سياسة

الفدرالية واللامركزية في سوريا: بين هواجس التقسيم وآفاق الوحدة!

الكاتب: أحمد علي

في حوار مستمر حول مستقبل الحكم في سوريا، يتردد صدى مصطلحي الفدرالية واللامركزية في كل زاوية سياسية وإعلامية. هذان المفهومان يثيران الفضول لدى البعض، والقلق لدى البعض الآخر، خاصة عندما يتعلق الأمر بوحدة بلد أنهكته سنوات الصراع. في مقهى دمشقي قديم أو على منصة نقاش افتراضية، يكاد الجدل ذاته يتكرر: هل تكون الفدرالية طوق نجاة للتنوع السوري أم أنها مجرد قناع لمشروع تقسيمي؟ وهل تكفي اللامركزية الإدارية لاستيعاب فسيفساء المجتمع وضمان مشاركة الجميع في صنع القرار؟ تتأرجح الآراء بين من يرى في إعادة توزيع السلطة طريقاً لتعزيز الوحدة الوطنية، ومن يخشى أن يكون أي مساس بهيكل الدولة المركزية مقدمة لتفكيكها. في خضم هذا السجال، يطفو سؤال جوهري على السطح: ما الفرق الحقيقي بين الفدرالية واللامركزية، وأيهما يصلح أكثر للسياق السوري؟ سنحاول في هذا التقرير توضيح المفاهيم والفروقات، واستعراض آراء الخبراء السوريين المتباينة حول الخيار الأفضل لسوريا المستقبل.

الفدرالية واللامركزية في سوريا – المفهوم والفروق النظرية

من الضروري أولاً فهم ماهية كل من الفدرالية واللامركزية قبل البحث في تفضيلات السوريين. اللامركزية – وفق تعريفها الإداري البسيط – هي نظام يقوم على توزيع جزئي للصلاحيات داخل الدولة الواحدة مع بقاء السيادة موحَّدة في المركز. تمنح اللامركزية الوحدات الإدارية المحلية (كالمحافظات أو البلديات أو المجالس المنتخبة) صلاحيات محددة في إدارة شؤونها، كالتعليم والصحة والخدمات، لكن في إطار الدولة الواحدة وقوانينها. أي أن الحكومة المركزية تفوّض بعض سلطاتها لهذه المستويات المحلية دون أن تتخلى عن السلطة السيادية العليا.

أما الفدرالية فهي نموذج حكم سياسي–دستوري أكثر تعقيداً، تتوزع فيه السيادة ذاتها دستورياً بين حكومة مركزية وحكومات إقليمية ضمن دولة اتحادية. في النظام الفدرالي تكون هناك “وحدات سياسية” (ولايات أو أقاليم) لها طابع خاص ودرجة واسعة من الاستقلال الذاتي؛ تمتلك كل ولاية دستوراً أو قوانين محلية خاصة بها، وأحياناً برلماناً وحكومة إقليمية وقوات أمنية محلية، ضمن إطار الاتحاد العام. بكلمات أخرى، الدولة الفدرالية مكوّنة من كيانات متحدة ولكنها متمايزة قانونياً وإدارياً، بينما الدولة اللامركزية تبقى دولة موحّدة في الجوهر مع مجرد إعادة توزيع لبعض الوظائف الإدارية داخل بنيتها.

هذا التمييز الجذري بين المفهومين كثيراً ما يضيع في النقاش السوري. إذ يخلط البعض بين اللامركزية والفدرالية كما لو كانتا مترادفتين، فتُتَّهم الفدرالية فوراً بأنها مشروع للتقسيم والانفصال، ويُنظر إلى أي طرح للامركزية على أنه مجرد تمهيد مبطّن للفدرالية. والنتيجة هي شيطنة مسبقة لأي حديث عن إعادة هيكلة العلاقة بين المركز والأطراف. لقد ورث السوريون من تاريخهم الحديث نفوراً من كل ما يخالف الشكل المركزي الصارم للدولة، حتى باتت كلمة “الفدرالية” بحد ذاتها ثقيلة على الوعي السياسي السوري ومقرونة في الأذهان بمشروع تقسيمي رغم عدم فهم تفاصيلها. في المقابل، يجري التعامل مع اللامركزية وكأنها حل وسط “مقبول” لكن بشروط وقيود، خوفاً من أن تتحول هي الأخرى إلى خطوة باتجاه التفكك. هذا التخوف نابع من سياق سياسي مشحون بالتوجس وذاكرة تاريخية طويلة اعتادت على سلطة مركزية قوية تعتبر نفسها خط الدفاع عن وحدة البلاد.

من ناحية نظرية بحتة، الفدرالية تتطلب دستوراً يحدد بدقة صلاحيات كل من السلطة الاتحادية والسلطات الإقليمية؛ وهذه الصلاحيات تشمل مجالات الحكم والتشريع والموارد. أما اللامركزية الإدارية فلا تمس الدستور عادة، بل تُنظَّم بقوانين مثل قانون الإدارة المحلية، حيث يبقى اختصاص السيادة (كالسياسة الخارجية والدفاع والمالية العامة) بيد المركز، وتُنقل صلاحيات إدارية وخدمية إلى الإدارات المحلية.

ويشرح د. مشهور سلامة، الخبير بالإدارة العامة، أن اللامركزية تساعد على تسريع القرارات والتنمية المحلية عبر تمكين السلطات القريبة من المشاكل على الأرض، لكن ضمن خطوط حمراء أهمها بقاء أمور السيادة موحّدة: “يمكن تطبيق جزئي للامركزية الإدارية في الأمور الخدمية، على أن تبقى السياسة الخارجية والدفاع والجيش والأمن الداخلي والسياسة النقدية مركزية”.

بالمقابل، الفدرالية تعني تقسيم البلاد إلى ولايات لكل منها حكمها الداخلي الخاص تحت إشراف دستور اتحادي. هكذا نظرياً، يبدو الفارق كبيراً: الأولى (اللامركزية) لا تغيّر طبيعة الدولة القانونية الموحدة، والثانية (الفدرالية) تعيد صياغة الدولة كاتحاد دستوري لمناطق لها قدر كبير من الاستقلال الذاتي.

بين النظرية والتطبيق: تجارب وأمثلة للفدرالية واللامركزية

قد يكون من المفيد النظر إلى نماذج واقعية لفهم آثار كل من النظامين. في التجربة الألمانية – وهي دولة فدرالية – لم تؤدِّ الفدرالية إلى أي انقسام للدولة، بل على العكس رسّخت التمثيل السياسي والاجتماعي على مستوى الولايات وخلقت نمطاً من التنافس الإيجابي في تقديم الخدمات والتنمية بين الأقاليم المختلفة. هذا المثال يُظهر أن الفدرالية يمكن أن تكون عامل قوة وتنوع عندما تُبنى على أسس صحيحة في دولة متماسكة.

وعلى النقيض من ذلك، لدينا لبنان الذي لا يطبق نظاماً فدرالياً ولا حتى لامركزية إدارية حقيقية؛ إذ بقيت الدولة فيه شديدة المركزية رغم التركيبة التعددية للطوائف. النتيجة أن كل طائفة عمدت فعلياً إلى إدارة شؤونها بمعزل عن الدولة المركزية، مما ساهم في تآكل فكرة المواطنة الجامعة وإضعاف الولاء للدولة. هذا المثال يوضح أن غياب أي صيغة من اللامركزية أو الفدرالية في مجتمع متنوع قد يدفع الجماعات لإيجاد تنظيماتها الموازية الخاصة خارج إطار الدولة، فينشأ تفكك فعلي ولو بقي الشكل الخارجي موحداً.

إذن، ليست الفدرالية بالضرورة مرادفاً للتقسيم إن توفرت الضمانات والتوافقات الوطنية التي تحكمها. كما أن اللامركزية ليست وصفة سحرية بحد ذاتها إن لم تكن جزءاً من رؤية شاملة لتحقيق العدالة والتوازن في الحكم.

التجارب الدولية تظهر أن نجاح أي نموذج حكم – فدرالي أو لامركزي – مرهون بوجود ثقافة ديمقراطية وضوابط دستورية وآليات صارمة للمساءلة والشفافية. ففي دول مستقرة ديمقراطياً، قد تحقق الفدرالية تنمية متوازنة عبر تمكين الأقاليم من استثمار مواردها ذاتياً مع البقاء ضمن الوطن الأم. أما في دول تعاني انقسامات عميقة أو غياب ثقة بين مكوناتها، فقد تتحول الفدرالية إلى مدخل للانفصال إذا بُنيت على أُسس عرقية أو طائفية ضيقة.

ويُنبّه خبراء سوريون إلى أن تعقيد الواقع السوري اليوم يجعل تطبيق نموذج فيدرالي حقيقي أمراً صعباً دون توافق مسبق. فالجغرافيا السورية متداخلة قوميّاً ودينيّاً؛ لا توجد أقاليم مصنفة بوضوح على أساس عرقي/طائفي يمكن تحويلها إلى ولايات فدرالية ذات حدود واضحة. أي محاولة لرسم ولايات على أسس الهوية قد تؤدي إلى ظلم فئة أو تفتيت أخرى. وقد أشار أحد المحللين إلى أن الفدرالية في سوريا تعني فعلياً فرض سيطرة جهة واحدة على معظم الثروات (كالنفط والغاز والقمح المتركزة في منطقة الجزيرة) مما يثير اعتراض باقي المناطق. مثل هذه الهواجس تجعل البعض يرى الفدرالية وصفة للتقسيم الفعلي للبلاد وثرواتها.

في المقابل، تحمل اللامركزية وعوداً عملية مغرية إن طُبقت بصورة سليمة. فهي تعني ببساطة إعطاء قدر من الحكم الذاتي المحلي لتحسين الإدارة والخدمات. هذا النهج يتيح لأبناء كل محافظة أو منطقة المشاركة في تقرير شؤونهم اليومية – من إدارة المدارس والمستشفيات إلى العناية بالبنى التحتية – دون انتظار قرارات بيروقراطية بطيئة من العاصمة.

التجربة العالمية تثبت أن تفويض السلطة محلياً يؤدي إلى قرارات أسرع واستجابة أنجع للمشكلات الطارئة، لأنه يمنح المسؤولية لمن هم أقرب إلى الواقع ويعرفون حاجات الناس مباشرة. كذلك تشجّع اللامركزية نوعاً من التنافس الإيجابي بين المناطق لتحسين الأداء الإداري والخدماتي، كما يمكن تعميم التجارب المحلية الناجحة على مستوى وطني. من زاوية أخرى، يعتقد خبراء الإدارة أن اللامركزية تنمّي الشعور بالمسؤولية لدى المواطنين وتعمّق المشاركة الشعبية في الحكم، مما يرسّخ الممارسة الديموقراطية ويخلق توازناً يحد من استئثار المركز بكل شيء. هذه الميزات دفعت كثيراً من الدول إلى تبني أشكال من اللامركزية الإدارية حتى في ظل نظام الدولة الموحدة.

رغم ذلك، تبقى حدود اللامركزية وإطارها القانوني عاملين حاسمين. فهي ليست نقيضاً للوحدة الوطنية إذا ما اقترنت بثوابت دستورية تضمن تقاسماً عادلاً للسلطة والثروة بين المركز والأطراف. يقول د. مهيب صالحة، وهو خبير سياسي سوري، إن بنية المجتمع السوري المتعددة تتطلب دولة ديمقراطية موحّدة مع لامركزية إدارية موسّعة تراعي هذه التعددية ضمن إطار وحدة الوطن.

هذا الطرح يشير إلى إمكان صياغة نموذج سوري خاص، ربما أكثر من مجرد إدارة محلية وأقل من فدرالية كاملة – نوع من الحل الوسط الذي يضمن توزيعاً مرناً للصلاحيات الإدارية والتنموية على المحافظات، مع بقاء السياسات السيادية بيد حكومة مركزية قوية. ولعل قانون الإدارة المحلية رقم 107 الصادر عام 2011 كان محاولة خجولة في هذا الاتجاه؛ فقد منح القانون صلاحيات أوسع للمجالس المحلية المنتخبة بهدف تعزيز اللامركزية وتحسين التنمية المتوازنة. لكن ذلك القانون بقي حبراً على ورق في ظل هيمنة النظام المركزي وأجهزته الأمنية، حيث عطّل تنفيذه عملياً. واليوم يعاود كثيرون طرح قانون 107 كأرضية يمكن البناء عليها – بعد إدخال تعديلات وتحديثات – للوصول إلى صيغة لامركزية مقبولة لجميع المكونات تضمن بقاء سوريا موحدة.

السياق السوري: مخاوف الانقسام وطموحات الشراكة

في الحالة السورية، ترتبط المواقف من الفدرالية واللامركزية ارتباطاً وثيقاً بالاصطفافات السياسية والهوياتية التي أفرزها الصراع خلال العقد الماضي. فالسلطة الجديدة الحاكمة في دمشق ترفض بشكل قاطع أي حديث عن الفدرالية، وتصر على مركزية الدولة مع إبداء استعداد نظري لمنح هوامش لامركزية إدارية طفيفة.

تبنّت السلطة خطاباً يعتبر وحدة سوريا خطاً أحمر ويخلط بين أي مطلب حكم محلي وبين نزعة انفصالية. حتى اللامركزية الإدارية التي يفترض أنها أمر فني إداري، لم تحظ بقبول جدي من الحكومة المركزية، ربما لقناعة السلطة أن أي تقليص لقبضتها يعني انتقاصاً من نفوذها.

في المقابل، طرحت الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي (قسد ومظلتها السياسية مجلس سوريا الديمقراطية) رؤيتها الخاصة لمستقبل سوريا كدولة فيدرالية أو على الأقل لامركزية سياسية. هذه الرؤية نابعة من واقع سيطرتها على مناطق واسعة ذات أغلبية كردية أو مختلطة، وإقامتها إدارة ذاتية فعلياً هناك. واليوم يمثل الأكراد التيار الأبرز المؤيد للفدرالية في سوريا، إذ يعتبرونها الضمانة الدستورية لحقوقهم القومية وللمشاركة العادلة في حكم البلاد. وكما عبّر أحد قادتهم: “نعتقد أن النظام الفدرالي هو الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا، لأنها دولة متعددة الأعراق والأديان والطوائف”. فالفدرالية بالنسبة لهم ليست مشروع تقسيم بل صيغة لوحدة طوعية بين مكونات مختلفة، تمنع تغوّل فئة واحدة بالسلطة في المركز.

على الطرف الآخر من النقاش، نجد غالبية أطياف المعارضة السورية – سواء المحسوبة على تيار الثورة أو حتى بعضها ضمن مؤسسات المعارضة الرسمية – تتحفظ بشدة على فكرة الفدرالية. يعود ذلك لأسباب عدة منها التخوف التاريخي من مشاريع التقسيم الأجنبية، وغياب الثقة بنيّات القوى التي تطرح الفدرالية (كتجربة الإدارة الذاتية الكردية)، وكذلك مخاوف من أن تؤدي الفدرالية إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات مناطقية أو إثنية. تُعبّر المعارضة التقليدية في خطابها عن تأييد لامركزية إدارية موسعة كجزء من سوريا جديدة ديمقراطية، لكنها ترفض “اللامركزية السياسية” التي تعتبرها مجرد تسمية ملطفة للفدرالية.

ما رأي الشارع السوري؟ تشير دراسة مسحية حديثة أجرتها منظمة “اليوم التالي” السورية إلى أن صيغةً ما من نظام الحكم اللامركزي هي الأكثر تفضيلاً بين السوريين عموماً، ولكن دون الوصول إلى الفدرالية. أي أن الغالبية تفضل توزيعاً ما للسلطات محلياً، إنما مع بقاء الدولة موحدة بقوة. والدافع الأكبر وراء رفض الفدرالية أو حتى اللامركزية لدى شريحة واسعة هو الخوف من التقسيم. إذ ارتبطت فكرة اللامركزية لدى كثيرين بمشروع مشبوه يرعاه الأجنبي لتفتيت سوريا إلى كانتونات. وساهمت في تأجيج هذا الشعور تصريحات دولية في بدايات الأزمة حول احتمال “تقسيم سوريا” وتسريبات خرائط عن شرق الفرات وغربه.

كما أن إعلان الإدارة الذاتية الكردية من طرف واحد عن نظام حكم فيدرالي في الشمال (عام 2016) رسّخ المخاوف من أجندة انفصالية. كل ذلك جعل قطاعات واسعة من السوريين يتوجسون من المصطلح نفسه. بالمقابل، الدافع الرئيسي لدى مؤيدي اللامركزية هو الإيمان بأنها تعزّز مشاركة الناس في حكم أنفسهم وتحسّن الخدمات والتنمية. كثير من النشطاء المدنيين يرون في اللامركزية طريقاً لمحاربة الفساد المستشري في الإدارة المركزية، عبر تمكين رقابة المجتمعات المحلية على مسؤوليها مباشرة. كما يعتبرونها وسيلة لخلق توازن بين مناطق البلاد المختلفة ومنع تركز السلطة والثروة في العاصمة على حساب الأطراف.

أما مشروع الإدارة الذاتية ذاته، فقد أصبح عقدة النقاش. فهو أمر واقع في شمال شرق سوريا تسيطر عليه قوات قسد منذ سنوات بدعم دولي، ويتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن دمشق. أنصار هذا المشروع يرونه نموذجاً ناجحاً لحماية التنوع الإثني والديني هناك – حيث يشارك العرب والكرد والسريان في إدارات محلية – ويؤكدون أنه لا يهدف إلى تقسيم سوريا بل إلى إدارة محلية ديمقراطية ضمنها.

ويشير قياديون كرد إلى نجاح الإدارة الذاتية في حماية المكونات المحلية من الاعتداءات خلال الحرب وفي تقديم خدمات وأمن نسبي في مناطقها. لكن منتقدي الإدارة الذاتية يعتبرونها حكماً ذاتياً فرضته قوة أمر واقع دون تفويض شعبي عام، ويصفونها بأنها مشروع خاص بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) أُقيم بظل الفوضى وبحماية قوى خارجية. ويرى د. مهيب صالحة أن ما يحصل في مناطق الإدارة الذاتية “يشبه إلى حد كبير ما يحصل في شمال العراق” (في إشارة إلى إقليم كردستان)، وأن الإدارة الذاتية ولدت “في ظروف الحرب وبدعم خارجي، ولم تنشأ بتوافق مجتمعي وسياسي”. لذا فهي مرفوضة لدى شرائح من السوريين باعتبارها خروجاً على سلطة الدولة المركزية وتهديداً لوحدة البلاد.

باختصار، المشهد السوري اليوم حيال مسألة الفدرالية واللامركزية هو مشهد انقسام في الرؤى تغذيه المخاوف والتجارب المريرة. الجميع يرفع شعار وحدة سوريا، لكن تصوراتهم لضمان هذه الوحدة متباينة: بين من يرى الوحدة تتحقق فقط بمركزية قوية تفرضها الدولة، ومن يرى أنها تتطلب عقداً اجتماعيا جديداً يوزع السلطة بشكل عادل بين أبناء الوطن.

ورغم حدة التجاذب، هناك إدراك متزايد بأن الشكل القديم للحكم المركزي الصارم لم يعد صالحاً لسوريا ما بعد الحرب. تفكك السلطة المركزية خلال النزاع، ونشوء سلطات أمر واقع محلية، أظهر أن البديل عن تنظيم اللامركزية قد يكون فوضى وتجزئة غير منظمة أخطر بكثير على وحدة البلاد. لذلك حتى الرافضون للفدرالية بدأ بعضهم يتحدث عن ضرورة اعتماد نوع من اللامركزية الإدارية لضمان التماسك الداخلي.

اقرأ أيضاً: «قسد» ودمشق: بين طموحات الفيدرالية وهواجس السيادة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى