سياحة

الغابة الاستوائية في طرطوس: حلم صغير تحول إلى جنة فواكه!

بقلم هلا يوسف

معتمداً على الشغف الكبير تمكن مواطن في طرطوس من تحويل فكرة صغيرة إلى مشروع استثنائي أصبح حديث الزوار من جميع أنحاء سوريا. المغارة الاستوائية أو الغابة الاستوائية (Tropical Cave) ليست مجرد مساحة زراعية، بل وجهة فريدة تجمع بين الطبيعة الساحرة، السياحة، التعليم، وحتى الفوائد العلاجية. في هذا المقال، سنأخذكم في جولة داخل هذه المغارة لنكتشف أسرارها وجمالها ونكهة فواكهها الغريبة.

في قرية بلاطة الغربية بمحاذاة أوتوستراد طرطوس–بانياس، وعلى مسافة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات عن شاطئ البحر، استطاع حسن محمد أن يحول دونماً واحداً من أرضه إلى مشروع فريد من نوعه في الساحل السوري، عُرف باسم الغابة الاستوائية أو المغارة الاستوائية.

بدأت قصة المشروع عام 2013، عندما كان حسن يعمل في مجال الصحافة، وشارك مع زملائه في موقع إعلامي سوري بتوثيق الفاكهة الاستوائية في سوريا. خلال تلك الجولات تعرف إلى عدد كبير من الأشجار الاستوائية، فقرر أن ينقل هذه التجربة إلى أرضه مستفيداً من خلفيته العلمية في الهندسة الزراعية ودراسته للإعلام. وجد في تجويف صخري بجانب منزله، أطلق عليه اسم المغارة، بيئة مثالية للزراعة بسبب تربته المناسبة، وانخفاضه عن مستوى سطح البحر، وحمايته من الرياح.

انطلق المشروع بأدوات بسيطة وإمكانات محدودة، ولم تتجاوز الأنواع المزروعة في بدايته أربعة أصناف فقط، في ظل ظروف مناخية تعد صعبة على هذا النوع من الزراعة. إلا أن حسن تمكن بجهد فردي من تهيئة الظروف اللازمة، فأنشأ نظاماً يشبه المطر الاستوائي عبر شبكة من الأنابيب تغطي مساحة واسعة من الأرض ويتحكم بها حسب الحاجة، كما ابتكر حلولاً بسيطة وقليلة التكلفة لتجاوز العقبات المناخية، رغم أنه اضطر لاحقاً إلى إيقاف هذا النظام في فصل الصيف بسبب ارتفاع الرطوبة وانتشار الحشرات.

واجهت الغابة الاستوائية تحديات كبيرة في سنواتها الأولى، خاصة في تأمين البذور والشتول، حيث كانت الأسعار مرتفعة، وأحياناً كان الحصول على قطعة صغيرة من نبتة بطول عشرة سنتيمترات يشكل إنجازاً. لذلك لجأ حسن إلى زراعة البذور والعُقل النباتية بنفسه، واستعان بأصدقائه ومعارفه المغتربين الذين أرسلوا له بذوراً وأدوات من دول استوائية مختلفة. وبعد عام 2016، بدأ المشروع يحظى بدعم واسع من أشخاص من مختلف المحافظات وحتى من خارج البلاد، كثير منهم لم يلتقِ بهم شخصياً، بل اكتفوا بالتواصل وإرسال البذور عبر شركات النقل، ما شكل نقطة تحول حقيقية في مسار المشروع.

توسع الغابة الاستوائية وتنوع منتجاتها

اليوم تمتد الغابة الاستوائية على مساحة تقارب ثمانية آلاف متر مربع، وتضم ما يقارب تسعين صنفاً من الفاكهة والنباتات الاستوائية، بعد أن كانت مجرد تجربة صغيرة. من أبرز هذه الأصناف ستة أنواع من البابايا، وسبعة أنواع من الموز الذي يُعد، إلى جانب البابايا، أساس عمل المشروع، إضافة إلى عشرات الأنواع من الدراكون فروت، والسابوتا البيضاء والشوكولاتة، والجوافة، وتوت الأنكا، والليتشي، والماكاداميا، والتوت الأحمر، والغوجي بيري، والستار فروت، وصبار أستريكا، والجاك فروت، والغويابا، والأفوكادو، وغيرها من الفواكه التي لم تكن معروفة سابقاً كمنتج محلي، ما جعل التجربة فريدة في البيئة المتوسطية.

نجاح المشروع وشهرته المتزايدة دفعا حسن إلى استثمار أرباحه في تطويره واستكمال رؤيته. فقد نال إعجاب أبناء المدينة وزوارها، الذين يتوافدون للاستمتاع بالطبيعة وتذوق الفواكه الطازجة والعصائر الاستوائية. وفي قلب الغابة، أنشأ مقهىً طبيعياً منحوتاً في الصخور، يتيح للزوار الجلوس بين الأشجار ومشاهدة الغابة وتذوق منتجاتها، في تجربة تجمع بين المغامرة والدهشة، وهو ما يصفه حسن بسعادته عند رؤية نظرات الاستغراب والفرح، خاصة في عيون الأطفال.

لا تقتصر تجربة الزوار على التذوق فقط، إذ يقدم المشروع نوعين من الخدمات، الأولى جولات تثقيفية موجهة للجمهور عموماً ولطلاب المدارس خصوصاً، للتعريف بالفاكهة الاستوائية وخصائصها وطرق زراعتها. أما الثانية فهي خدمة مدفوعة تهدف إلى دعم استمرارية المشروع، حيث يقدّم حسن الفواكه، خاصة النادرة منها أو غير المرغوبة، ليجربها الزوار ويتعلموا كيفية الاستفادة منها بالشكل الأمثل، وهو ما يجهله معظمهم بحسب قوله.

تتوفر الفواكه في المقهى على مدار العام، وتزداد كمياتها أو تقل حسب المواسم، مع ذروة الإنتاج في نهاية فصل الصيف. أما الوصفات والعصائر التي يقدمها، فقد تعلمها من مصادر متخصصة في بلدان المنشأ مثل فنزويلا وفيتنام وتايلند والمكسيك، إضافة إلى التجريب والابتكار الشخصي.

ورغم أنه ليس مستثمراً يملك رأس مال كبيراً، فقد استطاع حسن أن يخلق أثراً اقتصادياً واجتماعياً مهماً، إذ شغل ما بين 20 و25 مزارعاً عبر تزويدهم بأغراس وشتول استوائية جديدة، ثم شراء محاصيلهم أو تسويقها بأسعار أفضل من السوق، مع تأمين مشاتل مجانية لهم. كما نجح في إقناع اثنين من أصحاب المزارع بتحويل جزء من أراضيهم لزراعة الفاكهة الغريبة والسريعة النمو، في خطوة تهدف إلى تشجيع المشاريع الزراعية الصغيرة وتوفير دخل إضافي للراغبين في تبني الفكرة.

ولم تتوقف أهمية المغارة الاستوائية عند الجانب الزراعي أو السياحي، بل لفتت الأنظار أيضاً من الناحية الطبية، حيث أبدت مراكز متخصصة اهتماماً باستخدام أوراق بعض النباتات في صناعة كريمات علاجية وتجميلية. كما شجّع حسن الكثيرين على زراعة هذه النباتات في حدائق منازلهم، وعلمهم طرق العناية بها.

أما على صعيد التطوير المستقبلي، فيعمل حسن على أفكار جديدة، من بينها إنشاء مشتل متكامل للغراس، وبحيرة أسماك استوائية، ومسار يتيح للزوار مشاهدة مراحل نمو النباتات، إضافة إلى حلمه بإنشاء واحة استوائية تتيح السباحة وسط هذه المناظر الطبيعية.

هكذا، استطاعت “المغارة الاستوائية” أن تنتزع حسن محمد من شغفه الأول بالإعلام، وتدفعه للتفرغ الكامل لمشروعه الزراعي، الذي بدأ بحلم صغير وأدوات بسيطة، وتحول مع الوقت إلى تجربة رائدة تثبت أن الإصرار والمعرفة والشغف قادرة على خلق جنة استوائية حقيقية في قلب الساحل السوري.

اقرأ أيضاً: السياحة في اللاذقية: أجمل المناطق لقضاء صيف لا يُنسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى