركية ومصادر متخصصة حتى 4 أيلول 2026. بعض الأرقام ممكن في سوق متقلب، وأخرى لا يمكن إثباتها، بينما خانة الوقود مضللة. أما الفكرة الأوسع، وهي أن الإنتاج السوري يعمل تحت ضغط أثقل، فلها ما يسندها، لكن ليس بالحساب الذي يقدمه المنشور.

منشور متداول – المصدر: فيسبوك

كلفة إنتاج الفروج السوري بين حقيقة وورقة ناقصة

الصحيح أن المداجن السورية تواجه كلفة مرتفعة.. فقد نقلت سانا في شباط عن مربين أن طن العلف تجاوز 520 دولاراً، وأن الفاتورة تشمل الصوص والتدفئة والكهرباء والدواء والعمل. وفي الشتاء قد تبلغ التدفئة ربع الكلفة، كما أن الذرة الصفراء وكسبة الصويا والبريمكسات مستوردة في معظمها، فتتأثر بالصرف والسوق العالمية.

لكن الجدول لا يقارن كلفة إنتاج كاملة، إنه يضع الصوص بالقطعة إلى جانب العلف والفحم والنشارة بالطن، ثم يضيف برميل النفط من دون تحديد الكميات اللازمة لإنتاج طن من الفروج. لا يمكن الوصول من هذه الخانات إلى 1800 دولار. يلزم وزن الطيور والنفوق والعلف وكفاءة التحويل والدواء والطاقة والعمل والنقل.

العلف والصوص.. أرقام ممكنة بلا مرجع

سعر 580 دولاراً لطن العلف في سوريا قريب من نطاقات تداولتها تقارير السوق، فلا نصفه بالمختلق، غير أن المصدر الرسمي الذي وجدته قال إن السعر يتجاوز 520 دولاراً ولم يثبت 580 تحديداً. أما 400 دولار في تركيا فلم نعثر له على فاتورة جملة في التاريخ والمواصفات نفسيهما، شاملة الضريبة والنقل. فيمكننا التعامل مع الرقم بوصفه رقماً محتملاً، لكنه غير مثبت.

وينطبق الحذر على الصوص. فلم نتمكن من توثيق متوسط سوري قدره 0.80 دولار ولا تركي قدره 0.30 دولار. عروض البيع التركية العلنية تتفاوت، ووصل صوص اللحم في متجر تجزئة إلى نحو 0.95 دولار وفق صرف يوم أمس 4 أيلول 2026، وقد يوجد سعر جملة أقل، لكن عرضاً منفرداً لا يصنع متوسطاً وطنياً بطبيعة الحال.

برميل النفط يقلب المقارنة

هنا يقع الخطأ الأوضح في المنشور المتداول. إذا كان المقصود نفطاً خاماً عالمياً، فلا يمكن أن يكون البرميل 200 دولار في سوريا و100 في تركيا معاً. خام برنت معيار دولي واحد، وسجل 100.52 دولار في إغلاق 3 أيلول. قد تختلف كلفة الشحن والتكرير والضرائب، لكن عندها نتحدث عن وقود محلي، لا سعر النفط عالمياً.

وإذا كان المقصود ديزل المداجن، تنقلب الصورة. كان الليتر السوري 125 ليرة جديدة والدولار الرسمي 122 ليرة، فيعادل البرميل القياسي البالغ 159 ليتراً نحو 163 دولاراً. وفي إسطنبول بلغ الديزل 88.89 ليرة تركية لليتر، ومع الصرف الرسمي يعادل البرميل نحو 293 دولاراً. والحساب تقريبي ولا يشمل خصماً زراعياً، لكنه ينفي 200 مقابل 100 كما وردت.

الفحم والنشارة في المنطقة الرمادية

ذكر المنشور 425 دولاراً لطن الفحم في سوريا مقابل 200 في تركيا. السعر التركي ممكن لبعض الأنواع. قوائم بيع منشورة في 2026 تراوحت بين 6400 و9600 ليرة تركية قبل النقل، أي نحو 132 إلى 199 دولاراً بالصرف الحالي. لكن نوع الفحم وقيمته الحرارية ومكان التسليم تغير النتيجة، فلا يصبح الرقم المحلي سعراً وطنياً.

أما 425 دولاراً في سوريا، ونشارة الخشب عند 350 دولاراً مقابل 180، فلم أتمكن من العثور على تسعيرة مستقلة تؤكدها. ظهرت الأرقام ذاتها في مواد أعادت مضمون المنشور، وهذا تكرار فقط لا يسمح بالتحقق، فقد يدفع مربٍ هذه المبالغ بعد النقل والوساطة، لكن الإثبات يحتاج عرضين متزامنين يحددان النوع والكمية والموقع. وكلها غائبة.

ألف وثمانمئة دولار.. تقدير لا فاتورة

رقم 1800 دولار لكلفة طن الفروج الحي متداول فعلاً. نقلت العربي الجديد في آذار تقديراً بين 1800 و2000 دولار، وتكررت أرقام قريبة على لسان مربين. نؤكد إذاً أنه تقدير سوقي موجود، لا كلفة مدققة لكل المزارع. فالمزرعة الحديثة ليست كحظيرة صغيرة تشتري بالتجزئة وتدفع تدفئة أعلى.

في المقابل، لم نجد ما يثبت أن الكلفة كانت 1100 دولار قبل عامين أو أنها ساوت تركيا. نشر موقع سوري محلي في تموز 2024 أن كلفة طن الفروج الحي في إدلب بلغت 1800 دولار، ووصفها بضعف العام السابق. لا يمنحنا ذلك سلسلة تاريخية كاملة، لكنه يناقض رواية 1100 دولار في الفترة نفسها.

الضرائب جزء من القصة لا القصة كلها

للرسوم أثر حقيقي، فبعد تعديل جمركي في إدلب، نُقل أن طن العلف ارتفع 20 دولاراً. كما طالب ممثلو القطاع بإعفاء الذرة والصويا مؤقتاً وبشراء الفحم مباشرة من وزارة الطاقة. وفي صناعة تعتمد على الاستيراد تمر الرسوم والنقل والتمويل إلى الكلفة سريعاً، والاتجاه هنا صحيح.

لكن القول إن الضرائب صنعت الفارق كله مبالغة، فقد بدأت سوريا تعريفة جمركية جديدة في حزيران، ثم خفضت وزارة المالية السلفة الضريبية على مستوردي مدخلات الإنتاج والغذاء إلى واحد في المئة. هناك أيضاً الصرف والأمراض وسياسة الاستيراد والطاقة والوساطة وحجم المزرعة. وتركيا تستورد مدخلات علف، لكنها تنتج ضمن قطاع أكبر وأكثر تكاملاً.

المربي ليس المتهم الوحيد ولا خارج الحساب

القول إن المربي غير مسؤول مفهوم كصرخة دفاع، لكنه مطلق. فهو لا يحدد سعر الصويا ولا التعرفة ولا الوقود، وقد يبيع دون كلفته. ومع ذلك تؤثر إدارته في النفوق والعلف والتدفئة والدواء. وتوضح الأدلة الفنية أن العلف قد يمثل 70 في المئة من الكلفة، وأن معامل التحويل يغير تكلفة كل كيلوغرام.

ولا تنتهي السلسلة عند المزرعة، فهناك تجار مدخلات وناقلون ومسالخ وموزعون، وفي آذار ظهر خلاف علني حول هوامش الربح. لا نملك دليلاً يسمح باتهام المربين جماعياً، ولا آخر يبرئ كل منشأة ووسيط. المسؤولية موزعة، وتحديدها يحتاج حساب كلفة معلناً من عينة مزارع وفواتير على امتداد السلسلة.

في الختام يمكن القول إن المنشور صادق في إحساسه أكثر من دقته، فكلفة الفروج السوري مرتفعة، والعلف المستورد والطاقة والرسوم والوساطة تضغط على المربي، كما أن تقدير 1800 دولار حاضر في السوق، لكن أسعار الصوص والعلف لا تملك مرجعاً مقارناً، والفحم والنشارة السورية لم نتمكن من توثيقهما، ورقم 1100 دولار لا يصمد أمام ما نُشر في 2024.

أما خانة النفط فهي خاطئة كما وردت، والقول إن الرسوم وحدها صنعت الأزمة أو إن المربي خارج المسؤولية يختصر سلسلة معقدة. لأن المقارنة الجادة تبدأ بفواتير مؤرخة ومواصفات موحدة وكميات استهلاك فعلية. مون دون ذلك يبقى الجدول احتجاجاً مفهوماً، لا ميزانية إنتاج ولا دليلاً صالحاً للحكم بين بلدين…

اقرأ أيضاً: استيراد الفروج الحي يعود للواجهة.. هل تنخفض الأسعار أم يدفع المربون الثمن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى