العمال المهرة السوريين.. بين الأرض والمعامل والمنفى!

الكاتب: أحمد علي
تتشكل ذاكرة المجتمع من أيدي أبنائه، ومن تفاصيل يومية لا تلتقطها العناوين الكبرى، من مزارع أرضه كل همّه، وحرفي يضبط آلةً قديمة، وعامل ورشة يعرف أن الإتقان ليس ترفاً بل شرط حياة. لذلك فإن السؤال عن مصير العمال المهرة السوريين يتجاوز الحنين، لأنه يقترب من جوهر الاقتصاد المحلي، كيف يعيش، وكيف يتعطل، وكيف يحاول النهوض من جديد..
مصير العمال المهرة السوريين
تفرع مصير العمال المهرة السوريين بعد 2011 إلى مسارات متداخلة، موت وإصابة وغياب قسري، نزوح داخلي طويل، هجرة خارجية، أو انتقال جارح من مهنة منتجة إلى أعمال يومية غير مستقرة. وهذا التشظي يرتبط بحجم الحركة السكانية القسرية، فبيانات الأمم المتحدة عن أزمة سوريا تشير إلى ملايين اللاجئين المسجلين خارج البلاد، وإلى ملايين النازحين داخلها، وهي أرقام تساعد على فهم لماذا لم تعد المهارة مرتبطة بمكان واحد ولا بسوق واحد.
الخسارة هنا لا تمس الأفراد فقط، بل تمس البيئة التي تجعل الخبرة قابلة للاستخدام. فالعامل الماهر يحتاج ورشة ومعدات وزبائن وأماناً نسبياً، وعندما يُنتزع من هذا الإطار قد يتراجع استخدام مهارته، فيعمل دون مؤهلاته أو خارج اختصاصه، وهو ما وصفته تحليلات سياساتية حول المهارات السورية في بلدان الاستضافة بوصفه فرصة ضائعة للاجئين وللاقتصادات المضيفة معاً.
اقتصاد الغوطة وورش الأطراف
كانت الغوطة في ريف دمشق تُعرف بكونها مساحة زراعية تغذي العاصمة، وتكرر منظمة الأغذية والزراعة اليوم هذا المعنى وهي تذكر خصوبة المنطقة وخبرة المزارعين واعتماد كثير منهم على الزراعة كمصدر دخل. وهذه الزراعة كانت منظومة مهارات، ري وبساتين وإدارة دورة الإنتاج، وهي مهارات تحتاج استقراراً وخدمات وسوقاً قريباً.
حول دمشق وفي مدن أخرى، تشكلت تجمعات حرفية ومعامل صغيرة ومتوسطة، تنتقل فيها الخبرة عبر التعلم المباشر داخل الورش أكثر مما تنتقل عبر شهادات رسمية. قراءة مؤشرات ما قبل النزاع تساعد على إدراك حجم هذه القاعدة، فمقارنة البنك الدولي بين مسح القوى العاملة لعام 2010 ومسوح لاحقة لعام 2022 تُظهر تراجعاً في العمالة الصناعية والإنشائية مقابل توسع الخدمات، بما يوحي بأن جزءاً من الحواضن التقليدية للمهارة الفنية تقلص مع الزمن.
ويضيف البنك الدولي أن سوريا حققت قبل 2011 تقدماً في مؤشرات التعليم والالتحاق المدرسي خلال العقد السابق، ما يعني أن المهارة كانت تُبنى عبر المدرسة والتدرج المهني معاً، وعندما تتأثر هاتان القناتان تتأثر القدرة على إنتاج مهارة جديدة، لا فقط الحفاظ على المهارة القديمة.
حين تنكسر سلاسل المهارة
عندما تضرب الحرب مناطق الزراعة والصناعة، يتغير معنى المهنة عند العمال المهرة السوريين من الإنتاج إلى التكيف القسري. تقارير طبية وإنسانية عن الغوطة الشرقية خلال سنوات الحصار تصفها بأنها كانت منطقة زراعية كبيرة ثم تقلص سكانها وتدهورت شروط الحياة والعمل، وهو ما يعني عملياً خروجاً واسعاً من الأرض والورشة، أو عملاً تحت شروط نقص الوقود والمواد وانقطاع الطرق.
في بيئة كهذه يبرز ما تصفه دراسات أممية بتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب، حيث تتقدم الوساطة والتجارة غير الرسمية وطلب الدخل السريع على حساب القطاعات الإنتاجية طويلة النفس. ومع انكماش فرص العمل الجيدة، تشهد السوق اتساعاً في أنشطة خدمية أقل حماية، وهي نتيجة يلمح إليها تغير التوزيع القطاعي للتشغيل الذي وثقه البنك الدولي بين 2010 و2022.
ومع تراكم هذه الصدمات، يشير تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تراجع كبير في مسار التنمية البشرية مقارنة بما قبل 2011، وهو تراجع يرتبط بتدهور التعليم والاقتصاد وفرص العمل اللائق، أي بالمناخ الذي تتغذى منه المهارة وتزدهر.
الهجرة وتبدل المهن خارج الحدود
نقلت الهجرة مصير العمال المهرة السوريين إلى أسواق عمل جديدة، لكنها لم تنقل معها دائماً الاعتراف بالخبرة. وتتحدث تقارير منظمة العمل الدولية حول دول الجوار عن محدودية الوصول القانوني للعمل في فترات مختلفة، وما يرتبط بذلك من توسع العمل غير الرسمي وضغوط على شروط العمل، وهي عوامل تدفع كثيراً من المهرة إلى وظائف أدنى من مهاراتهم، أو إلى قطاعات لا تستثمر خبرتهم الأصلية بالكامل.
في المقابل، استطاع بعض المهرة إعادة بناء مشروع صغير أو ورشة في بلدان الاستضافة، مستندين إلى شبكات اجتماعية وإلى طلب محلي، وقد وثق البنك الدولي برامج دعم شملت شركات يقودها سوريون وأتراك في قطاعات متنوعة، ما يظهر أن المهارة يمكن أن تعيد إنتاج نفسها حين تتوافر أدوات التمويل والتسجيل والوصول إلى الأسواق.
أما داخل سوريا، فتشير بيانات البنك الدولي المبنية على مسوح إنسانية إلى انتشار التحويلات الدولية كمورد دخل لدى نسبة كبيرة من الأسر في 2022، وهو مؤشر على أن جزءاً من الخبرة أصبح يعيش اقتصادياً عبر الحدود، لا عبر سوق محلية واحدة.
العودة وإعادة ترميم المهن
بعد التحول السياسي في كانون الأول 2024 عادت فكرة الرجوع إلى الواجهة، وقد سجلت تقارير أممية عودة أعداد كبيرة من النازحين داخلياً منذ ذلك التاريخ، مع استمرار موجات نزوح جديدة في مناطق أخرى بسبب هشاشة الأمن. وهذه الحركة تفتح نافذة أمام عودة العمال المهرة السوريين إلى حقولهم وورشهم، لكنها تبقى رهينة السكن والخدمات وحماية الملكية وإمكانية الحصول على دخل مستقر.
وتؤكد أطر الأمم المتحدة الخاصة بالعودة الطوعية أن العودة ينبغي أن تكون آمنة وكريمة، وأن ترتبط بدعم سبل العيش، لأن استعادة المهنة تحتاج ماءً وبذاراً للزراعة، ومعدات ورأس مال صغير للورشة، وتدريباً جديداً عندما تتغير الأسواق، وبيئة عمل تخف فيها مخاطر ما بعد الحرب.
خلاصة الصورة أن مصير العمال المهرة السوريين موزع بين مهارة فقدت مكانها الطبيعي، ومهارة أعيد توظيفها جزئياً في الخارج، ومهارة تنتظر استقراراً يسمح بالعودة إلى الإنتاج في الداخل. وبناء مستقبل اقتصادي أكثر تماسكاً لا يبدأ فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة وصل الحلقة التي تربط التعليم بالتدريب بالعمل، بحيث يعود العامل الماهر عنصراً منتجاً لا شاهداً على انكسار طويل.
اقرأ أيضاً: كيف يصبح تأهيل العمالة الماهرة عملاً ممنهجاً؟!









