العلاج بالأوكسجين: تقنية جديدة أم بيع للأوهام؟

بقلم هلا يوسف
حين يشتد المرض بالإنسان، يبحث عن أي أمل يخفف أوجاعه، ولو كان خيط رفيع يتمسك به. وغالباً ما يغيب عن أذهان الناس أن الأوكسجين الذي يشكل أساس حياتهم اليومية يمكن أن يتحول إلى وسيلة علاجية فعالة في بعض الحالات.
تعود البدايات الأولى للعلاج بالأوكسجين إلى ظروف الحرب العالمية الأولى، حين عجز الأطباء عن الحصول على أدوية لمعالجة الإصابات، فلجأ أحد الأطباء الألمان إلى استخدام غاز الأوزون كمطهر للجروح. وقد قاده هذا الاستخدام إلى ملاحظات مهمة دفعت لاحقاً الأطباء نحو دراسة العلاج بالأوكسجين، حتى وصلوا إلى تطوير غرف الضغط العالي التي أصبحت اليوم جزءاً من الأنظمة العلاجية حول العالم.
وفي هذا المقال نستعرض تجربة دخول العلاج بالأوكسجين إلى سوريا، والفوائد المنسوبة إليه، إضافة إلى وجهات نظر مشككة تسلط الضوء على جوانب مختلفة من هذا العلاج.
كيف وصل العلاج بالأوكسجين إلى سوريا؟
بدأ ظهور العلاج بالأوكسجين المضغوط في سوريا داخل المؤسسات العسكرية، إذ اعتمدت القوات البحرية والمستشفيات التابعة للقوات المسلحة هذا الأسلوب لعلاج الغطاسين والطيارين الذين يتعرضون لتبدلات الضغط خلال عملهم. ومع التوسع في التعرف إلى هذا النوع من العلاج، انتقل فيما بعد إلى القطاع الخاص، حيث أسس السوري علاء حسين مركز “بوابة المستقبل” في طرطوس، بمشاركة فريق طبي متخصص أبرزهم الدكتور بسام الياس، المعروف بخبرته في العلاج بالأوكسجين تحت الضغط العالي.
وقالت المديرة التنفيذية لمركز “بوابة المستقبل”، صبا غانم لموقع سوريا اليوم 24 إن المركز هو عيادة علاجية مرخصة من وزارة الصحة، وقد استقبل حتى الآن حوالي 7000 إلى 8000 مريض. وأوضحت أن المركز يقوم بإجراء دراسات مستمرة حول الأمراض التي يعالجها.
وفيما يخص اختصاص الأطباء في المركز، قالت غانم إن الأطباء المتواجدين متخصصون في مجالات الأوعية الدموية والأطفال، وأن العلاج بالأوكسجين يعتبر من العلاجات العلمية المعتمدة في الطب البشري، وخاصة في تخصص الأذن. كما أشارت إلى أن العديد من طلاب الطب قد أجروا دراسات ومشاريع تخرجهم حول هذا الموضوع.
في حين يوضح الدكتور الياس أن العلاج بالأوكسجين المضغوط يعد تقنية آمنة وغير جراحية، تعتمد على زيادة قدرة الجسم على الشفاء الذاتي. تعتمد آلية العلاج على رفع الضغط داخل حجرة مخصصة مصممة لتحمل ضغط جوي مرتفع، بالتزامن مع تزويد المريض بأوكسجين نقي بنسبة 100%.
ففي الظروف الطبيعية، ينقل الدم الأوكسجين عبر الكريات الحمراء بينما تذوب كمية صغيرة منه في البلازما. لكن عند زيادة الضغط يصبح بالإمكان إذابة كميات أكبر بكثير من الأوكسجين في السوائل الحيوية، ما يساعد على وصوله إلى أنسجة ضعيفة التروية أو متضررة، بما في ذلك السائل الدماغي الشوكي، والجهاز اللمفاوي، والمفاصل، والجروح العميقة أو المزمنة.
ويشير الياس إلى أن التقنية قد تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى دقة عالية ومعرفة واسعة بفيزيولوجيا الجسم، وهو تخصص غير متوفر بشكل كبير في سوريا، مما يجعل عدد الأطباء القادرين على استخدامها بكفاءة محدود.
وفي منطقة اعزاز يعمل أيضاً مركز أوتوبار للاستشفاء بالأوكسجين تحت الضغط بإشراف الدكتور مصعب الجسري وفريق متخصص. ويوضح الجسري أن هذا النوع من العلاج يستخدم في عدة مجالات، منها دعم المرضى خلال التنويم الصناعي (التخدير) أثناء العمليات الجراحية من خلال تحسين التنفس، إضافة إلى دوره في معالجة اضطرابات النوم مثل انقطاع النفس أثناء النوم. كما يستفاد منه في مساعدة المرضى المصابين باضطرابات التنفس المزمنة مثل الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، عدا عن استخدامه لتحسين القدرة البدنية للرياضيين ورفع أدائهم.
أما فيما يخص التحديات والآثار الجانبية المرتبطة بالعلاج، فيشير الجسري إلى أنها قد تشمل تهيج الجهاز التنفسي، وآلام الأذن، وجفاف الجلد والأغشية المخاطية، إضافة إلى احتمالية التسمم بالأوكسجين في حالات معينة.
لمحة تاريخية عن العلاج بالأوكسجين
يعود ظهور العلاج بالأوكسجين المضغوط إلى بدايات القرن العشرين، عندما نجح الطبيب الأميركي Orville Cunningham في استخدام الأوكسجين النقي لإنقاذ مريض كان يعاني من حالة خطيرة بسبب الإنفلونزا، ما دفعه لاحقاً لتطوير أول غرفة ضغط عالي.
وخلال الأربعينيات، اعتمدت البحرية الأميركية هذا العلاج لعلاج الغطاسين المصابين بمرض تخفيف الضغط. وبحلول الستينيات توسع استخدامه ليشمل حالات مثل التسمم بأول أكسيد الكربون، ليثبت وجوده كخيار علاجي مساعد في حالات متعددة.
أما في سوريا، فقد مرت ست سنوات على اعتماد هذا العلاج بشكل فعلي، ويؤكد الياس أن عدداً من الأمراض أظهرت استجابة وتحسن ملحوظ وفق ما وثقه الفريق الطبي المشرف، مستندين إلى المعايير التي أقرتها “منظمة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)”. كما يلفت إلى أن السنوات الماضية شهدت زيادة في الوعي تجاه هذا النوع من العلاج بين الأطباء والناس على حد سواء.
ما الأمراض التي قد يستفيد أصحابها من العلاج بالأوكسجين؟
بحسب الدكتور الياس، يمكن للعلاج بالأوكسجين المضغوط أن يكون مؤثراً في مجموعة واسعة من الحالات، منها ما يستجيب سريعاً، ومنها ما يكون جزءاً من معالجة طويلة، ومن بين هذه الحالات:
- نقص السمع المفاجئ
- شلل الوجه النصفي (اللقوة المحيطية) في حال حدوثه حديثاً
- مرض تخفيف الضغط لدى الغطاسين
- الأضرار الناجمة عن حالات الغرق
- التسمم بأول أكسيد الكربون أو السيانيد
- مضاعفات السكري مثل اعتلال الأعصاب والقرحات السكرية والنخرة الجافة
- داء برتس
- الألم الليفي العضلي (الفيبروميالغيا)
- التهابات العظم والنقي (Osteomyelitis)
- الجروح المزمنة التي يصعب التئامها
كما يضيف الياس أن العلاج يمكن أن يساهم في تحسين صعوبات التعلم وتأخر التطور المعرفي والحركي وتخفيف آثار نقص الأوكسجين عند الأطفال.
التشكيك في فعالية العلاج
رغم النتائج التي يذكرها القائمون على العلاج، إلا أن أصواتاً طبية ترى أن فعاليته محدودة عكس ما يتم الترويج له. إذ يشير طبيب مختص بأمراض الأطفال إلى أنه في الحالات التي سمع بها لم يتجاوز التحسن نسبة 1% رغم خضوع بعض المرضى لأكثر من عشر جلسات.
ويقدم الطبيب مثالاً على ذلك بقوله أن الأطفال الذين تعرضوا لنقص شديد في الأكسجة وتضررت مناطق من أدمغتهم لا يمكن أن يعودوا إلى وضعهم الطبيعي، فالأذية الدماغية الناتجة عن نقص الأوكسجين تكون غالباً غير قابلة للشفاء. كما يؤكد أن وجود بؤر صرعية يتطلب عادةً تدخلاً جراحياً، وليس للعلاج بالأوكسجين.
ويشير الطبيب أيضاً إلى عدم وجود أي توصيات رسمية من منظمة الصحة العالمية تؤكد فعالية العلاج بالأوكسجين في الاضطرابات التطورية أو السلوكية التي يتم الترويج لها.
وفي نفس السياق، تؤكد اختصاصية في العلاج النفسي أن اضطرابات مثل التوحد وفرط الحركة وصعوبات التطور تستلزم برامج علاج سلوكي مكثف وطويل الأمد، وترى أن الاعتماد على جلسات الأوكسجين وحدها لن يجعل الطفل مثل أقرانه الأصحاء، محذرة من استغلال آمال الأهالي وأموالهم.
وعند سؤالنا عن مدى فعالية العلاج بالأوكسجين بعد التشكيك بفعاليته، أوضحت غانم أن الاستفادة تختلف من مريض لآخر. في بعض الحالات، يكون العلاج بالأوكسجين هو العلاج الأساسي، بينما في حالات أخرى يكون علاجاً داعماً أو إسعافياً. وأضافت أنه كلما تم العلاج بشكل أسرع، كانت النتيجة أفضل. كما أكدت أن المركز لا يستقبل الحالات التي لا يمكن أن تستفيد من العلاج، مثل حالات الأذية الدماغية الشديدة التي تؤدي إلى موت جزء من الدماغ، حيث لا يوجد فائدة في هذه الحالة. ولكن إذا كانت هناك خلايا دماغية حية غير نشطة، فالعلاج بالأوكسجين يساعد في تحفيزها على العمل. وفي حالات تأخر النمو الحركي أو الروحي لدى الأطفال، تختلف الاستفادة بناءً على درجة التأخر.
أما بالنسبة للتكاليف، فقد أشارت غانم إلى أن سعر الجلسة يصل إلى حوالي 200 ألف ليرة سورية في الساعة، ويختلف هذا السعر حسب نوع المرض وعدد الجلسات المطلوبة.
ووفق بيانات اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية، يقتصر دور العلاج بالأوكسجين في المقام الأول على حالات نقص الأكسجة، والالتهاب الرئوي، وأمراض الجهاز التنفسي، وتم الاعتماد عليه بشكل كبير بعد انتشار جائحة كوفيد–19. وتشير المنظمات إلى أن الالتهاب الرئوي مسؤول عن نحو 15% من وفيات الأطفال دون الخامسة، ما يجعل الأوكسجين علاج أساسي في هذه الحالات.
في النهاية، العلاج بالأوكسجين إن لا ينفع فحتماً هو لا يضر، والدليل على ذلك عدم ورود شكاوى حول المراكز التي تتبع هذا النمط من العلاج. والمريض يرى 1% من الشفاء نسبة ذهبية في حال عدم الاستفادة نهائياً على العلاجات الدوائية.
اقرأ أيضاً: بعد الارتفاع الواضح بالأمراض التنفسية: هل نحن أمام خطر إنفلونزا جديدة؟









