العدالة الانتقالية بعد عام من السقوط: ما تحقق وما تعثر!
العدالة الانتقالية في سوريا: سنة تُختبر فيها الدولة

أعدّه أحمد علي
العدالة لا تُقاس بارتفاع الصوت ولا بكثرة الشعارات، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى حق، والحق إلى مؤسسات تعمل كل يوم.. هذا بالضبط ما تحاول سوريا الإمساك به بعد سقوط السلطة السابقة في 8 ديسمبر 2024، كما توضح الدراسة التي أعدها الدكتور إبراهيم دراجي والتي حملت عنوان: «سوريا في العهد الجديد: مسار العدالة الانتقالية» والصادرة عن المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة.
العدالة الانتقالية في سوريا تُؤسَّس
تضع الدراسة تعريفاً عملياً للمرحلة، فالعدالة الانتقالية من وجهة نظر الدراسة ليست محاكمةً فقط، وليست مصالحةً لفظية، بل منظومة مترابطة تقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، مع إصلاح مؤسسات الدولة وحفظ الذاكرة بوصفهما شرطين لعدم العودة إلى الحلقة نفسها.
وفي الحالة السوريا، لا تأتي هذه المنظومة كترفٍ سياسي، بل كضرورة لأن إرث الانتهاكات لم يترك جراحاً فردية فحسب، بل شوّه معنى الدولة ووظائفها، وجعل استعادة الثقة بالعدالة مهمة تأسيسية للجمهورية الوليدة.
وتذكّرنا الدراسة بأن حجم المأساة ليس فكرة عامة بل تقديرات الشبكة السوريا لحقوق الإنسان تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 234,145 مدنياً حتى مطلع 2025، مع وجود نحو 177,021 من المختفين قسراً ما يزال مصيرهم مجهولاً، وهي أرقام تُظهر لماذا يصبح ملف الحقيقة أولوية اجتماعية قبل أن يكون إجراءً إدارياً.
الدستور يفتح بوابة المساءلة
في الحصيلة الدستورية، ترى الدراسة أن الإعلان الدستوري لعام 2025 وضع مرتكزات مهمة مثل إلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية، تثبيت عدم تقادم جرائم التعذيب، وإنشاء هيئات وطنية معنية بالحقيقة والمساءلة وملف المفقودين.
وهذه ليست تفاصيل قانونية للخبراء فقط؛ بل هي رسائل سياسية مباشرة تقول إن الدولة الجديدة تريد أن تُعرِّف نفسها بعكس ما كان سائداً، فلا محاكم استثنائية، ولا حماية دائمة للجناة، ولا «نسيانٌ رسمي» لملف المختفين.
لكن الدراسة تلتقط في الوقت نفسه ما يُقلق، فالبناء الدستوري لا يكفي إذا بقيت الأدوات التنفيذية متفرقة. النهج المعتمد حتى الآن، كما يُفهم من رصد السنة الأولى، اتجه إلى مراسيم وقرارات قطاعية بدل قانون وطني شامل للعدالة الانتقالية يحدد الولاية الزمنية والجغرافية، وحقوق الضحايا ومشاركتهم، وصلاحيات الوصول إلى الأرشيف، وكيف تتكامل المساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات في إطار واحد.
الخطوات المنجزة على الأرض
تسجّل الدراسة أن السنة الأولى لم تكن فارغة من الإنجاز، بل ظهرت خطوات عملية تمس حياة الناس مباشرة، من رفع قيود وإجراءات كانت تعاقب المجتمع أمنياً، إلى إجراءات إعادة إدماج لفئات تضررت بسبب مواقفها أو بسبب سياسات السلطة السابقة. ويبرز هنا ملف المفقودين بوصفه انتقالاً من التعامل الأمني إلى الاعتراف بقضية إنسانية – قانونية مركزية، عبر إنشاء «الهيئة الوطنية للمفقودين» كإطار رسمي مستقل يجمع البيانات ويتابع المصير ويدعم الأسر.
وفي السياق نفسه، تتحدث الدراسة عن توجه لإصلاح أمني يتجنب الفراغ عبر منطق «الإدماج المشروط» لمن لم تثبت بحقهم جرائم جسيمة، مع الإقرار بأن هذا المسار ما يزال بحاجة إلى هندسة تفصيلية ورقابة مدنية كي لا تبقى المبادئ أكبر من التنفيذ.
الفجوات التي تُضعف المسار
القصة، بحسب الدراسة، ليست قصة «وجود خطوات» فقط، بل قصة «القدرة على ربطها». أخطر فجوة يشار إليها بوضوح هي غياب قانون شامل ولجنة حقيقة وطنية جامعة، مع محدودية مشاركة الضحايا وضعف القدرة المؤسسية في بيئة سياسية وأمنية هشة وأزمة اقتصادية خانقة.
وفي السياق، تضيف الدراسة تحذيراً عملياً مفاده أنه في ظل غياب خطط معلنة وآليات متابعة، قد تتحول بعض الهيئات التي أُنشئت بعد 2024 إلى مؤسسات “اسمية” تحمل العنوان دون امتلاك أدوات التنفيذ، ما يوسع الفجوة بين الخطاب والتطبيق ويضرب المصداقية لدى الضحايا.
ثم تأتي العوائق الصلبة التي لا تُحل بالقرارات وحدها. أمنياً وسياسياً، ما زالت بؤر التوتر في السويداء والساحل ومناطق سيطرة «قسد» تخلق روايات محلية متباينة ومستويات ثقة مختلفة، ما يجعل إيصال العدالة الانتقالية في سوريا إلى جميع المناطق عملاً معقداً يحتاج حساسية محلية وآليات مرنة، بينما تضيف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضغطاً دائماً يستنزف الموارد ويزيد الهشاشة.
اقتصادياً، تنقل الدراسة مؤشرات تُظهر ضيق الهامش المالي: تقرير للبنك الدولي في تموز 2025 يتحدث عن نمو متواضع يُقدَّر بنحو 1% في 2025 ضمن بيئة معقدة وقيود على السيولة وتعليق مساعدات وأثر للعقوبات، وهو ما يعني أن جبر الضرر الواسع يحتاج تمويلاً وخيارات واقعية لا وعوداً مفتوحة.
وقانونياً، يضاعف فرار كبار الجناة صعوبة بناء ملفات قضائية مكتملة ويخلق شعوراً بأن العدالة قد تُطال «الرتب الدنيا فقط»، وهو شعور يتحول بسرعة إلى أزمة ثقة عامة.
ماذا بعد السنة الأولى
الخلاصة التي تدفع بها الدراسة واضحة: العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تُدار كقرارات متناثرة، بل كمنظومة وطنية شاملة، تبدأ بخطة وطنية ملزمة تربط التحقيقات ببرامج جبر الضرر وإصلاح الأمن، وتصل ذلك كله برؤية اقتصادية–اجتماعية لإعادة البناء.
وتطرح الدراسة كذلك أفكاراً عملية لعدم تفكك المسار، مثل آلية متابعة دائمة تعمل كـ «غرفة عمليات»، وتمكين بناء القدرات الوطنية عبر برامج تدريب وتخصصات مشتركة، مع سياسة «صفر تسامح» تجاه أي انتهاكات جديدة لأن العدالة تُقاس أيضاً بما يمنع تكرار الجريمة لا بما يروي حكايتها فقط.
في النهاية، تقول الدراسة إن ما تحقق هو نواة واعدة، لكنها تحتاج إطاراً موحداً ورؤية قابلة للقياس حتى لا تعود البلاد إلى إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية في سوريا.. عندما يصبح إنصاف البيئة شرطاً لإنصاف البشر









