العد التنازلي بدأ تحت الأرض .. كيف وصلت أزمة المياه الجوفية في سوريا إلى هذا الحد؟

بقلم: ديانا الصالح
في الوقت الذي تنشغل فيه عناوين الأخبار والتقارير اليومية بأزمات الكهرباء وسعر الصرف والمحروقات، تجري تحت أقدام السوريين أزمة من نوع آخر، أبطأ وأقل ضجيجاً لكنها أكثر خطورة، فمخزون المياه الجوفية في سوريا ينضب بصمت.
فوفقاً لدراسة حديثة، أصبحت سوريا في المرتبة الخامسة والعشرين عالمياً من حيث الإجهاد المائي، وأن ما يُسحب من باطن الأرض يفوق بكثير ما يتجدد ضمنها، وهي معادلة إنِ استمرت على هذا النحو فقد لا يكون هناك متسع من الوقت لتصحيح المسار.
المياه الجوفية في سوريا تحتل مرتبة عالمية مقلقة
حذرت دراسة قام بإعدادها المهندس الزراعي المختص بالتربة الزراعية والمحاصيل الحقلية مراد قره مصطفى، من تفاقم أزمة المياه الجوفية في سوريا، وذلك مع استمرار ارتفاع معدلات السحب وانتشار الآبار غير المرخصة وتراجع مخزون السدود، مع استمرار القطاع الزراعي باستهلاك النسبة الأكبر من الموارد المائية المتاحة.
الدراسة بعنوان “نزيف الخزانات السحيقة: الجغرافيا السياسية والاقتصادية لأزمة المياه الجوفية في سوريا”، واستندت إلى بيانات معهد الموارد العالمية “WRI” ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو”، بالإضافة إلى دراسات اعتمدت تقنيات الأقمار الصناعية، لرصد تغيرات المياه الجوفية في حوض العاصي.
وخلصت الدراسة إلى أن الأزمة تعدت حدود القضايا البيئية المنفصلة، فهي ترتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، أي أن ما يحدث تحت الأرض يؤثر بشكل مباشر على ما يصل إلى مائدة كل أسرة سورية.
كما كشفت الدراسة أن سوريا تعتمد بنسبة 80.3% على موارد مائية عابرة للحدود، وهذا ما يجعل أمنها المائي مرتبطاً بتدفقات خارجية لا تملك وحدها القرار فيها.
جذر المشكلة أقدم من عام 2011
الإجهاد الذي تتعرض له المياه الجوفية في سوريا ليس ظاهرة طارئة نتجت عن الحرب فقط، خاصة أن بيانات منظمة الأغذية والزراعة الأممية (فاو)، أظهرت أن نسبة الإجهاد المائي في سوريا بلغت في حدودها الدنيا، 124.4% خلال العشرين عاماً التي سبقت هذا الرصد.
كما أنها وصلت أحياناً إلى 145.7% كما حدث في عام 2002، مع العلم أن مستوى الإجهاد المائي عالمياً لا يزال عند نسبة 18.4% فقط، وهذا يعني أن سوريا كانت تسحب من مواردها المائية المتجددة أكثر من ضعف ما تملكه فعلياً، وذلك لعقدين كاملين قبل اندلاع الحرب في البلاد، وهذا ما يفسر جزئياً لماذا كانت الأزمة الحالية متوقعةً إلى حد كبير، قبل أن تتفاقم بفعل سنوات الحرب والنزوح.
88% من المياه تذهب للحقول
أرجعت الدراسة جانباً أساسياً من الأزمة إلى اختلال توزيع الاستهلاك بين القطاعات، حيث أن الضغط الأكبر على الموارد الجوفية لا يأتي من الاستخدام المنزلي كما هو متوقع، إنما من القطاع الزراعي.
حيث يستهلك القطاع الزراعي نحو 88% من إجمالي المياه المستخدمة في سوريا، وذلك نتيجة الاعتماد على الري بالغمر وزراعة محاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، أبرزها القطن والقمح.
في المقابل فإن نحو 9% من المياه تذهب إلى المنازل لتلبية احتياجات الشرب والاستخدامات اليومية، فيما لا تتجاوز حصة القطاع الصناعي 3% فقط، مقابل محدودية استخدام تقنيات معالجة المياه وإعادة تدويرها.
ويظهر هذا التوزيع أن خفض الاستهلاك المنزلي وحده مهما بلغت صرامته، لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة ما لم يترافق مع تغيير جذري في أساليب الري، ومراجعة نوعية المحاصيل المزروعة وكميات المياه المخصصة لكل منها.
عشرة مليارات متر مكعب تختفي سنوياً
يقدّم خبير السدود والموارد المائية السوري عبد الرزاق العليوي، تفسيراً أكثر تحديداً لحجم النزيف الحالي، حيث حذر من التوسع الكبير في حفر الآبار غير القانونية، والذي أدى بشكل كبير إلى استنزاف المخزون الجوفي، الذي يشكل الاحتياطي الاستراتيجي الأهم لسوريا في مواجهة مواسم الجفاف.
كما يوضح أن هذه الظاهرة تفاقمت بعد عام 2011، مع تراجع الرقابة الحكومية وضعف مؤسسات إدارة المياه، مشيراً إلى أن أعداد الآبار الفعلية قد تتجاوز التقديرات الرسمية المتداولة بكثير.
ووفقاً للتقديرات فإن هذه الآبار تستنزف ما يقارب عشرة مليارات متر مكعب من المياه سنوياً، وهي كميات كان من المفترض أن تسهم في إعادة تغذية الأحواض الجوفية الرئيسية، بدلاً من أن تُستنزف منها بلا رقابة.
أما الفيضانات التي شهدها نهر الفرات مؤخراً فهي لا تعكس تحسناً حقيقياً في الواقع المائي العام، وذلك لأن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة التي تزداد يوماً بعد يوم بين معدلات التغذية الطبيعية للمياه الجوفية وكميات السحب السنوية منها.
النزوح راحة مؤقتة للخزانات الجوفية!
في مقابل هذه الصورة المقلقة، دراسة سويسرية حديثة بعنوان “الارتفاع السريع لسطح الأرض وتجدد المياه الجوفية المرصود خلال الحرب السورية”، قدمت زاويةً مختلفة تماماً تستحق التوقف عندها، حيث رصد طالب دكتوراه في جامعة نوشاتيل السويسرية من خلال تحليل معقد لبيانات الأقمار الصناعية، تجدداً غير متوقع في مخزون المياه الجوفية بأحد الأحواض النهرية السورية.
ويربط الباحث هذه الظاهرة بالنزوح السكاني الهائل الذي سببته الحرب، موضحاً أنه في الأماكن التي اضطر فيها السكان النازحون إلى هجر أراضيهم الزراعية، أدى توقف الري إلى إعادة تغذية جزئية لمنسوب المياه الجوفية، وارتفاع في سطح التربة وصل إلى أربعة سنتيمترات سنوياً في بعض المواقع.
إلا أن هذا التجدد الموضعي لا يعني تحسناً عاماً في الوضع المائي السوري، فهو يبقى استثناءً مرتبطاً بمناطق محددة هُجّر سكانها قسراً، فيما تستمر مناطق أخرى لا تزال مسكونة وتعتمد على الآبار غير المرخصة.
جفاف بحيرة مزيريب المقلق
يبرز جفاف بحيرة مزيريب في محافظة درعا كأحد المؤشرات الميدانية الواضحة على تفاقم الأزمة، حيث توضح التحليلات أن البحيرة ترتبط بخزان اليرموك الجوفي المشترك بين سوريا والأردن، وأن الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية أسهم في تراجع الموارد المائية المشتركة بين البلدين خلال السنوات الماضية.
كما تكشف أرقام الدراسة عن تباين حاد بين المحافظات في حدة هذه الأزمة، ففي ريف دمشق، انخفض تخزين سدود حوضي بردى والأعوج إلى نحو 1%، بالتزامن مع تراجع مناسيب المياه في غوطة دمشق وتأثر بساتينها.
أما في محافظة درعا، فتشير الأرقام إلى وصول التخزين إلى مستوى يقارب الصفر، وهذا ما يحد بشكل كبير من قدرة المحافظة على تأمين احتياجاتها الزراعية، أما في محافظة الحسكة فلم تتجاوز نسبة التخزين 10%، مما يزيد من الضغط على الخزانات الجوفية في منطقة الجزيرة، التي يعتمد عليها ملايين السكان.
وبهذا تُعد المناطق الشرقية والبادية السورية وجنوبي البلاد من أكثر المناطق تأثراً باستنزاف المياه الجوفية، لتبقى المناطق الساحلية الأقل تضرراً نسبياً بفضل معدلات أمطار أعلى مقارنة ببقية المحافظات.
هل يوجد مخرج؟
في مواجهة هذا الواقع، اقترحت الدراسة خطةً متكاملة تشمل 4 مسارات متوازية الأهمية وتشمل: تنظيم الآبار غير المرخصة سواء من خلال ترخيصها أو إغلاقها وفقاً للحاجة الفعلية، والتوسع في اعتماد الري بالتنقيط بدلاً من أساليب الري التقليدية المهدرة للمياه، إلى جانب تفعيل “الدبلوماسية المائية” لإدارة الموارد المشتركة مع دول الجوار بشكل منصف ومستقر ومستدام، أما المسار الرابع فهو الاستثمار في محطات معالجة مياه الصرف، كمصدر بديل يخفف الضغط عن المخزون الجوفي المحدود.
ويشدد العليوي على ضرورة إعادة تأسيس مؤسسة متخصصة بإدارة الموارد المائية، وإعطاء هذا الملف أولويةً أكبر ضمن السياسات الحكومية، مع تشجيع زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، دون المساس بدعم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي، محذراً من أن استمرار استنزاف المياه الجوفية في سوريا بالمعدلات الحالية، قد يحوّل أزمة المياه إلى تهديد طويل الأمد يمسّ مستقبل التنمية والاستقرار في البلاد ككل.
يمكن القول إن أزمة المياه الجوفية في سوريا لا تنقطع فجأة كالكهرباء، ولا تصدم المواطن بفاتورة كأزمات أخرى، فهي تتراكم متراً تلو الآخر تحت الأرض بصمت، حتى يأتي اليوم الذي تجف فيه الآبار فعلياً، فلا يبقى أمام سكان منطقة بأكملها سوى الرحيل.
فنحن أمام عدٍّ تنازلي يجري الآن، والأخطر أن هذا الخزان لا يُعوّض بقرار إداري أو موسم أمطار جيد، فهو يحتاج إلى عقود من التغذية الطبيعية، وبدون تدخل عاجل في سياسات الري والزراعة، ستكون سوريا أمام تهديد حقيقي يطال الأمن الغذائي وقابلية العيش في مناطق واسعة من البلاد.
اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا.. الآبار العشوائية مسمار في نعش المياه الجوفية









