سياسة

العشائر والبدو في مناطق «قسد».. صورة محايدة لمشهد معقد!

الكاتب: أحمد علي

بعد أحداث السويداء الأخيرة التي وضعت العشائر والبدو في دائرة الضوء، اتجهت الأنظار إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي من سوريا. إذ تكثر التحليلات حول احتمال وقوع صدام بين قسد وأجهزة السلطة السورية الجديدة، لكن هذا السيناريو ليس حتمياً بالضرورة. من هنا، فإن هدفنا فيما نكتب الآن هو ليس الانحياز لأي طرف البتة، بل تقديم صورة موضوعية وشاملة عن واقع العشائر والبدو في تلك المناطق، واصطفافاتها الممكنة إذا ما وقع صدام كهذا. سنستعرض الفروق بين العشائر والبدو، ونتتبع ولاءاتهم التاريخية وتحولاتها قبل سقوط سلطة بشار الأسد وبعدها، وصولاً إلى المرحلة الراهنة تحت السلطة الجديدة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع. كذلك سنناقش تأثير القوى الإقليمية على توجهات تلك القبائل، مع التأكيد منذ البداية على أن غايتنا فهم المشهد لا مهاجمة أي طرف فيه.

العشائر والبدو: فهم الفروق والانتشار

يعد العرب العشائريون والبدويون مكوّناً أساسياً للمجتمع السوري بما في ذلك في شرق وشمال سوريا. تاريخياً، هاجرت قبائل عربية من شبه الجزيرة العربية واليمن إلى بادية الشام منذ قرون، واستقرت في مناطق واسعة من الشرق السوري (دير الزور والرقة والحسكة وأرياف حلب) وحتى تخوم السويداء جنوباً. ورغم هذا الانتشار الجغرافي الكبير، هناك تمايز في نمط الحياة بين من نسميهم العشائر وبين عشائر البدو.

العشائر البدوية هي التي بقيت مرتبطة بأسلوب الحياة الصحراوي والترحال؛ يعتمدون على تربية الإبل والأغنام والتنقل الموسمي بحثاً عن الماء والكلأ، متمسكين بقيم وأعراف بدوية تقليدية. كثير من هذه القبائل البدوية اضطر للاستقرار قرب المدن بعد عام 2011 نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، لكنهم حافظوا على هويتهم البدوية واسم «عشائر البدو» ملازم لهم. في المقابل، هناك عشائر شبه بدوية أو متحضّرة: فئات استقرت منذ أجيال في القرى وضواحي المدن، واندمجت جزئياً أو كلياً في الحياة الزراعية والتجارية، رغم احتفاظها بأسمائها وأنسابها القبلية.

هذا التصنيف مهم لفهم أن الولاءات والتحركات تختلف باختلاف نمط معيشة القبيلة؛ فالعشيرة المستقرة في مدينة كبيرة قد تكون أقل اندفاعاً للصراع من قبيلة بدوية اعتادت حماية طرق البادية والتكيف مع الظروف القاسية. ومع ذلك، يبقى النظام العشائري عموماً قائماً على الولاء لشيوخ القبائل والعصبية القبلية، سواء كان أفراد القبيلة بدواً رُحّلاً أم مزارعين مستقرين.

من حيث الحجم والتعداد، يصعب حصر أعداد دقيقة للعشائر السورية. لا توجد إحصاءات رسمية حديثة، لكن بعض التقديرات تشير إلى وجود نحو 25 قبيلة عربية كبرى في سوريا تتفرع منها مئات العشائر. ويذهب باحثون إلى أن نسبة السوريين من خلفيات عشائرية قد تصل إلى 60% من السكان – وهي نسبة كبيرة تعكس عمق الجذور القبلية في المجتمع – رغم أن النظام التعليمي السوري قبل 2011 كان يهمّش دور العشائر ويدّعي أنها لا تتجاوز 3%.

في المناطق الخاضعة لسيطرة قسد تحديداً، يشكّل العرب (معظمهم من أبناء القبائل) غالبية ساحقة من السكان؛ إذ يقيم العرب بنسبة تفوق 90%  في تلك المناطق. هذا الواقع الديمغرافي يعني أن فهم مواقف القبائل هناك أمر حيوي لأي سيناريو مستقبلي، وأن العشائر ستكون لاعباً رئيسياً في تقرير مصير المنطقة سواء سلماً أو حرباً.

ما قبل 2011: تهميش ثم استقطاب في عهد الأسد

في العقود التي سبقت الحراك الثوري السوري في 2011، اتّبع نظام حافظ الأسد ثم ابنه بشار سياسة تهميش ممنهجة للقبائل والعشائر. فقد جُرّدت القيادات التقليدية من أي نفوذ حقيقي، وأقصيت العشائر عن مراكز القرار، حتى أن أقصى ما كان يطمح له شيخ العشيرة هو مقعد شكلي في مجلس الشعب يُستخدم لإظهار صورة وحدة وطنية لا أكثر.

كانت الدولة المركزية القوية تسعى لطمس الولاءات القبلية لصالح الولاء للنظام، فغابت العشيرة عن المشهد السياسي العلني تقريباً. لكن مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011، تغير حساب النظام رأساً على عقب. انخرط عدد كبير من أبناء العشائر في صفوف المعارضة المسلحة، فانتاب النظام القلق من خسارة تلك الحواضن الاجتماعية الكبيرة. سارع بشار الأسد إلى عقد لقاءات استرضائية مع زعماء القبائل لمحاولة احتوائهم. بعض هؤلاء الشيوخ استجاب ودخل في تشكيل ميليشيات موالية للنظام، أبرزها قوات «الدفاع الوطني» التي أُنشئت لمواجهة تصاعد قوة المعارضة. واستمر النظام خلال سنوات الحرب بتنظيم ملتقيات عشائرية تحت مسميات مثل «خيمة الوطن»، يجمع فيها بعض شيوخ القبائل الموالين ليظهر أن العشائر تقف مع الدولة.

رغم تلك المحاولات، لا يمكن القول إن أي عشيرة اصطفت بالكامل وراء النظام أو المعارضة كمجموعة واحدة متماسكة. يؤكد الباحثون أن العشيرة لم تعد كتلة صلبة واحدة تتحرك بإشارة من شيخها كما في الماضي. فقد أضعفت عقود الدولة المركزية الروابط التقليدية، وجاءت الحرب لتقسم أبناء العشيرة الواحدة بين ولاءات مختلفة. بالفعل، انقسم أفراد كثير من القبائل بين مختلف القوى المتصارعة؛ بعضهم انضم للمعارضة المسلحة أو «الجيش الحر»، وآخرون التحقوا بجيش النظام أو ميليشياته، فيما اختار غيرهم الولاء لتنظيمات إسلامية متطرفة ظهرت خلال الفوضى.

وجد كثير من أبناء العشائر في مناطق سيطرة النظام أنفسهم بين خيارات قاسية: السجن أو الجوع أو الانخراط في جيشه ومليشياته. لذا، اضطر جزء منهم للعودة إلى «حضن الوطن»، بينما ظل آخرون يترقبون فرصة سانحة للانشقاق والخلاص. الصورة إذاً معقدة: القبيلة الواحدة قد تضم موالين للنظام ومناهضين له في آن واحد، وفق مصالح كل فرد وظروفه الشخصية.

على جانب النظام وحلفائه، حاولت إيران استغلال ورقة العشائر لتعزيز نفوذها شرقاً. فمع تقلص سيطرة الجيش النظامي في بادية الشام والجزيرة، دعمت طهران تشكيل ميليشيات عشائرية موالية لها ضمن جهود محاربة الفصائل المناوئة. استخدم نظام الأسد وبعض شيوخ القبائل كقادة لتشكيلات مثل قوات الدفاع الوطني وميليشيات أخرى مدعومة إيرانياً، مقابل رواتب وإمدادات.

لم يكن ذلك بلا ثمن؛ فقد أغرت إيران والنظام بعض وجهاء العشائر بالمال والنفوذ للقتال ضد خصومهما. قصة الشيخ نواف البشير – أحد أبرز شيوخ قبيلة البقارة – تمثل مثالاً صارخاً لتحوّل الولاءات. فالبشير وقف في بدايات الثورة مع المعارضة بقوة، واعتُقل بسبب ذلك وذاع صيته في مظاهرات مؤيدة له. لكنه فاجأ الجميع عام 2016 بالعودة إلى دمشق وتقديم اعتذار علني للنظام عما بدر منه، معتبراً مواقفه السابقة «سوء تقدير». لم يكتفِ الشيخ بقلب موقفه، بل هاجم المعارضة التي كان جزءاً منها، ثم أسس لاحقاً ميليشيا موالية للنظام سماها «فيلق أسود العشائر السورية»، شاركت في القتال إلى جانب قوات الأسد ضد قسد. هكذا تحول البشير من داعية لإسقاط النظام إلى حليف لإيران والنظام يقاتل أبناء جلدته في صفوف قسد. أمثال هذه القصص تكررت بأشكال مختلفة؛ بعض زعماء القبائل تنقلوا بين ولاءات متعارضة وفق تغير موازين القوى، في محاولة منهم للبقاء والتكيف، تماماً كما تفعل بقية الجماعات المسلحة في الحروب.

جدير بالذكر أيضاً أن بعض القبائل انحازت إلى القوى الكردية في خضم الفوضى. على سبيل المثال، قبيلة شمر العربية الكبيرة وجدت مصلحتها في التحالف مبكراً مع الوحدات الكردية ضد تنظيم «داعش». أبناء شمر (بقيادة الشيخ حميدي دهام الهادي وابنه بندر) شكلوا قوات الصناديد وانضموا إلى تحالف قسد منذ تأسيسه عام 2015، ليحافظوا على نفوذهم المحلي ويحصلوا بالمقابل على دعم عسكري لمواجهة عدو مشترك.

كذلك ظهرت قوات النخبة بقيادة أحمد الجربا (وهو من شيوخ شمر أيضاً) لتقاتل إلى جانب قسد ضد داعش، مستقطبة مقاتلين من قبيلته ومن عشائر الشعيطات في دير الزور. هذه الأمثلة تبين أن بعض العشائر التي كانت تربطها صلات سابقة بالنظام أو بإيران اختارت التحالف مع قسد والقوات الكردية لأسباب براغماتية – إما حماية مناطقها من تنظيم داعش، أو بدافع الحصول على دور في الإدارة الجديدة بدعم من التحالف الدولي.

بالمقابل، انضم بعض أبناء القبائل الذين خدموا سابقاً في جيش النظام أو ميليشياته إلى هياكل قسد المدنية والعسكرية بعد سيطرتها على مناطقهم، بحثاً عن موقع في السلطة الجديدة وتأميناً لمجتمعاتهم المحلية. باختصار، ولاءات العشائر خلال الحرب تراوحت على طيف واسع: موالاة للنظام وإيران، أو انخراط في المعارضة، أو تنسيق مع الأكراد وقسد، أو حتى مبايعة لداعش تحت الترهيب. ولم تكن هذه الاصطفافات ثابتة، بل قابلة للتبدل السريع مع تبدل الظروف.

العشائر والبدو تحت حكم قسد: تحالفات وتوترات

في أواخر عام 2015، تكوّن تحالف قسد بدعم أميركي للقضاء على تنظيم داعش. سيطرت قسد التي تقودها قوات كردية (وحدات حماية الشعب) على مساحات واسعة ذات أغلبية عربية عشائرية (محافظات الرقة ودير الزور وجزء كبير من الحسكة ومنبج بريف حلب). منذ البداية، أدركت قسد أنها تحتاج دعم العشائر المحلية لضمان الاستقرار في هذه المناطق العربية. لذلك سعت إلى استمالة زعماء القبائل عبر مجالس محلية ومؤتمرات عشائرية. انعقد ملتقى العشائر في عين عيسى (شمال الرقة) في مايو 2019 بمشاركة وجهاء من الجزيرة السورية، كأكبر تجمع حواري نظمته الإدارة الذاتية لـ «خطب ودّ» القبائل. لكن تلك الجهود قوبلت بتحفظ من بعض العشائر ورفض من أخرى، وتعرّضت لانتقادات حادة من النظام وروسيا اللذين اتهما الأكراد بمحاولة «شطر البلاد» عبر هذا المؤتمر. وهكذا بقيت علاقة قسد مع القبائل يشوبها التوتر وانعدام الثقة رغم التحالفات التكتيكية.

على الأرض، قامت قسد بدمج العديد من أبناء العشائر في صفوفها العسكرية ضمن تشكيلات ذات صبغة محلية. مجلس دير الزور العسكري مثلاً ضم مقاتلين عرباً من قبائل المحافظة، وأسندت قيادته لشخصيات عشائرية (مثل أحمد الخبيل الملقب أبو خولة، وهو من عشيرة البكير إحدى فروع العكيدات). كما تشكّلت مجالس عسكرية محلية في الرقة والحسكة يقودها أبناء القبائل (كثير منهم كانوا سابقاً في الجيش الحر أو جماعات أخرى). هذه المشاركة منحت قسد واجهة عربية محلية وغطاءً اجتماعياً في مناطق غالبية سكانها عرب، وساعدت في كسب تعاون شريحة من الأهالي، خاصة خلال معارك تحرير مدنهم من داعش عامي 2017 و2018. وبالفعل، رأى بعض أبناء العشائر في قسد حليفاً ضرورياً لحفظ الأمن في مناطقهم ومنع عودة تنظيم داعش. فمن عايشوا فظائع التنظيم المتشدد، فضّلوا التعاون مع الإدارة الكردية المدعومة أميركياً على المخاطرة بفراغ أمني قد يستغله داعش للعودة. هذه الفئة تغاضت عن خلافاتها مع قسد مؤقتاً، معتبرةً الشراكة معها أهون الشرين لضمان الاستقرار.

بيد أن شيوخاً آخرين وشرائح واسعة من القبائل ظلّت متوجسة أو رافضة لحكم قسد. تراكمت عدة عوامل وراء نفور العشائر العربية من سلطة الإدارة الذاتية الكردية: أولها شعور بالتهميش السياسي، حيث تُتهم قسد بأنها تسيطر على القرار وتقصي القيادات العربية عن مواقع السلطة الفعلية. إضافة إلى ذلك، فرضت قسد مناهج تعليم جديدة وترتيبات إدارية اعتبرها الأهالي محاولة لطمس هويتهم العربية الإسلامية. جاء أيضاً التجنيد الإجباري الذي فرضته الإدارة على شباب المنطقة ليزيد الاحتقان، إذ رأته العشائر تعدياً على حرياتها وعاداتها. وفوق ذلك برز خلاف حول ثروات المنطقة، خاصة النفط الذي تتركز حقوله في ريف دير الزور: اشتكت العشائر من استئثار قسد بعوائده وعدم انعكاسه تنميةً على المجتمعات المحلية الفقيرة. وأخيراً، اتهم بعض العرب قسد بازدواجية الموقف تجاه نظام الأسد، إذ رأوا أنها ربما تتحالف مع النظام سراً أو تجري معه ترتيبات سياسية تخدم الأكراد على حساب العرب. هذه الأسباب وغيرها ولّدت احتقاناً وصل في حالات عديدة إلى مواجهة مفتوحة.

أبرز تلك المواجهات كانت انتفاضة العشائر في صيف 2023 بشرق الفرات. في أواخر آب من ذلك العام، اعتقلت قسد قائد مجلس دير الزور العسكري (أبو خولة) إثر خلافات داخلية، ما فجّر غضباً مكتوماً لدى عشيرته العكيدات وعشائر أخرى رأت في الخطوة استهدافاً لنفوذ العرب. سرعان ما تصاعدت الاحتجاجات إلى اشتباكات مسلحة واسعة النطاق بين مقاتلين عشائريين (بعضهم من عناصر مجلس دير الزور المنشقين وآخرين متطوعين من الأهالي) وبين قوات قسد. ووفق تقارير ميدانية تمكنت عشائر البكيّر والعكيدات من طرد قسد مؤقتاً من مناطق شاسعة في ريف دير الزور الشرقي. توسعت الشرارة أيضاً لتشمل احتجاجات وتعاطف قبلي في الرقة والحسكة وحتى ريف حلب الشرقي، ضمن المناطق ذات الأغلبية العربية. خلال أيام قليلة، اهتزت قبضة قسد الأمنية واضطرت للتحرك بقوة لإخماد الانتفاضة بدعم من التحالف الدولي. ورغم أن قسد أعادت بسط سيطرتها العسكرية في نهاية المطاف، فقد كشفت هذه الأحداث عن شرخ عميق في العلاقة بينها وبين العشائر. قتل العشرات من الطرفين وسقط ضحايا مدنيون، وتبيّن أن ما كان يُعتبر «تعايشاً» بين الجانبين لم يكن إلا تعايشاً قسرياً مفروضاً بقوة السلاح. منذ ذلك الحين والعلاقة متوترة جداً، ولم تفلح محاولات الصلح الهشّة في إزالة الاحتقان بالكامل.

بعد تلك المواجهات، اتخذ وجهاء العشائر خطوات جريئة للتعبير عن مطالبهم. قبل أيام قليلة (في منتصف تموز 2025)، أصدر شيوخ ووجهاء من قبائل دير الزور والحسكة والرقة بياناً مشتركاً موجّهاً إلى قيادة التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة. طالب البيان بوقف الدعم السياسي والعسكري المقدم لقوات قسد، متهمين إياها بممارسات قمعية ضد العرب وانتهاكات أدت لانعدام الاستقرار. ودعا الوجهاء إلى إعادة تمكين الدولة السورية الجديدة من بسط سلطتها، في إشارة إلى الرغبة بإنهاء الإدارة الذاتية الكردية الحالية. هذا الموقف العلني يعكس مدى الاحتقان: حين يصل الأمر بشيوخ القبائل (الذين كانوا حلفاء ضمنيين للتحالف ضد داعش) إلى مخاطبة الأميركيين لرفع الغطاء عن قسد، فإن التحالف القائم يصبح على وشك الانهيار.

مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن مواقف العشائر ليست موحدة تماماً تجاه قسد. فحتى الساعة، لا تزال بعض القبائل تتعاون معها ضمنياً حفاظاً على المكاسب الأمنية أو الإدارية التي تحققت. كما أن الخوف من المجهول ومن عودة الفوضى يجعل جزءاً من الأهالي يتردد في الانخراط في مواجهة جديدة. بكلمات أخرى، يمكن تقسيم مواقف العشائر حالياً إلى ثلاث فئات: فئة ناقمة ومتمرّدة تنتظر الفرصة للانتفاض كما حصل في 2023، وفئة متعاونة أو صابرة على مضض ترى في استمرار وضع قسد الحالي ضماناً نسبياً للأمن (خاصة ضد فلول داعش)، وأخيراً فئة صامتة مترقبة تحاول النأي بالنفس حتى تتضح ملامح القوة الغالبة قبل أن تحسم ولاءها.

يدرك أبناء العشائر، من خلال تجارب العقد الماضي الدامية، أن السلام الهش تحت إدارة قسد قد يكون أحياناً أفضل من حرب مفتوحة جديدة تدمر مناطقهم. لكنهم بالمقابل يحتفظون بسلاحهم التقليدي وحرصهم التاريخي على الاستقلالية النسبية، مترقبين لحظة تغير موازين القوى لاتخاذ الموقف الذي يضمن بقاءهم. وهذا ما عبّر عنه أحد الباحثين بقوله إن العشائر كثيراً ما تنسج تحالفاتها بناء على تبدّل موازين القوى على الأرض، سعياً للبقاء والتكيف مثل بقية الجماعات المسلحة. أي أنها ليست مجرد أدوات بيد الآخرين، بل تمتلك قدراً من البراغماتية والقرار المستقل يمكّنها من تغيير ولاءاتها لحماية مصالحها.

ما بعد الأسد: السلطة الجديدة وتحولات الولاء

مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وصعود إدارة انتقالية جديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في دمشق، وجدت العشائر السورية نفسها أمام واقع سياسي مختلف تماماً. سارع الشرع إلى إعادة نسج الصلات مع العشائر في مختلف أنحاء البلاد. فبعد أيام فقط من انهيار حكم الأسد، التقى الرئيس الانتقالي بعدد من زعماء القبائل في العاصمة دمشق، في رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة تعتبر العشائر شريكاً أساسياً. كما حضرت وفود قبلية مؤتمر الحوار الوطني الذي أطلقته السلطات الجديدة في شباط 2025، حيث طُرحت رؤى لمستقبل سوريا بمشاركة جميع المكونات. هذا الاحتضان الرسمي للعشائر يمثل قطيعة مع عهد الأسد الذي همشها؛ فالسلطة الحالية تدرك أن الشرعية والاستقرار في كثير من المناطق رهنٌ برضى القبائل الكبيرة.

على الأرض، ومع اندلاع الاشتباكات الأخيرة في السويداء (تموز 2025) بين جماعات مسلحة في المحافظة وقوات الأمن والدفاع، أعلنت بعض العشائر بوضوح انحيازها إلى دمشق. فقد أصدر مجلس القبائل والعشائر السورية بياناً دان فيه «الجرائم النكراء» التي ارتكبتها ما وصفها بالمجموعات الخارجة عن القانون في السويداء – في إشارة إلى الفصائل المسلحة المحلية – ودعا قوات الدفاع الوليدة إلى ضربها بيد من حديد. هذا المجلس كان قد تشكل بدعم تركي قبل سنوات (في 2018) وضم نحو 150 عشيرة وقبيلة من مختلف المحافظات، وها هو اليوم يقف في صف السلطة الجديدة في دمشق. كما أن عشائر البدو في جنوب البلاد تحالفت مع قوات الأمن الحكومية خلال أحداث السويداء، وقاتلت إلى جانبها ضد الفصائل المسلحة في السويداء. ومع دخول قوات الدفاع مدينة السويداء لأول مرة منذ سقوط الأسد، برز دور العشائر كحليف ميداني مهم للدولة الناشئة. هذه التطورات تدل على أن كثيراً من الميليشيات العشائرية التي كانت بالأمس القريب تدين بالولاء للأسد أو لإيران، وجدت طريقها تلقائياً للاندماج في الدولة الجديدة بقيادة الشرع. فالعلاقة بين الطرفين كما يصيغها المؤيد لهم، تكاد تكون امتداداً لتحالفهما ضد أعداء مشتركين (تنظيمات متطرفة أو جماعات انفصالية)، وإن تبدلت هوية السلطة المركزية.

يمكن القول إن بوصلة الولاءات القبلية بعد سقوط الأسد أخذت تميل تدريجياً نحو السلطة المركزية الجديدة. فالعشائر التي حاربت مع النظام بالأمس (مثل بعض بطون قبيلة الفواعير والحديديين في حلب وحماة، وبعض عشائر البادية في حمص) باتت اليوم تعلن ولاءها لدمشق الجديدة باعتبارها دولة الجميع وليست نظام فرد. وحتى القبائل التي كانت تدور في الفلك الإيراني – كعشيرة البقارة بقيادة نواف البشير – لم يعد أمامها سوى التكيف مع المتغيرات. وتشير تقارير غير رسمية إلى أن شخصيات عشائرية مدعومة إيرانياً بدأت بالفعل التواصل مع فريق الشرع لضمان موقع لها في المرحلة المقبلة. فمن كان يحصل على دعم إيران بالأمس لاحترام مكانته في منطقته، لن يعارض اليوم أداء قسم الولاء للدولة الجديدة إذا وفّرت له الاعتراف والتأثير ذاته.

في الوقت نفسه، بعض العشائر التي خاصمت الثورة سابقاً لكنها انخرطت مع قسد لاحقاً (كـعشيرة الشعيطات في دير الزور التي قاتلت داعش ثم تعاونت مع قسد) قد تعيد حساباتها. إذ من المتوقع أن تلك العشائر ستنحاز في نهاية المطاف إلى الصف الوطني العام إذا ما وقع صدام بين قسد ودمشق. ويتوقع الباحث فيصل الرقاد بالفعل اصطفاف قبائل الشمال الشرقي إلى جانب دمشق في أي نزاع مستقبلي مع قسد، لا سيما وأن تنفيذ اتفاق دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة لا يزال متعثراً. فحتى الآن، ورغم تصريحات التهدئة المتبادلة، لم تندمج قسد بشكل كامل في الجيش السوري الجديد، ولم تُحل مشكلات الإدارة الذاتية العالقة. وهذا الوضع الرمادي يثير مخاوف ويجعل احتمال الصدام قائماً ما لم يُتوصل لتسوية نهائية ترضي جميع الأطراف.

من زاوية أخرى، ينبغي عدم إغفال استمرار ولاء بعض الفصائل العشائرية لقسد حتى بعد سقوط الأسد. فمثلاً قبيلة شمر عبر جناح قوات الصناديد لا تزال حليفاً رئيسياً لقسد في الحسكة، وتربطها علاقات وطيدة بالقيادة الكردية وكذلك بالتحالف الدولي. هذه القبيلة قد تتريث كثيراً قبل أن تغيّر ولاءها، خاصة وأن لها عداء تاريخياً مع بعض القبائل العربية الأخرى وتخشى من الانتقام أو خسارة الامتيازات في حال تفكك الإدارة الذاتية. كذلك عشائر مناطق منبج وشرق حلب التي تحالفت مع قسد ضد داعش وربما تخشى عودة الفصائل المدعومة تركياً، قد تعتبر أن مصلحتها الراهنة البقاء مع قسد على الأقل حتى تتضح صورة المستقبل. وعليه، إذا اندلع نزاع، ربما نشهد انقساماً عشائرياً داخلياً: قبائل تنضم سريعاً لدمشق، وأخرى تحاول النأي بنفسها أو حتى الوقوف مع قسد دفاعاً عن مكتسباتها. لكن بمرور الوقت، ووفق نتائج المعارك، قد تلتحق غالبية هذه القبائل بالجانب الرابح – تماماً كما حصل مراراً خلال الحرب.

القوى الإقليمية والبدو الرحل

يمثّل البدو الرحل عنصراً خاصاً قد يكون سريع الحركة في النزاع. فالبدو ينتشرون في بادية الجزيرة والفرات الممتدة، ولهم تقاليد في نصرة المظلوم والفزعة تمتد خارج الحدود السورية حتى إلى الأردن والعراق. في أحداث السويداء 2025 رأينا أفراداً من بدو الأردن والعراق يعبّرون عن رغبتهم في مؤازرة إخوتهم بسوريا (رغم أن كثيراً مما نُشر عن تحركات بدو الخليج نحو السويداء كان مختلطاً بالشائعات). لكن المؤكد أن بدو شرق سوريا أنفسهم – كالعشائر المنتشرة في بادية الحماد والبوادي بين دير الزور وتدمر – لن يقفوا على الحياد. غالب الظن أنهم سينضمون ضد قسد، خاصة إذا ما رأت مشيخاتهم أن كفة سلطة دمشق هي الراجحة.

لا يمكن استبعاد احتمال تفاوض وتهدئة في اللحظات الأخيرة. فالعشائر رغم غضبها، تدرك أن الحرب مكلفة وطويلة. وقد تلجأ بعض القيادات العشائرية إلى اشتراطات على قسد بدل القتال المباشر: مثل تسليم الإدارة لهم في مناطقهم، أو الدمج الحقيقي لقواتها ضمن الجيش السوري مع تسريح العناصر غير السورية. في المقابل قد تحاول قسد احتواء الموقف عبر وعود بمنح العشائر سلطات أوسع أو عوائد أكبر من النفط لتنأى بنفسها عن مواجهة خاسرة. نجاح هذه المساومات من عدمه سيعتمد على الثقة المتبقية – وهي ضئيلة – بين الطرفين، وعلى موقف التحالف الدولي خاصة الولايات المتحدة. فإن ضغطت واشنطن على حلفائها الأكراد لإيجاد حل وسط مع العشائر، ربما يُتجنب الصدام الشامل. أما إذا أخذت موقف الداعم لقسد عسكرياً دون حل سياسي، فقد تُقدم العشائر على تفجير الوضع، ولو كان الثمن الدخول في مواجهة مع الأميركيين أيضاً. وهذا سيناريو بالغ الخطورة.

لعوامل تاريخية وجغرافية، أضحت العشائر السورية ورقة تتنافس عليها القوى الإقليمية في الصراع. كل دولة مجاورة أو ذات نفوذ في الملف السوري حاولت توظيف القبائل لخدمة أجندتها، لكن بدرجات متفاوتة ونتائج متباينة. وفي مناطق سيطرة قسد تحديداً، كان لهذا التنافس أثر كبير على ولاءات العشائر وقدرتها على التحرك. ولهذا الأمر تفاصيل كثيرة مرتبطة بتركيا وإيران ودول الخليج والأردن والولايات المتحدة الأمريكية، لن نخوض بها الآن وربما نعالجها في ملف خاص لاحقاً، لكن وفي خضم لعبة القوى هذه، يجب ألا نغفل عنصر إرادة العشائر نفسها. فرغم كل ما يُحاك إقليمياً، يملك شيوخ القبائل قدراً من القرار المستقل نابعاً من حسابات مجتمعاتهم المحلية.

الأكيد أن الحساسية عالية في هذه البقعة من سوريا. فالكلمات والتصرفات محسوبة بميزان الذهب، وأي خطأ قد يشعل نار عصيان قبلي واسع. لذا فإن الحكمة تقتضي إشراك العشائر بصدق في تقرير مصير مناطقهم، سواء ضمن حل سلمي يدمج قسد في جيش وطني واحد – كما صرّح قائدها مظلوم عبدي بأن «الشرع هو الرئيس ولن يكون في سوريا جيشان» – أو في أسوأ الأحوال عبر احتواء أي تمرد مسلح بأقل الخسائر وحماية المدنيين. هدفنا في هذا المقال كان تقديم صورة موضوعية لهذا الواقع شديد التعقيد، بعيداً عن التحريض أو الانحياز. فالعشائر والبدو في شرق سوريا هم أبناء الأرض، عانوا مثل غيرهم ويلات الحرب، ويتطلعون إلى مستقبل ينالون فيه حقوقهم ويحفظون كرامتهم. إنهم ليسوا ملائكة ولا شياطين، بل قوى اجتماعية أصيلة ستبقى جزءاً من المعادلة السورية. فهم – بميزاتهم وأخطائهم – مفتاح استقرار تلك المنطقة أو انفجارها. ويبقى الأمل أن تُستثمر حكمتهم التقليدية المعروفة في الصلح والعفو لتجنيب أهل الجزيرة مزيداً من الدماء، وأن يلاقيهم الطرف الآخر بخطوات جدية تحفظ للعرب والكرد وكل المكونات حقهم في وطن يتسع للجميع دون تمييز. هكذا فقط يمكن تفكيك شحنة الاحتقان المتراكمة وتفادي السيناريو الأسوأ… وإلا فإن طبول الفزعة قد تقرع من جديد في أي لحظة.

 اقرأ أيضاً: «قسد» ودمشق: بين طموحات الفيدرالية وهواجس السيادة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى