العدالة الانتقالية في سوريا.. عندما يصبح إنصاف البيئة شرطاً لإنصاف البشر
البيئة ضحية حرب صامتة..

بقلم: ريم ريّا
البيئة في سوريا خرجت من الصراع كما لو أنها كانت طرفاً في الحرب، وكل هذا الخراب لا يمكن التعامل معه كما لو كان مجرد خلفية رمادية للمشهد. مهما ساد أن العدالة الانتقالية تخص البشر فقط، إلا أن الواقع يصر على أن الهواء الملوث والتربة المحروقة والمياه المسممة سيبقون أطول من كل الخطب والوعود. بغير إنصاف البيئة، أي حديث عن العدالة هو محض فراغ لن يطعم خبزاً ولن يزرع شجرة.
في سياق العدالة الانتقالية في سوريا، يصبح إصلاح الضرر البيئي ضرورة لا رفاهية. القصف خلّف تربة سامة، وانسكاب النفط دمر السواحل، والحرائق ابتلعت الغابات كما لو كانت تقرأ نهاية فصل محزن. البشر لن يعيشوا حياة كريمة على أرض مريضة في سوريا.
ما هي العدالة البيئية التي يجب تحقيقها
العدالة البيئية بعد الصراعات تعني ضمان توزيع متساوٍ وعادل لموارد البيئة والخدمات الصحية والبيئية بين جميع أفراد المجتمع، وخاصة المتضررين من النزاعات، مع حماية حقوق الجميع في بيئة سليمة ومستدامة، وتصحيح الأضرار البيئية التي تسببت بها الصراعات بما يدعم إعادة البناء والتنمية المستدامة.
أثر الصراع على البيئة في سوريا
التأثير البيئي للنزاع في سوريا ذو صورة غير مكتملة، بسبب ضعف القدرات البحثية، وغياب نظام رقابة بيئية وطني أو دولي فعال خلال النزاع. وترافق هذا الغياب مع تجاهل ممنهج من قبل أطراف النزاع كافة، ما ساهم في مفاقمة الكارثة.
فالقصف المكثف والمنهجية العسكرية المتبعة من قبل كل أطرف النزاع في سوريا فاقمت التلوث بأشكالٍ عدة وتسببت بضرر طال الجميع. مصافي النفط ومحطات التكرير في البلاد تم استهدافها بغارات جوية وقصف مدفعي مكثف وعنيف، ما أدى إلى تسربات نفطية ضخمة، ملوثةً بذلك المياه السطحية والجوفية والتربة الزراعية.
في حين تشير تقارير إلى أن انسكاب النفط الناتج عن ضرب مصافي حمص أنشأ بقعاً سامة امتدت عبر مساحات واسعة من الأراضي المروية، ما أنهى إنتاجها النباتي وعرّض المزارعين ورعاة المواشي للخطر، كذلك تسرب نحو 12,000 طن من النفط الخام نتيجة حادثة في محطات توليد بانياس، ما سبب تلوثاً بحرياً وخسائر بيولوجية وساحلية كبيرة.
شمل التلوث الهواء في البلاد، فكان غبار الجسيمات الدقيقة (PM2.5) مشكلة قائمة في المدن السورية حتى قبل الصراع، إلا أن الحرب زادت من حدتها. فارتفعت نسبة السكان الذين يتعرضون لهذه الجسيمات إلى نحو 72 % في العام 2015 بعد أن كانت تبلغ 69 % عام 2010، نتيجة القصف الجوي والحرق العشوائي للرواسب والنفايات. وتشير الدراسات إلى أن التلوث الهوائي تسبب في زيادة تقارب 17% في معدلات الوفيات خلال سبع سنوات على بداية الحرب.
أما المياه، فشهدت مصادرها تدهوراً كبيراً، وهذا ما يسبب معاناة البلاد اليوم من شح المياه إلى جانب عوامل الجفاف والتغير المناخي. إذ دُمرت محطات معالجة الصرف الصحي، ما أدى إلى تدفق المياه الملوثة نحو الأنهار والآبار، وانتقال أمراض كالتهاب الكبد والكوليرا في عموم البلاد، لا سيما المناطق الشرقية التي دارت بها رحى الحرب مع تنظيم داعش وتركز قصف التحالف الدولي والقوى المشاركة على مناطق سيطرة التنظيم القريبة من المياه. إضافةً إلى تقارير ميدانية وتحليلات أقرب لعقدٍ من النزاع تشير إلى أن البنية التحتية للمياه والزراعة تعرضت لدمار واسع، مع خسارة مياه مُقدرة بمليارات الأمتار المكعبة. تقدير واحد يضع الخسارة التراكمية للمياه بنحو 2.2 مليار متر مكعب حتى عام 2022 نتيجة تضافر آثار المناخ والصراع، ما أثر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. أما في الشمال السوري، فتعتمد المجتمعات بشكل رئيسي على آبار محفورة يدوياً وربما بطرق بدائية مضرة بالصحة، وغالباً من دون رقابة صحية. وسجلت تقارير تغيّر طعم ولون مياه الشرب هناك.
كذلك استخدمت في بعض المعارك ذخائر محملة بمعادن ثقيلة ومواد كيمياوية خطرة، فأصبحت تلك المعادن (كالرصاص والزئبق والزرنيخ المترسبة في التربة) مصدر تلويث طويل الأمد لاسيما في مناطق كالغوطة. وهي في النظام البيئي لعقود، فتنتقل من التربة إلى النباتات ثم إلى البشر والحيوانات مسببة أمراضاً مزمنة.
أما النفايات فحكاية أخرى، فقد تضاعفت كمية النفايات، بسبب ضعف أو غياب خدمات عمال النظافة التي كانت تقوم بها البلديات عادةً، فارتفعت الكمية اليومية إلى أكثر من 850 طناً، أي أكثر مما كانت عليه قبل الحرب. ونتيجة غياب بنى تحتية فعالة، لجأت المجتمعات المحلية إلى حرق النفايات في الهواء الطلق، ما أدى إلى تلوث هوائي شديد وانتشار الأمراض.
اقرأ أيضاً: الحرب في سوريا… كيف أثرت على الحياة البرية في البلاد؟
انعكاسات غياب العدالة الانتقالية للبيئة على التعافي المجتمعي
غياب العدالة الانتقالية عن مسائل البيئة في سوريا، يترك المجتمع في محاولات شاقة سعياً للتعافي، بينما الأرض نفسها ما زالت تختنق. وهذا أشبه بمحاولة بناء بيت جديد فوق أرض مسمومة ومتعبة. فالنتيجة لهذه الحالة دائماً هشة، مهما بالغ سياسيو البلاد في خطابات التفاؤل، بغير الحلول على أرض الواقع لا خلاص.
الناس وتحديداً من هم في حالة نزوح، لا يستطيعون العودة إلى مدنٍ ملوثة، ولا أن يزرعوا أرضاً محروقة ومسممة، ولا أن يعتمدوا على مياه جوفية مختلطة ببقايا وقود ومواد كيماوية. فعندما تُهمل البيئة في مسار العدالة، يصبح التعافي المجتمعي مجرد شعار فارغ. فالأمراض تزيد والزراعة تتراجع.. تماماً كما هو وضع سوريا اليوم. وحتى لو تحرك الاقتصاد ففي ظل هذه الظروف، سيكون تحركه أشبه بشخصٍ يمشي وقدمه مصابة. الاهتمام بالبيئة ومعالجتها يعني أن حياة الناس من أولويات السلطات، فكل التحسينات لا أرضية لها دون تحسين البيئة.
بسبب تفاوت الضرر البيئي بين مناطق الصراع في سوريا، فإن غياب العدالة الانتقالية عن البيئة يعني إطالة أمد الانقسام المجتمعي. فالمجتمعات التي تحملت التلوث أو القصف والضرر البيئي أكثر من غيرها سيتضاعف لديها الشعور بالتهميش والاهمال أكثر من غيرها ما سيترك انطباعاً سلبياً في نفوس الأفراد ممكن أن ينفجر في أي لحظة، تحديداً في ظل التوترات المجتمعية التي تعيشها البلاد. هذه المجتمعات ستنظر لهذا الإهمال على أنه صمت وتغاضي بالتالي ستضاف طبقة أخرى من المرارة فوق جراح الحرب ذاتها.
فلا يوجد تعافي حقيقي في سوريا، فوق تربة مريضة. يجب أن تعالج البيئة كجزء من العدالة الانتقالية. فالمجتمع السوري لم يعد يحتمل أن يعيش في نصف حياة، وأن يبقى معلقاً بين الرغبة في النهوض والإهمال.
تجارب دولية يمكن أن يستفاد منها في سوريا
على سبيل المثال، في البيرو، دُفعت منظمات مدنية باتجاه تعويض المجتمعات المتضررة من التلوث الناجم عن أنشطة التعدين، إذ قررت إحدى المحاكم إلزام الدولة بتعويض سكان مدينة “لا أورويا” عن الأضرار الناتجة عن تلوث الهواء والماء بالتعديلات الثقيلة مثل الرصاص والزرنيخ، بما في ذلك التزام الدولة بتقييم التلوث وتقديم دعم طبي ومالي لهم. أما في تونس، فتناولت هيئة الحقيقة والكرامة مسألة التهميش البيئي في المناطق الريفية، واقترحت صندوقاً وطنياً لإصلاح الضرر البيئي، لكنه لم ينفذ لأسباب سياسية داخلية.
في سوريا يمكن العمل على إعداد لجنة وطنية فرعية ضمن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تتولى التحقيق البيئي، وتوثيق الانتهاكات عبر أدوات علمية ومجتمعية، إلى جانب عقد جلسات استماع عامة في المناطق الأكثر تضرراً مثل دير الزور وبانياس وإدلب وغيرها من المناطق التي سجلت دماراً بيئياً واسعاً. فضلاً عن إشراك خبراء محليين ودوليين في تقييم آثار الأضرار البيئية والتلوث الناجم عن النشاطات العسكرية، إلى جانب تضمين المعايير البيئية في مشاريع إعادة الإعمار، وإلزام الشركات المنفذة باحترامها.









