المجتمع السوري

العودة من الحافة.. تحولات المجتمعات بعد صراعات الحرب كيف النجاة؟

في سوريا وغيرها.. كيف يعيش المجتمع ما بعد الحرب

المجتمعات التي تواجه أزمات كبيرة مثل الحرب والصراعات، تمر بتحولات عميقة تطال بنية الحياة اليومية فيها، وأنماط العلاقات، وتؤثر على طريقة فهم الناس لمستقبلهم. الخراب يزول والندوب تبقى… فلا تختفي آثار الأزمات بمجرد توقف العنف، بل تبقى كامنة في الذاكرة الجماعية، وفي بنية مؤسسات الدولة، وتتغلغل داخل تفاصيل الحياة البسيطة. في الحالة السورية وغيرها من البلدان التي عانت من صراعات وشهدت حرباً لفترات طويلة، تتشكل مجتمعات ما بعد الأزمة، وهي مزيج معقد من الخسارات والصمود. تحاول الأسر استعادة شعورها بالأمان، وتكافح المجتمعات المحلية لإعادة تنظيم نفسها، لتبقى البنى الاقتصادية والاجتماعية في مهب رياح ما بعد الأزمة وأمام اختبارات صعبة تحتاج عقلية خاصة للنجاة منها. مع ذلك، ورغم الثقل الكبير الذي تتركه الأزمات، تنشأ محاولات متفرقة لصياغة حياة جديدة، تعيد ترميم الروابط وتبحث عن الاستقرار وترسيه. في هذا المقال سنعرض أبرز التحولات التي تمر بها المجتمعات، ونناقش الحالة السورية، ونقدم نماذج يستفاد منها.

المجتمعات بعد الحرب.. اقتصاد متهالك بعد الصراع

لا بد وأن تتعرض الاقتصادات الخارجة من الحرب لسلسلة من التغيرات الجذرية والتحديات الجسيمة، التي تحتاج إلى خطط مدروسة وعقول مدبرة للخروج منها.  تشمل التغيرات عادةً، تراجعاً في الإيرادات الحكومية، تقلص الإنتاج المحلي، تدمير البنية التحتية، انتشار اقتصاد الظل.

في سوريا، جاءت آثار الحرب أكثر حدّة، فبحسب تقديرات المنظمات الدولية، تجاوز عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية في البلاد 16 مليون شخص في عام 2024، وبلغت نسبة الفقر في المجتمع السوري حسب تقارير أممية 90%، وهذه مستويات غير مسبوقة بتاريخ البلاد، بالرغم من أنها امتحنت بالعديد من المحطات التاريخية.

كما قدرت تقارير اقتصادية دولية تكلفة إعادة الإعمار بمئات مليارات الدولار، وهو رقم يكشف حجم الدمار الممتد لعقدٍ من الزمن، مخلفاً وراءه منشآت حيوية مدمرة، وطرقاً وجسور متهالكة، وشبكات مياه وطاقة بحاجة صيانة. إضافةً إلى تدهور قيمة العملة السورية بشدة منذ عام 2011 وبلغت ذروة التدهور عام 2020، ما أثر على القدرة الشرائية وأدى إلى انخفاضها بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ناهيك عن خروج مساحات واسعة من المناطق الزراعية والصناعية عن الخدمة، ما مهد الطريق لاتساع الاقتصاد الخفي الذي يعتمد على شبكات متفرقة لتحصيل الدخل. هذا التراجع للبنية الاقتصادية رافقه تراجع بالبنية الإنتاجية نتيجة الهجرة الجماعية، التي شهدتها سوريا والتي شملت الكفاءات العلمية واليد العاملة، فتقلصت القدرة الإنتاجية في البلاد وزاد الاعتماد على التحويلات الخارجية.

أمام هذا الواقع، لا بد من إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، من خلال خطط تدريجية واستثمارات كبيرة يفضل أن تكون معتمدة على الدعم المحلي أكثر من الخارجي، إلى جانب التركيز على إعادة بناء البنية لتحتية الأساسية، وتشغيل برامج عمل محلية قصيرة المدى بالمرحلة الأولى ثم توسيعها لمشاريع صغيرة أو متوسطة مع دعمها. ربما خطوات صغيرة يكون لها تأثير كبير من شأنه أن يخلق فرص عمل ويعيد بناء الاقتصاد السوري.

اقرأ أيضاً: سوق العمل في سوريا بين الواقع والاحتمالات المستقبلية

مجتمع جديد تَشكل تحت الضغط

الآثار الاقتصادية للحرب على المجتمعات تعالج بخطط زمنية، لكن المعضلة الأكبر تكمن في معالجة التحولات الاجتماعية والنفسية التي تنتجها الأزمات. النسيج الاجتماعي يتعرض لتصدعات ناتجة عن النزوح الطويل، وتراجع الخدمات وقلة الموارد وربما فقدانها، بالتالي تتبدل الأدوار داخل الأسرة الواحدة. في سوريا أودت سنوات الصراع إلى تغيير في بنية العلاقات الاجتماعية، واتساع الهوة بين مناطق البلاد المختلفة، فبرز معها شبكات دعم جديدة تقوم على الروابط القبلية والعصبية من جهة والمناطقية والمحلية من جهة أخرى، وخَفت بذلك روابط الانتماء إلى المؤسسات الرسمية وقل الاعتماد عليها. ما خلق تحزبات مجتمعية تدق ناقوس الخطر بين الحين والآخر وتحتاج لحلول جذرية تفتت العصبية والمناطقية وتعيد الجموع إلى ظل مؤسسات الدولة، وتعيد كذلك هيكلة المجتمع من جديد وجعله مدنياً أكثر.

لعل التحدي الاجتماعي الأكبر، تأثر التعليم بشكل خاص، فخروج عدد كبير من الأطفال تحديداً من المدارس بسبب النزوح والظروف المعيشية ينذر بأجيال تفتقد حقها بالتعليم والتنمية. تشير تقارير أممية إلى وجود فجوات واسعة في معدلات الالتحاق بالتعليم، إلى جانب ضعف برامج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المدارس ما يفاقم من التأثير الاجتماعي السلبي على أجيال ما بعد الأزمات.

كما ارتفعت معدلات الضغوط النفسية بين مختلف الفئات العمرية، مع انتشار ظواهر مرتبطة بالصدمات، مثل القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة. ضعف خدمات الصحة النفسية زاد من صعوبة معالجة هذه الحالات، خصوصاً في المناطق المتضررة. النساء حملن جزءاً كبيراً من أعباء التحول الاجتماعي، إذ تولّين مهاماً اقتصادية وإدارية كانت قبل الحرب في إطار محدود وضمن طاقتهن. هذا التحول خلق فرصاً جديدة لكنه حمل تحديات إضافية تتعلق بالأمن الاقتصادي والضغوط الاجتماعية.

هذه التحولات أشد فتكاً في المجتمع من التحولات الاقتصادية، فهي تضرب النسيج الاجتماعي بشكل مباشر، والمجتمع المضغوط نفسياً مجتمع موتور وغير صحي وبيئة خصبه للجرائم بتنوعها والعقليات المنغلقة. لذلك من الجدير معالجة هذه التغيرات عبر خطط تضمن دمج خدمات الصحة النفسية بمفاصل الحياة، إضافةً إلى تفعيل برامج مجتمعية تستهدف الأطفال بشكل خاص وتدعم أسرهم من خلال التوعية، إلى جانب العمل على استقرار العملية التربوية والتعليمية وتعويض الفاقد العلمي.

دول تعافت بعد الصراع.. كيف تستفيد سوريا

هناك بعض الدول شهدت تعافياً نسبياً بعد الصراع. ومن التجارب المقدمة لدينا تجربة راوندا وتجربة البوسنة والهرسك رغم تباينهما، لكنهما يقدمان مسارين يمكن استخلاص دروس منهما.

على سبيل المثال، تجربة راوندا، اعتمدت على بناء مؤسسات قوية تقوم على مركزية التخطيط ووحدة السياسات الحكومية. ثم اتجهت التجربة إلى الاستثمار بشكل مكثف في التعليم والبنية التحتية. فضلاً عن تأسيس ودعم برامج واسعة للمصالحة الاجتماعية مدَعمة بالعدالة الانتقالية. ما ساعد على بناء الثقة بين المجتمع أولاً، ثم استعادة تلك الثقة مع مؤسسات الدولة ما أفضى لبناء اقتصاد مستقر أكثر من مرحلة ما قبل الحرب حتى.

أما تجربة البوسنة والهرسك، كانت تحت إشراف دولي بعض الشيء أكثر من كونه محلي، فاعتمدت على إعادة الإعمار بإشراف دولي، وركزت على البنية التحتية وتفعيل المشاريع الصغيرة. لكن غياب المؤسسات القادرة على ضبط النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي أثر على سرعة التعافي بعض الشيء. وهذا ما يجب تفاديه في سوريا بأقصى سرعة.

في ضوء ما قدمناه عن أشهر الدول التي شهدت صراعات ربما تتشابه في بعض مفاصلها مع الصراع السوري، وإن لم تتطابق بالمطلق، لكن يمكن للحالة السورية الاستفادة منها عبر مبادئ أساسية يمكن الانطلاقة منها وصياغتها بما يتناسب مع الواقع السوري والمجتمع:

  • تأسيس وتبني وتنفيذ رؤية وطنية واضحة لأولويات إعادة الإعمار تشمل البنى التحتية وصولاً للصحة والتعليم.
  • معالجة البطالة وتحريك الدورة الاقتصادية لاسيما في المناطق المتضررة، مع توسيع واعتماد برامج تشغيل تشمل مناطق واسعة من البلاد.
  • الانتباه للنسيج الاجتماعي المتهالك، وصهر ونبذ أي تعصب مناطقي أو قبلي، والعمل على جمع المواطنين تحت مظلة الدولة من الناحية الأمنية والاجتماعية، إلى جانب تقديم الخدمات والرعاية النفسية والصحية.

بالمحصلة، خروج المجتمعات من الحرب ونفض آثارها ليس حدثاً لحظياً، ولا يحصل بين ليلة وضحاها ولا تتحمله الدولة بمفردها، بل هو عملية بناء شاملة تمتد لسنوات، وتتشابك ضمنها الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. سوريا بعد ما عانت ما عانته خلال سنواتٍ ماضية تحتاج إلى رؤية متكاملة وطويلة المدى تجمع بين إعادة الإعمار المادي وإعادة بناء رأس المال المجتمعي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى