المجتمع السوري

الغلاء يفرض شروطه في دمشق.. الفاكهة “رفاهية” غائبة

في دمشق اليوم، تحول السؤال من “كم سعر الكيلو؟” إلى “كم حبة أستطيع أن أشتري؟”، فعلى بسطات الفاكهة في الأسواق الشعبية الدمشقية وفي ظل الغلاء يقف المواطن طويلاً أمام الكرز الأحمر اللامع، تمتدّ الأيدي ثم ترتجف وتنسحب في اللحظة الأخيرة، فمساحة الاختيار أصبحت أضيق من السابق، لتزيد من أعباء المعيشة وتضغط على كل قرار شراء.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسم صيف 2026 في سوريا يجمع بين نوعين من الارتفاع الأول يتعلق بدرجات الحرارة بينما الارتفاع الآخر أكثر قسوةً وهو غلاء أسعار الفاكهة، حيث تحوّل الكرز إلى سلعة تقاس بالحبة لدى بعض العائلات في حين أصبحت الفاكهة بشكل عام خارج السلة الغذائية اليومية لعدد كبير من العائلات.

غلاء أسعار الفاكهة يحولها إلى رفاهية

تشهد أسواق دمشق حالة واسعة من غلاء أسعار الفاكهة الصيفية خاصة الكرز والدراق، حيث أصبحتِ الأسعار في الأسواق الشعبية تفوق المواسم السابقة بعدة أضعاف، وتراوح سعر كيلو الكرز ما بين 40 إلى 60 ألف ليرة، أما الدراق والخوخ يسجلان أسعاراً تتراوح بين 30 و 50 ألفاً للكيلو، مع ملاحظة أن الأسعار تميل للارتفاع التدريجي عن الأيام السابقة بدلاً من انخفاضها مع تقدم الموسم وتوفر المنتجات أكثر.

وتجدر الإشارة إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الفاكهة يرتبط بعدة عوامل أبرزها ندرة الإنتاج وتراكم العوامل الاقتصادية وثقلها من تكاليف نقل ووساطة تجارية وأسعار وقود، فضلاً عن تراجع قيمة الليرة السورية بشكل مستمر مما ينعكس تأثيره بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية، وعلى الرغم من توفر بعض أنواع الفاكهة بكميات جيدة في الأسواق إلا أن الإقبال بقي ضعيفاً.

انهيار سعر الصرف المحرك الخفي لارتفاع الأسعار

غلاء أسعار الفاكهة يرتبط بشكل مباشر بهبوط سعر صرف الليرة المستمر مقابل الدولار، فأي انخفاض جديد في قيمة العملة وإن كان بسيطاً فإنه يؤدي إلى ارتفاع فوري في تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، في الوقت الذي تشير فيه تقارير اقتصادية محلية إلى أن السوق يعيش حالة تقلب حادة في سعر الصرف، مما يجعل الأسعار غير مستقرة وتخضع لزيادات متتالية خلال فترات قصيرة.

وإلى ذلك، ينعكس هذا التقلب على السلع والمنتجات المستوردة بالإضافة أيضاً إلى تأثيره على المنتجات المحلية التي تعتمد على مدخلات إنتاجية ترتبط بالدولار بشكل غير مباشر مثل أسعار المحروقات والأسمدة وتكاليف ِالنقل، بحيث لا يعود الدخل كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية إلا لفترة قصيرة من الشهر لا تتجاوز الأسبوع الأول من استلام الدخل الشهري، مما يدفع غالبية الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي بشكل تدريجي وصولاً إلى استبعاد الفاكهة من قائمة الشراء.

من الخضار إلى الفاكهة.. سلسلة الغلاء لا تتوقف

إلى جانب الفواكه، يطال غلاء الأسعار مختلف السلع الغذائية بما في ذلك الخضروات المستوردة التي شهدت ارتفاعات متزايدة خلال الفترة الأخيرة، وتشير التقارير المحلية إلى أن أسعار الخضار ارتفعت بشكل كبير نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل مما زاد من الضغط على الأسواق المحلية.

وبهذا تصبح الفاكهة أول ضحايا ميزانية الأسرة حيث يتم استبعادها قبل غيرها في محاولة رب الأسرة تقليل النفقات، الأمر الذي يعكس تغييراً واضحاً في نمط الاستهلاك الغذائي حتى أصبحت الأسر على المواد الأساسية فقط، مقابل استبعاد السلع “غير الضرورية” مثل الفاكهة التي تنزل إلى المرتبة الأخيرة.

الشراء بالحد الأدنى

يبدو أن نمط الشراء بالكيلو في الأسواق الشعبية بدمشق أصبح من الماضي بالنسبة للعديد من الأسر التي باتت تشتري بالحد الأدنى الممكن، فبعض الزبائن يطلبون كميات صغيرة جداً من الفاكهة ربما تكفي لتجربة الطعم فقط أو لإرضاء الأطفال فيما يتجنب آخرون الشراء تماماً.

وفي هذا الصدد، يوضح المواطن منهل زاهر لسوريا اليوم 24 أن “الغلاء غير طريقة تفكيرنا وليس فقط الأسعار، فقد أصبحت الأولويات مختلفة وتقدمت احتياجات المعيشة الأساسية على حساب كثير من الأمور الأخرى، بما فيها فواتير الكهرباء وغيرها من متطلبات الحياة اليومية”.

أما السيدة نجاة منصور فتقول لسوريا اليوم 24: “كنا في السابق نحرص على اختيار الأطعمة الأكثر فائدة لأطفالنا ونختار لهم الفاكهة باعتبارها خياراً صحياً أساسياً، أما اليوم فقد تغير الحال وأصبحنا نحاول تعويض ذلك بما هو أقل تكلفة مثل العصائر والبسكويت فقدرتنا لم تعد تسمح بشراء ما كان يفيدهم كما في السابق”.

يعكس هذا التحول تغييراً عميقاً في سلوك الاستهلاك لدى الأسرة السورية حيث أصبحت الأسعار هي العامل الحاسم الأول في قرار الشراء وليس الحاجة أو الرغبة.

من مشهد الكرز الذي يباع بالحبة والسوق الممتلئ بما لذّ وطاب لكن لا يجد من يشتري تتكشف صورة اقتصاد يضغط على تفاصيل الحياة اليومية، في دمشق أصبح الغلاء تجربة يومية تقلب موازين الأنماط الاستهلاكية المعتادة رأساً على عقب، وتدفع الفاكهة خارج موائد كثير من البيوت لأن ما في الجيب لم يعد يواكب ما في السوق وبات قرار شراء الفاكهة خطوة صغيرة في ظاهرها لكنها مثقلة بثقل الواقع وتكلفته.

اقرأ أيضاً: تحركات سعر الصرف قبل عيد الأضحى وما بعده: إلى أين يتجه السوق؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى