أعمال واستثمار

العقوبات الأميركية على سوريا: انفتاحٌ مشروط أم ضغطٌ مستمر؟

الكاتب: أحمد علي

كانت سورية، طويلاً، على تخوم خرائط القوى واشتباكات الحسابات؛ لكنّ اللحظة السياسية التي أعقبت سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 فتحت نوافذ غير مألوفة في جدار العلاقات السورية–الأميركية. هنا لا نتحدّث عن بيان عابر أو تسوية لفظية، بل عن تحوّل أدوات السياسة الأميركية نفسها: من مقاربةٍ عقابيةٍ صِرفة إلى هندسة دقيقة للرُّخَص والإعفاءات؛ أدوات “ناعمة” تبدو تقنيةً في ظاهرها، لكنها محمّلة برسائل استراتيجية صريحة. الورقة البحثية التي أعدّها مركز حرمون تلتقط هذه اللحظة بعدسةٍ واسعة، وتُعيد تركيب مشهد العقوبات الأميركية على سوريا في ضوء رُخَصٍ عامة جديدة، ومواقف سياسية متبدلة، وأمر تنفيذي أحدث تعديلاً جوهرياً في بنية القيود.

العقوبات الأميركية على سوريا: من رُخصٍ انتقائية إلى فتحٍ مشروط

تبدأ الورقة بتأطير منهجي لطريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الدول الخاضعة للعقوبات: سياسة “الرُّخَص” كأداة مرنة تُفتح وتُغلق بحسب الهدف؛ دعمٌ إنساني موجّه، اختبار سلوك حكومي، أو إعفاءات مخصوصة لشركات بعينها. في 23 أيار 2025 صدرت رُخصتان تخصان سورية: الأولى شاملةٌ للقطاعات مع استثناءات محددة، والثانية موجّهة للبنك التجاري السوري. وهذه سابقةٌ من حيث كون الغاية المعلنة ليست تخفيف الأزمات فحسب، بل مساندة الحكومة السورية اقتصادياً بصورة مباشرة. ثم في 30 حزيران صدر أمرٌ تنفيذي أميركي ألغى عدداً من الأوامر السابقة وقدم إعفاءاتٍ جديدة ضمن منظومة العقوبات على سورية، ما كرّس التوجّه نحو “انفتاحٍ مشروط” يربط الفوائد الاقتصادية بسلوكٍ سياسي قابل للقياس.

تلفت الورقة، بدقة مقارنة، إلى أنّ الرُّخَص الأميركية بين 2022 و2025 تجاه دولٍ كإيران وروسيا وفنزويلا كانت –في معظمها– إمّا إنسانية عامة أو موجّهة لشركات محددة، ونادراً ما طالت الحكومات مباشرة وبمدد مفتوحة. بينما المشهد السوري يُخالف هذه القاعدة؛ فالرُّخص منذ أيار 2025 تستهدف الدولة السورية نفسها بعد 13 أيار، بوصفها رافعةً لتعافٍ مبكر، لا مجرد صمّام إنساني مؤقت. بهذا، تصبح العقوبات الأميركية على سورية أداة ضغطٍ تُستخدم –للمرة الأولى منذ سنوات– لفتح مساحات اقتصادية مقننة، بدل الاقتصار على خنقٍ اقتصادي متدرّج.

قبل اللقاء وبعده: لغة واشنطن تتبدّل تدريجياً

ترصد الورقة مسار المواقف الأميركية قبيل لقاء الرئيسين السوري والأميركي في الرياض بتاريخ 14 أيار 2025، وبعده. فبين تصريحاتٍ ترحّب بسقوط النظام مع توجّسٍ من طبيعة الحكم الجديد، ومواقف أخرى تطالب بإعادة تقييم السياسة تجاه دمشق والسماح بفرصة للتعافي وإعادة الإعمار، يتشكّل خطابٌ إداري–سياسي جديد في مستويات دون رئاسية، تلاه لاحقاً كلام رسمي أكثر وضوحاً. تذكر الورقة، مثلاً، سماح الولايات المتحدة لقطر في 7 أيار 2025 بتمويل رواتب القطاع العام في سورية –باستثناء الأمن والدفاع– بوصفه إشارة عملية على نية إسناد التعافي المالي للخدمات الأساسية. ثم جاء اللقاء الرئاسي نفسه ليشكّل نقطة انعطاف: بعده مباشرةً أُعلنت الرُّخَص الجديدة، وظهر خطابٌ رسمي أميركي يَعِد بأن تضع الإجراءات “البلاد على مسار مستقبلٍ مشرق ومزدهر ومستقر”، مع اعترافٍ صريح بأن الإعفاءات المتكررة تُربك الاستثمارات طويلة الأجل، ما يستدعي إطاراً أكثر استقراراً من الرخص المؤقتة.

وتوثّق الورقة تتابع إشارات الانفتاح: زيارة عضوٍ في الكونغرس إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري، وتعيين مبعوث للبنك الدولي إلى سورية، وتكليف السفير الأميركي في أنقرة “توم باراك” بملفّ دمشق وزيارته لها، ثم بروز ملفّ إزالة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب على جدول النوايا السياسية الأميركية. وبموازاة ذلك، طُرح مشروع قانونٍ لإلغاء “قانون قيصر” في مجلس الشيوخ بمبادرةٍ عابرة للحزبين، بما يشي بأن استراتيجية الرُّخَص قد تكون جسراً إلى تعديلٍ أوسع في بنية العقوبات. هذه كلها تطورات تُقرأ في الورقة بوصفها مؤشرات إلى استراتيجية انفتاحٍ مشروط أكثر منها قطيعةً تامة مع منطق الضغط.

الرُّخص الجديدة: خرائط الاقتصاد المسموح

لا تقتصر مساهمة الورقة على رصد المواقف؛ فهي تُفكّك مضمون الرُّخصتين الصادرتين في أيار 2025 وحدود الاستثناءات المرافقة لهما، وتعرض، عبر “أداةٍ تفاعلية” أعدّها الباحث، قائمة المؤسسات والكيانات التي شملتها الرخصة، بما يتيح لرجال الأعمال والجهات المانحة والهيئات الخدمية تحديد “الممرات القانونية” للعمل. هذه المقاربة تُظهر كيف تحوّلت العقوبات الأميركية على سورية من جدارٍ مصمت إلى شبكةٍ ذات فتحات محسوبة: قطاعات البنية التحتية والخدمات الأساسية والتعليم والاتصالات، ومعها مساراتٌ مصرفية محددة عبر ترخيص للبنك التجاري السوري، بما يخلق قناةً رسمية للتعاملات المالية الضرورية للتعافي المبكر، مع بقاء القيود على القطاعات السيادية الحساسة.

وتستعيد الورقة تاريخ الرُّخَص السابقة لتضع “قفزة 2025” في سياقها: رُخصٌ إنسانية بعد جائحة كورونا 2020 وزلزال شباط 2023 لمدة ستة أشهر، رُخصٌ جغرافية مفتوحة لمناطق خارج سيطرة النظام في الشمالين الشرقي والغربي، ورخصة لأنشطةٍ تركية خدمية في تلك المناطق. الفارق الآن أنّ الرخصة الشاملة السورية تستهدف الدولة ذاتها بعد تاريخٍ مرجعي واضح (13 أيار 2025)، ما يضفي شرعيةً اقتصادية على الحكومة الانتقالية ويمنحها أدوات تشغيليّة لا تتوافر عبر مسارات الإغاثة التقليدية.

الأمر التنفيذي: تفكيك الإرث وإعادة ترتيب السقوف

تتناول الورقة الأمر التنفيذي الأميركي الصادر في 30 حزيران الذي ألغى عدداً من الأوامر السابقة وقدّم إعفاءاتٍ جديدة، وتُشير –على نحو نقدي– إلى التباسٍ في التاريخ داخل المتن (يرد في موضعٍ 2025 وفي آخر 2024)، وهو تفصيلٌ لافت تُسجّله الورقة بإخلاصٍ توثيقي. جوهر الرسالة، على أي حال، أنّ واشنطن تتحرك من مربع “الإعفاءات الاستثنائية” إلى مربع “الهندسة القانونية” لاقتصاد سورية الانتقالي: فتحٌ مدروس، إبقاءٌ على مفاتيح الضغط، وسقفٌ سياسي يربط التوسع الاقتصادي بمؤشرات سلوكٍ داخلي وخارجي (استقرار أمني، مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود، والتزامات مالية شفافة). بهذا المعنى، يصبح الأمر التنفيذي امتداداً عقابياً مخففاً لا انقلاباً على فلسفة العقوبات.

ما الذي بقي من العقوبات… وما الذي تغيّر؟

لا تُوهم الورقة القارئ بأننا إزاء “رفعٍ شامل”؛ فثمة عقوبات باقية ومجالات سيادية محظورة، وقيود على أسماء وكيانات لم تُرفع عنها القيود، فضلاً عن التحفّظات المؤسسية داخل واشنطن وإعلامها. لكنها تؤكد أن المساحات الاقتصادية المفتوحة –إذا أُحسن استخدامها داخلياً– يمكن أن تُحفّز سلسلة قرارات لاحقة: من مراجعات لائحة الإرهاب إلى نقاشٍ أوسع داخل الكونغرس حول جدوى استمرار العقوبات بصيغتها القديمة. في المقابل، تحذّر من أن الرُّخَص المتكررة وغير المستقرة تُضعف شهية الاستثمار الخاص طويل الأجل، وهو ما اعترف به رسمياً وزير الخارجية الأميركي نفسه. لذلك، فالخلاصة التنفيذية التي تغزلها الورقة: الانفتاح قائم لكنه مشروط، والكرة ليست فقط في ملعب واشنطن، بل أيضاً في ملعب الدبلوماسية السورية واللوبيات السورية–الأميركية وقدرتها على تثبيت هذا المسار في المؤسسات الأميركية.

قراءة ختامية: سياسة بالمسطرة

تُظهر الورقة أنّ العقوبات الأميركية على سوريا لم تعد عنواناً صلداً على جدارٍ سياسي، بل مصفوفةً قابلة للقولبة: رُخصٌ عامة تتسع بقدر ما تتسع مساحة الثقة، أمرٌ تنفيذي يزيح أحجاراً قديمة لتمهيد طريقٍ اقتصادي محدود، ومواقف سياسية وإعلامية ومنظماتية تميل –بتفاوت– نحو منح التجربة الانتقالية فرصة.

ختاماً، إن القيمة المضافة لهذه الدراسة ليست في سرد الوقائع فحسب، بل في تحويل “التقني” إلى “استراتيجي”: قراءة الرُّخص كخرائط نفاذ، والتواريخ كعلامات على طريق تفاوضٍ طويل، والاقتصاد كحقل اختبارٍ لجدية التحول. هذا بالضبط ما يجعلها مرجعاً عملياً لصنّاع القرار والمانحين والقطاع الخاص في شهورٍ ستُحدّد شكل الاقتصاد السياسي السوري لسنوات.

اقرأ أيضاً: كيف سيؤثر قرار رفع العقوبات على الاقتصاد السوري؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى