العلاقات بين سوريا والمغرب: هل انتهى زمن الجفاء؟

إعداد: لمى ابراهيم
بعد أكثر من 13 عاماً على إغلاقها، أعاد المغرب فتح سفارته في سوريا رسمياً، إذ استأنفت السفارة أعمالها الإدارية من مقرها السابق في دمشق مؤقتاً، إلى حين استكمال الترتيبات اللازمة للانتقال إلى مقر جديد… وتفتح هذه الخطوة صفحة جديدة في مسار العلاقات بين سوريا والمغرب، التي شهدت محطات عديدة من المد والجزر، وفي هذا المقال سنتعرف على طبيعة هذه العلاقات طوال السنوات الماضية، ونرى كيف تغيرت بعد سقوط نظام الأسد.
علاقات متذبذبة بين سوريا والمغرب
شهدت العلاقات السورية – المغربية محطات معقدة ومضطربة، كانت بدايتها في عام 1965، عندما قرر المغرب قطع علاقاته مع الجمهورية السورية، بعد أن هاجمت بعض الصحف السورية المغرب واتهمته بالضلوع في اختطاف المعارض السياسي المهدي بن بركة… ومن حينها، أصبحت العلاقات بين البلدين متذبذبة بين فترات تقارب قليلة وأخرى اتسمت بالتوتر والحذر، وقد وصلت في كثير من الأحيان إلى قطيعة شبه تامة.
ولكن لم يكون هجوم الصحف السورية هو السبب الوحيد للتوترات، بل إن الدعم السوري العلني لجبهة البوليساريو كان أحد أبرز الأسباب، التي تعتبرها الرباط حركة انفصالية تهدد وحدة أراضي المملكة، وقد زادت حدة الخلاف حين أعلنت سوريا رسمياً في نيسان 1980، اعترافها بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، ما أثار استياء المغرب بشدة.
“جبهة البوليساريو هي حركة تحررية صحراوية تأسست في عام 1973، بهدف استقلال الصحراء الغربية من الاستعمار الإسباني، ومع انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، تحولت البوليساريو إلى حركة تسعى للاستقلال عن المغرب، وتأسيس “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، ما جعل المغرب يدخل في صراع طويل الأمد معها”.
اقرأ أيضاً: تركيا تستعد لتصدير الغاز إلى سوريا بعد استكمال ربط الشبكات
توترات بعد الربيع العربي
في عام 2011 ومع بدايات الربيع العربي، والذي كانت سوريا جزءاً منه ولكن سرعان ما تحوّل الحراك الثوري فيها إلى حرب مأساوية متعددة الأطراف، اتخذ المغرب موقفاً حازماً من نظام بشار الأسد، وقرر في تموز 2012 إغلاق سفارته في دمشق، كما طلب من السفير السوري مغادرة الرباط، واعتبره “شخصاً غير مرغوب فيه”، وقد جاء هذا القرار تعبيراً عن رفض المغرب للعنف الممارس ضد الشعب السوري آنذاك، بعد قمع نظام الأسد للحراك الشعبي.
وردّت الحكومة السورية بالمثل، وأعلنت أن السفير المغربي في دمشق شخص غير مرغوب فيه أيضاً ما أدى إلى انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل رسمي.
ومع مرور السنوات، وقبل عامين، عبّر المحلل السياسي حفيظ الزهري في تصريح إعلامي عن موقف المغرب الثابت تجاه علاقاته الدولية، مؤكداً أن قضية الصحراء المغربية تمثل “النظارة” التي تنظر بها الرباط إلى العالم، وهي المحدد الرئيسي لشكل الشراكات والتقارب مع أي دولة، بما في ذلك سوريا.
وما دام سوريا لا تزال تعترف بجبهة البوليساريو وتواصل دعمها، سيبقى الأمر عائقاً رئيسياً أمام أي تقارب بين البلدين، خاصة في ظل استمرار التنسيق الوثيق بين دمشق والجزائر، الذي ساهم بشكل كبير -حسب تعبيره- في تعميق الهوة بين الرباط ودمشق.
وتدعم هذا الطرح الأستاذة مليكة الزخنيني، أستاذة القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، إذ تعتبر أن جمود العلاقات بين المغرب وسوريا لأكثر من عقد كان نتيجة طبيعية لثوابت السياسة الخارجية المغربية، والتزامات المملكة الإقليمية والدولية، سواء تجاه شركائها أو حتى خصومها.
اقرأ أيضاً: «قسد» ودمشق: بين طموحات الفيدرالية وهواجس السيادة!
العلاقات السورية – المغربية بعد سقوط الأسد
وبهذا تكون العوامل التي ذكرناها وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية والموقف السوري السابق منها، ظلت تعيق أي تقارب حقيقي بين الرباط ودمشق، إلا أنه بعد سقوط نظام بشار الأسد بدأت تظهر إشارات واضحة إلى أن العلاقات بين البلدين ستشهد تحولاً كبيراً بعد سنوات طويلة من القطيعة والخلافات.
وبعد السقوط على الفور، بدأ الناس في المغرب وسوريا يتداولون تعليقات وتحليلات تساءلت عن مستقبل العلاقة بين البلدين، خصوصاً فيما يتعلق ببعض الملفات المهمة، مثل قضية المغاربة العالقين في سوريا منذ بداية الأزمة، ومدى إمكانية إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ودمشق.
في هذا السياق، دعا رئيس رابطة علماء المغرب العربي، الحسن الكتاني، الحكومة المغربية إلى الاهتمام بالمغاربة الذين شاركوا في الثورة السورية، وقال إنهم لعبوا دوراً في نصر الثورة -بحسب قوله- وينبغي الآن أن تتم تسوية أوضاعهم، وتمكينهم من العودة إلى وطنهم إذا رغبوا في ذلك، أو زيارة عائلاتهم، خاصة بعد تغيّر الأوضاع السياسية في سوريا.
هؤلاء المغاربة -بحسب الكتاني- بات عدد منهم يعمل ضمن مؤسسات الحكومة السورية الجديدة، التي انتقلت من إدلب إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد.
من جانبه، أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أن موقف المملكة من القضية السورية لم يتغير، وهو قائم على احترام سيادة سوريا ووحدتها الترابية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الحرص على استقرارها ودعم تطلعات شعبه.
وفي محاولة لفتح آفاق جديدة في العلاقات بين الشعبين المغربي والسوري، أعلن المغرب في أيار الماضي إعادة فتح سفارته في دمشق، وقد لاقت الخطوة ترحيباً من الجانب السوري، حيث عبّر وزير الخارجية أسعد الشيباني عن شكر بلاده للمملكة المغربية على هذه المبادرة.
لكن هذا التقارب لم يكن فقط من أجل تحسين العلاقات، بل له أبعاد سياسية أعمق -بحسب مجلة جون أفريك الفرنسية-، فقد ربطت المجلة بين إعادة فتح السفارة المغربية في دمشق وبين موقف سوريا من قضية الصحراء… فالمغرب، من خلال تأكيده المتكرر على “وحدة الأراضي السورية”، يبعث برسالة سياسية إلى سوريا مفادها أنه كما نؤمن بوحدة أراضيكم، نتوقع منكم دعم وحدتنا الترابية أيضاً.
وبالفعل، في حزيران الماضي، أعلنت السلطات السورية خلال زيارة وفد من الخارجية السورية إلى الرباط، أنها قررت إغلاق مكاتب جبهة البوليساريو في دمشق في مبادرة حسن نية من أجل التقارب السوري المغربي.
العلاقات بين سوريا والجزائر
ذكرنا أن العلاقات السورية – الجزائرية خلال حكم عائلة الأسد كانت جيدة خاصة وأن النظام كان يدعم جبهة البوليساريو الانفصالية، وهي التي تتلقى الدعم من الجزائر أيضاً، أما اليوم وبعد سقوط الأسد تشهد العلاقات توتراً نسبياً مع إغلاق مكاتب الجبهة في دمشق، ما أثار جدلاً واسعاً حول تداعيات هذه الخطوة، خصوصاً على علاقتها التقليدية مع الجزائر.
وبالنسبة للعلاقة القديمة يوجد تقارير عدة تحدثت عنها مؤخراً، من أبرزها تقرير لقناة DW العربية والذي نُشر في 29 أيار الماضي، بعنوان “رحلة مقاتلي البوليساريو إلى سوريا”، كشفت فيه عن إرسال مقاتلين من الجبهة إلى سوريا خلال الحرب لدعم نظام الأسد.
اتهم التقرير الجزائر بلعب دور محوري في التنسيق اللوجستي، بدعم مالي من إيران، كما أشار إلى دور حزب الله في هذا السياق، ولكن البوليساريو نفت هذه الاتهامات، واعتبرتها حملة مغربية لتشويه صورتها، في حين أكدت مصادر مغربية وجود أدلة ووثائق، وزعمت كذلك أن السلطات السورية الجديدة اعتقلت مئات من مقاتلي البوليساريو بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024.
هذه التوترات الأخيرة قد تؤثر على العلاقات السورية – الجزائرية بشكل أو آخر من الناحية السياسية أو الاقتصادية، ويرى خبراء أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للعلاقات الاقتصادية بين سوريا والجزائر، السيناريو الأول يرى أنه إذا اعتبرت الجزائر الخطوة السورية انحيازاً للمغرب، فقد تتجه لتقليص التعاون الاقتصادي بشكل تدريجي، خاصة في ظل تشابك مواقفها السياسية والاقتصادية.
أما السيناريو الثاني فيقول أن الجزائر قد تعتمد موقفاً براغماتياً فتُبقي على مستوى منخفض من التعاون مع دمشق، مع فصل نسبي بين الخلافات السياسية والمصالح الاقتصادية، أو قد يصل الأمر إلى تصعيد اقتصادي شامل في حال تطور التحالف السوري المغربي ليشمل دعماً سياسياً واقتصادياً واضحاً، وقد ترد الجزائر بإجراءات اقتصادية مثل إلغاء الاتفاقات الثنائية -بحسب السيناريو الثالث-.
جدير بالذكر أنه حتى اليوم لم تتم زيارات مهمة بين سوريا والجزائر، إذ أجريت زيارة واحدة في شباط الماضي لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف لتهنئة الرئيس السوري أحمد الشرع، إلا أنها كانت بروتوكولية ولم تُفضِ إلى تحسن واضح في العلاقات بين البلدين.
وهكذا، وبعد سنوات طويلة من التوتر والقطيعة ورغم تعقيدات الماضي، تشير المعطيات الحالية إلى تحول واضح في مسار العلاقات السورية – المغربية، مبني على إعادة ترتيب الأولويات ومراعاة المبادئ الثابتة في السياسة الخارجية للبلدين، أما بالنسبة للعلاقات مع الجزائر، فسوريا الجديدة تتبع حالياً سياسة عدم التدخل في النزاعات خارج حدودها، لكن هل يعني توافقها مع المغرب بالضرورة وجود خلاف مع الجزائر، أم أن العلاقة قد تستمر بين جميع الأطراف بشكل جيد؟
اقرأ أيضاً: العلاقات التجارية بين سوريا والأردن تنتعش مجددًا بعد إلغاء ضريبة الديزل









