ثقافة وتراث

العمر البيولوجي والسرطانات بين جيل التسعينات والألفية

بقلم هلا يوسف

إذا نظرنا إلى شكل العديد من الأشخاص في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، فقد نلاحظ أنهم يبدون أصغر من عمرهم. وهذا ينطبق على النقاش الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي بأن جيل التسعينات يبدو أصغر من عمره بالمقارنة مع جيل الألفية. لكن مع حالات السرطانات التي تنتشر بشكل كبير لدى الشباب في سوريا، يظهر أن هناك خلل ما، فمن المفترض أن يكون الشكل انعكاساً للداخل. وهذا ما سنعرف تفسيره في هذا المقال.

هل يعكس الوجه حقيقة ما يحدث داخل الجسم؟

دراسة علمية حديثة تشير إلى أن الإجابة قد تكون “لا”. فبينما يبدو كثير من مواليد التسعينيات أصغر من أعمارهم، قد تتقدم أجسامهم من الداخل في العمر بوتيرة أسرع من الأجيال السابقة، وهو ما قد يساعد في تفسير الارتفاع الملحوظ في حالات الإصابة بالسرطان بين الشباب خلال السنوات الأخيرة.

عندما نتحدث عن العمر، فإن أول ما يخطر في أذهاننا هو عدد سنوات حياتنا منذ الولادة، وهذا ما يسمى العمر الزمني. لكن عند العلماء هناك مصطلح آخر هو العمر البيولوجي، وهو العمر الذي تعكسه صحة الجسم وأعضائه، وليس عدد السنوات فقط.

ولتوضيح الفكرة، قد يكون شخصان في الخامسة والثلاثين من العمر، لكن أحدهما يتمتع بقلب ورئتين وأوعية دموية تعمل كما لو كان في الثلاثين، بينما يبدو جسم الآخر وكأنه في الخامسة والأربعين بسبب نمط حياته أو حالته الصحية. بمعنى ثاني، قد يكون جسمك أصغر أو أكبر من عمرك الحقيقي، حتى وإن كان تاريخ ميلادك لا يتغير.

ماذا كشفت الدراسة؟

الدراسة أجرتها الباحثة يين كاو Yin Cao، وهي عالمة أوبئة جزيئية وأستاذة مشاركة في الجراحة والطب في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس بالولايات المتحدة، بالتعاون مع عدد من الباحثين.

وقارن الفريق البحثي بين العمر البيولوجي والعمر الزمني لأشخاص ولدوا في فترات زمنية مختلفة، لمعرفة ما إذا كانت الأجيال الحديثة تتقدم في العمر بالطريقة نفسها التي تقدمت بها الأجيال السابقة.

واعتمد الباحثون على مؤشرات بيولوجية مأخوذة من تحاليل الدم، واستخدموا مقياساً علمياً يعرف باسم PhenoAge، وهو أحد أشهر المقاييس المستخدمة لتقدير العمر البيولوجي.

مواليد التسعينيات… أجسامهم تبدو أكبر عمراً

أظهرت النتائج أن الأشخاص المولودين بين عامي 1990 و1999 لديهم فجوة أكبر بكثير بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي مقارنة بالأشخاص المولودين بين عامي 1965 و1969، وهم من جيل “إكس”.

وبحسب نتائج الدراسة، كانت هذه الفجوة أعلى بنسبة 92% لدى مواليد التسعينيات وفق مقياس PhenoAge. لكن هذا لا يعني أن جميع مواليد التسعينيات مرضى أو يعانون من مشكلات صحية، وإنما يعني أن أجسامهم، في المتوسط، أظهرت علامات شيخوخة أسرع من أجسام أفراد الجيل السابق عندما كانوا في العمر نفسه.

كما لاحظ الباحثون أن الرجال كانوا أكثر عرضة لظهور فجوة أكبر بين العمرين البيولوجي والزمني مقارنة بالنساء.

ما علاقة ذلك بالسرطان؟

عند النظر إلى عدد الإصابات في السرطان بسوريا، فإننا سنكتشف أن العدد الإجمالي للإصابات بلغ حوالي 17 ألفاً و 20 ألف حالة سنوياً. وهذا كفيل بتأكيد أهمية هذه الدراسة. إذ وجد الباحثون أن خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان يرتفع كلما زادت الفجوة بين العمر البيولوجي والعمر الزمني. أي عندما يبدو الجسم أكبر من عمر صاحبه الحقيقي، ترتفع احتمالية الإصابة ببعض السرطانات في سن مبكرة.

وشملت السرطانات التي ارتبطت بهذه الشيخوخة المتسارعة سرطان الرئة، وسرطانات الجهاز الهضمي، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان الرحم.

ويؤكد الباحثون أن هذه العلاقة لا تعني أن الشيخوخة البيولوجية تسبب السرطان بشكل مباشر، لكنها قد تكون أحد العوامل التي تساعد على زيادة خطر الإصابة به.

لماذا أصبح السرطان يصيب الشباب أكثر؟

منذ سنوات، لاحظ الأطباء حول العالم أن السرطان لم يعد يقتصر على كبار السن كما كان في السابق. إذ تشير الإحصاءات إلى أن عدد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً والمصابين بالسرطان ارتفع بنسبة 24% بين عامي 1990 و2019.

وكانت الزيادة أوضح في بعض الأنواع، مثل سرطان القولون والمستقيم وسرطان الرحم. فعلى سبيل المثال، أصبح الأشخاص المولودون في التسعينيات أكثر عرضة للإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر بأكثر من أربعة أضعاف مقارنة بالأشخاص المولودين في الستينيات.

كما ارتفعت نسبة حالات سرطان القولون والمستقيم التي يتم تشخيصها قبل سن الخامسة والخمسين في الولايات المتحدة من 11% عام 1995 إلى 20% عام 2019.

أما سرطان الرحم، فقد أظهرت البيانات أن الأشخاص المولودين عام 1985 تقريباً يواجهون خطراً يقارب ضعف الخطر الذي كان يواجهه من ولدوا قبل عام 1950.

لماذا يحدث ذلك؟

لا توجد حتى الآن إجابة نهائية، لكن الباحثين يعتقدون أن نمط الحياة الحديث قد يكون جزءًا مهمًا من التفسير. فاليوم يدخل كثير من الأطفال مرحلة البلوغ في سن أصغر من السابق، كما ارتفعت معدلات السمنة والسكري بين الشباب، وأصبحت قلة الحركة والجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات جزءاً من الحياة اليومية.

كذلك يزداد الاعتماد على الأطعمة المصنعة، مع ارتفاع مستويات التوتر والضغوط النفسية، وكلها عوامل قد تؤثر في الجسم على المدى الطويل.

ويرى العلماء أن هذه التغيرات قد تدفع الجسم إلى الشيخوخة بصورة أسرع، وهو ما يزيد بدوره من احتمالية الإصابة بأمراض مختلفة، ومنها السرطان.

ليست كل أعضاء الجسم تتقدم في العمر بالطريقة نفسها

ومن النتائج المهمة أيضاً أن الشيخوخة لا تحدث بالسرعة نفسها في جميع أعضاء الجسم. فقد يكون الجهاز المناعي أكبر عمرًا من بقية أعضاء الجسم، بينما تبقى أعضاء أخرى أكثر شباباً.

وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين بدا جهازهم المناعي أكبر من عمرهم الحقيقي كانوا أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة في سن مبكرة. بينما ارتبطت الشيخوخة المبكرة للأنسجة الدهنية بزيادة خطر الإصابة المبكرة بسرطان القولون والمستقيم.

وهذا يشير إلى أن دراسة صحة كل عضو على حدة قد تساعد في المستقبل في اكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالسرطان قبل ظهور المرض.

وعلى الرغم من أهمية هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الطريق ما زال طويلاً لفهم الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع حالات السرطان بين الشباب. وقال ديفيد سكوت، مدير مؤسسة Cancer Grand Challenges، التي ساهمت في تمويل الدراسة، إن العلماء لا يملكون حتى الآن إجابة قاطعة تفسر سبب الزيادة العالمية في حالات السرطان المبكر.

وأضاف أن مثل هذه الدراسات تساعد على فهم الصورة بشكل أوسع، إذ يبدو أن السرطان لا يرتبط فقط بالتغيرات التي تحدث داخل الخلايا، بل قد يكون أيضاً نتيجة تغيرات تصيب الجسم بأكمله مع مرور الوقت.

أما الباحثة يين كاو، فأوضحت أن فريقها سيواصل دراسة تأثير البيئة الحديثة، ونمط الحياة، والعوامل الاجتماعية، لمعرفة كيف تترك هذه العوامل بصمات بيولوجية دائمة داخل الجسم، وكيف يمكن أن تؤدي إلى الشيخوخة المتسارعة وزيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ماذا تعني هذه النتائج؟

هذه الدراسة لا تعني أن كل من ولد في التسعينيات سيصاب بالسرطان، كما أنها لا تعني أن الشيخوخة البيولوجية قدر لا يمكن تغييره.

لكنها تذكرنا بأهمية الاهتمام بالصحة منذ سن مبكرة، من خلال ممارسة النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، وتناول غذاء متوازن، والنوم لساعات كافية، والابتعاد عن التدخين، وإجراء الفحوص الطبية عند الحاجة. فالاهتمام بالجسم من الداخل قد يكون أكثر أهمية من الاهتمام بالمظهر الخارجي وحده.

باختصار، قد نستطيع تجميل بشرتنا وجعلها أكثر شباباً، لكن الاهتمام الحقيقي يجب أن يكون في صحة الجسد، فإذا كان الجسد سليم فالشكل تلقائياً يكون بأفضل حالاته.

اقرأ أيضاً: 20 ألف إصابة سنوياً.. كيف أصبح السرطان معركة جديدة للسوريين؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى