«أعود أو لا أعود».. هل تكفي مشاعر الحنين وحدها؟

بقلم هلا يوسف
“هل أعود أم لا” هذا السؤال الأكثر تردداً الآن على صفحات الفيس بوك من قبل السوريين المغتربين. فسنوات الغربة الطويلة، والأصداء المتضاربة حول واقع البلد حالياً، جعل من الجواب “مسؤولية كبيرة” على المعلقين. لذلك كان “الجواب بتجرد” هو المطلوب، بدون رتوش وتجميل.
وعلى الرغم من أن السؤال يبدو عادياً، لكنه في الحقيقة يحمل في طياته صراعاً نفسياً عميقاً بين الحنين للوطن وصعوبة الواقع الاقتصادي داخل سوريا بالنسبة للمغترب. وهذا ما عكسته إجابات المعلقين بكل وضوح. فتكاليف المعيشة من كهرباء وأسعار المواد الغذائية والمواصلات، كانت طاغية على الإجابات، والعودة محكومة بشروط وفق المعلقين.
ولذلك تعكس التعليقات على أي منشور يتناول موضوع العودة انقساماً حقيقياً بين من يرى أن البلد بدأت تستعيد شيئاً من استقرارها، وبين من يعتبر أن العودة اليوم قد تكون خطوة صعبة ومكلفة نفسياً ومادياً.
الصدمة الكبرى… غلاء المعيشة
القاسم المشترك الأكبر بين أغلب التعليقات كان الحديث عن الغلاء. فقد وصف كثيرون الواقع المعيشي بأنه أصعب مما يتوقعه المغتربون في الخارج، خاصة أولئك الذين ما زالوا يحتفظون بصورة قديمة عن تكاليف الحياة في دمشق، ومن اعتادوا الحياة في بلدان لم تمسسها يد الخراب.
أحد العائدين من تركيا قال إنه كان يعيش في منطقة باشاك شهير بإسطنبول قبل أن يعود إلى مشروع دمر، وأضاف أن كثيراً من السلع في سوريا أصبحت بنفس أسعار تركيا، وبعضها أغلى، رغم أن متوسط الدخل داخل سوريا أقل بكثير. وقال: “كعيلة خمس أشخاص المية دولار ما تقعد أربع أيام”.
هذا الكلام تكرر بصيغ مختلفة في أكثر من تعليق. فالإيجارات ارتفعت بشكل كبير، وكذلك أسعار المواد الغذائية والغاز والمازوت والكهرباء والإنترنت، بالإضافة إلى تكاليف المدارس والمواصلات.
بعض المعلقين اعتبروا أن المشكلة الأساسية ليست فقط بارتفاع الأسعار، بل بانخفاض الرواتب بشكل لا يتناسب مع تكاليف الحياة. فالوظائف التقليدية لم تعد كافية لتأمين حياة مستقرة، وحتى أصحاب المهن يواجهون صعوبة في مواكبة التضخم وارتفاع الأسعار. أحدهم لخص الأمر بجملة واضحة: “الوظيفة ما بتطعمي خبز”.
الكهرباء… تحسن واضح لكن بتكلفة مرتفعة
ملف الكهرباء كان من أكثر المواضيع التي طرحها المعلقين، لأن انقطاع الكهرباء لسنوات طويلة كان من أبرز معاناة السوريين الذين بقوا في سوريا. وأكد عدد من المعلقين أن الوضع تحسن مقارنة بالسنوات الماضية، وأن ساعات التشغيل أصبحت أفضل، خاصة في بعض مناطق دمشق. لكن هذا التحسن لم يأتِ مجاناً، بل ترافق مع ارتفاع كبير في الفواتير. أحد التعليقات قال: “الكهربا ممتازة… ولهيك عم تطلع أربعة ملايين لعيلة ثلاثة أشخاص”.
في المقابل، رأى آخرون أن توفر الكهرباء، حتى مع ارتفاع تكلفتها، يبقى أفضل من سنوات التقنين القاسية، وأن الناس بدأت تتأقلم مع النمط الجديد للحياة. لكن من الواضح أن الكهرباء تحولت من خدمة مفقودة إلى خدمة متوفرة نسبياً ولكن بأسعار ترهق العائلات، خاصة أصحاب الدخل المحدود.
الإنترنت والخدمات… أفضل من السابق لكن ليست مستقرة دائماً
الإنترنت أيضاً كان حاضراً في النقاشات، خصوصاً أن كثيراً من المغتربين يعتمدون على العمل عن بعد أو يحتاجون إلى اتصال مستقر للتواصل مع أعمالهم خارج سوريا.
بعض المعلقين قالوا إن خدمة الفايبر بدأت تعمل بشكل جيد في عدة مناطق، وإن جودة الإنترنت أصبحت “مقبولة نوعاً ما”، لكن آخرين اشتكوا من ارتفاع أسعار الباقات وضعف الشبكة في بعض الأحياء.
أحد التعليقات أشار إلى أن باقة الإنترنت بسعة محدودة قد تكلف مبالغ مرتفعة مقارنة بالدخل المحلي، وأن الاعتماد على الراوتر وحده ليس كافياً دائماً. ورغم ذلك، أجمع كثيرون على أن الخدمات عموماً أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل سنوات، لكن بأسعار مرتفعة.
المجتمع تغير أيضاً
بعيداً عن الاقتصاد والخدمات، تحدث بعض المعلقين عن تغيرات اجتماعية واضحة شعروا بها بعد العودة من الغربة. أحدهم قال إن المشكلة ليست فقط في الظروف المعيشية، بل في الناس أيضاً، مشيراً إلى انتشار الفوضى والأنانية والقيادة العشوائية وعدم احترام القوانين.
تعليقات أخرى تحدثت عن صعوبة إعادة الاندماج في المجتمع بعد سنوات طويلة من العيش في الخارج، خاصة لمن اعتادوا على أنظمة مختلفة في العمل والحياة اليومية.
وهنا يظهر جانب مهم من تجربة العودة، فالكثير من المغتربين لا يعودون إلى نفس البلد التي غادروها. فالسنوات الطويلة غيرت الجميع، داخل سوريا وخارجها، وهذا ما يجعل الصدمة أحياناً نفسية واجتماعية أكثر منها مادية فقط.
الحنين إلى البلد… شعور لا ينتهي
رغم كل الظروف الصعبة، بقيت فكرة البلد حاضرة بقوة في كثير من الردود. عدد من المعلقين تحدثوا عن شعور لا يفهمه إلا المغترب، وهو أن الإنسان مهما عاش سنوات طويلة خارج وطنه، يبقى يشعر بنقص داخلي لا يعوضه أي استقرار مادي. أحد المعلقين كتب: “بالنهاية الإنسان ماله غير بلده، وحتى المغترب برا بلده أموره مو سهلة مثل ما الناس بتفكر”.
هذا النوع من التعليقات لم يكن يتحدث عن المال أو الخدمات، بل عن الراحة النفسية، عن العائلة والأصدقاء واللهجة والذكريات والأماكن القديمة. فالكثير من السوريين في الخارج يعيشون حالة استقرار نسبي، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون أنهم لا ينتمون إلى بلدان إقامتهم، وإن وجودهم مؤقت، مهما طالت سنوات الغربة.
لكن اللافت أن حتى الأشخاص الذين شجعوا فكرة العودة، لم يفعلوا ذلك بشكل مطلق، بل ربطوها بشروط واضحة، أهمها وجود مصدر دخل جيد أو منزل مملوك يخفف أعباء الحياة.
الأرقام تعكس الواقع
بالرغم من كل ما يقال عن تحسن نسبي في بعض جوانب الحياة، إلا أن الأرقام وحدها تكشف حجم الفجوة الحقيقية بين الدخل وتكاليف المعيشة في سوريا اليوم. فمع انتهاء الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، سجل “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد، حيث بلغ متوسط التكاليف نحو 12.5 مليون ليرة سورية شهرياً، في حين قدر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بنحو 7,816,764 ليرة سورية.
ويترافق هذا الارتفاع مع تدهور مستمر في المستوى المعيشي، إذ رغم قرار رفع أجور العاملين في القطاع العام بنسبة 50% (والذي لا يشمل المتقاعدين ولم يصرف فعلياً حتى الآن)، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور ما يزال غير قادر على تغطية سوى ما يقارب ثلاثة أيام فقط من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد المتوسط، وأقل من خمسة أيام في الحد الأدنى، ما يعكس فجوة كبيرة بين الدخل والإنفاق الضروري.
وفي تفاصيل أكثر دقة، ارتفع الحد الأدنى لتكاليف الغذاء الأساسية الشهرية لأسرة من خمسة أفراد من 4,355,308 ليرة في بداية عام 2026 إلى 4,690,058 ليرة في نهاية آذار، وذلك بالاعتماد على متوسط أسعار مكونات سلة الغذاء في الأسواق الشعبية داخل العاصمة دمشق، وهو ما يوضح أن الغذاء وحده أصبح يشكل عبئاً يومياً متزايداً على الأسر.
كما ارتفعت تكاليف الحد الأدنى للحاجات الضرورية الأخرى، والتي تشكل نحو 40% من إجمالي تكاليف المعيشة وتشمل السكن والمواصلات والتعليم واللباس والصحة والأدوات المنزلية والاتصالات وغيرها، من 2,903,539 ليرة في نهاية كانون الأول إلى 3,126,706 ليرة في نهاية آذار، أي بزيادة بلغت حوالي 7.7% خلال فترة قصيرة، ما يعكس استمرار الضغط على كل جوانب الحياة اليومية دون استثناء.
باختصار، من خلال تعليقات السوريين يمكن أخذ فكرة بسيطة عن الواقع الذي يعيشوه داخل البلد. فعلى الرغم من أن هناك من يرى أن سوريا بدأت تتعافى نوعاً ما، آخرون آخرون أن التحسن ما يزال محدود، وأن تكاليف الحياة أصبحت فوق قدرة معظم الناس. وبالتالي قرار العودة لا يجب أن يكون عاطفياً فقط، ويجب أن يرتبط بحسابات الواقع الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: الغش والأسعار في ريف دمشق: هل تكفي الضبوط التموينية لضبط تكلفة المعيشة؟









