العملة السورية الجديدة وشرعيتها الدولية.. ماذا قال الاقتصاديون؟

الكاتب: أحمد علي
ليست العملة ورقة ملوّنة جميلة وزاهية تحمل رقماً فحسب، بل هي في نهاية المطاف عقد ثقة مختصر بين الناس والدولة، نستخدمها لأننا نفترض أن هناك قانوناً يحكمها، ومؤسسة تضمنها، ومسؤولاً يضع اسمه عليها ويقبل أن يُسأل عنه. لذلك، ليس من المستغرب أنه حين تُطرح «العملة السورية الجديدة» في لحظة سياسية واقتصادية حساسة كهذه التي تعيشها البلاد، أن تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبيرة.
من يملك حق الإصدار؟ من يوقّع؟ وأي صيغة قانونية تساند هذا الانتقال كي لا يتحول إلى مادة للشائعات أو نافذة للالتباس؟ وراء النقاش الدائر حول التواقيع والشرعية الدولية يقف جوهر أبسط مفاده أن الناس تريد جواباً واضحاً يمكن الوثوق به، لا خطاباً مطمئناً بلا سند.
العملة السورية الجديدة بين القانون
نص مرسوم رئاسي سوري منشور رسمياً برقم 293 لعام 2025 على استبدال الأوراق النقدية السورية الحالية وسحبها من التداول ابتداءً من 1 كانون الثاني 2026، مع ترك تحديد المهل والجدول الزمني ومراكز الاستبدال لمصرف سورية المركزي.
وأكد حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية أن الاستبدال مجاني، وأن هناك فترة تعايش بين العملتين لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وأن التحويل يتم بحذف صفرين بحيث تعادل كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة.
التوقيع المفقود بعد الإعلان
وفي تعقيب لها على الأمر، أعادت الاقتصادية رشا سيروب النقاش إلى نص القانون مشيرةً إلى تعديل عام 2009 على قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002 الذي نص على أن “تحمل الأوراق النقدية توقيعي رئيس مجلس الوزراء وحاكم مصرف سورية المركزي”.
والمشكلة -كما تطرحها سيروب- أن الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025 يعرّف السلطة التنفيذية بأنها بيد رئيس الجمهورية والوزراء، من دون ذكر منصب رئيس مجلس الوزراء.
وبما أن مرسوم 293 يستند إلى الإعلان الدستوري وإلى قانون 23 وتعديلاته، فإن سؤال “من يوقّع مكان رئيس مجلس الوزراء؟” يتحول إلى طلب توضيح رسمي مكتوب يحدد الجهة البديلة أو يعدّل النص النقدي بما يطابق البنية الدستورية، وفق ما تطرح.
هل التوقيع فعلاً مختلف؟
تذهب سيروب في حديثها أبعد من ذلك، وتقول إن التوقيع المطبوع على الأوراق النقدية الجديدة لا يطابق توقيع الحاكم على القرارات والتعاميم، ما يفتح احتمال أن الموقّع ليس الحاكم أو أن هناك اختلافاً في “الصيغة الرسمية” للتوقيع.
بدوره، تداول الخبير الاقتصادي السوري جورج خزام الملاحظة نفسها ضمن نقاشات العملة السورية الجديدة. لكن الإنصاف هنا ضروري، فالتوقيع على العملة قد يكون مُبسّطاً للطباعة وقد يختلف شكلياً عن توقيع الوثائق. لذلك يبقى الفيصل توضيحاً رسمياً ينشر نموذج التوقيع المعتمد على العملة السورية الجديدة، لا مقارنة سريعة بالعين، لأن عنصر التحقق هذا جزء من الثقة لا زينة على الورق.
حذف الأصفار ومعنى الإصلاح
تصف الحكومة والمصرف الخطوة بأنها تقنية، حصرية قال إن إطلاق العملة السورية الجديدة يهدف إلى تبسيط التعاملات والقطيعة الرمزية مع الماضي وضبط الكتلة النقدية، مع تأكيد عدم التأثير في سعر الصرف.
ونقلت الجزيرة عن أسامة قاضي، المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية، أن حذف صفرين إجراء فني يحافظ على القوة الشرائية ويسهل التداول اليومي، وأن قيمة العملة تتحدد بعوامل الإنتاج والتجارة لا بعدّ الأصفار.
وفي نقاش الخبراء قبل الإطلاق، رأى حسن غرة الإجراء تنظيمياً قد يساعد في ضبط كتلة نقدية كبيرة خارج المصارف، بينما حذر فراس شعبو من أن التوقيت قد يجعلها “رمزية” إن لم تترافق مع إصلاح اقتصادي أعمق، واعتبر إبراهيم قوشجي أن تغيير العملة لا يخفض التضخم تلقائياً وأن النجاح مشروط بضبط العجز وأسباب التضخم الهيكلية.
المعنى المشترك بين الآراء المختلفة أن العملة السورية الجديدة قد تسهّل الحياة اليومية، لكنها لن تعالج جذور الأزمة إذا بقيت السياسات المالية والإنتاجية كما هي.
ولأن المرحلة الانتقالية هي الأكثر عرضة للأخطاء والاستغلال، فإن نجاح الاستبدال سيُقاس أيضاً بتفاصيل يومية، فكيف تُحسب الأسعار دون تلاعب بالكسور، وكيف يُمنع رفع الأسعار بحجة “التحويل”، وكيف تُدار السيولة كي لا تتحول مراكز التبديل إلى أزمة جديدة. أسامة قاضي ربط الإصلاح بمكافحة غسل الأموال وتشديد الرقابة على الحدود وأسواق الذهب والعقار ومراكز الصرافة للتحقق من مصادر الأموال، وهو تذكير بأن العملة السورية الجديدة لن تنجح إذا تُركت في مواجهة اقتصاد نقدي غير منظم.
الشرعية الدولية وممرات المال
الشرعية الدولية لا تُمنح لورقة نقد، لكنها تتأثر بقدرة الدولة على تشغيل قنواتها المالية وسمعة مؤسساتها. ولذلك فالتوقيع على العملة رسالة مسؤولية ومساءلة. وأقصر طريق لخفض الشكوك هو نشر تفسير رسمي يربط بين قانون النقد والإعلان الدستوري، ويحدد من يوقّع وأي صيغة توقيع تعتمدها الدولة على العملة السورية الجديدة، بالتوازي مع استمرار نشر المعلومات التنفيذية من مصدر واحد واضح.
اقرأ أيضاً: حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة رمزية أم إصلاح نقدي فعلي؟!









