العدادات الذكية للمياه.. هل بدأت سوريا ببناء منظومة بيانات مائية؟

بقلم هلا يوسف
تشكل الموارد المائية إحدى أهم وأكبر المشكلات التي تواجه الحكومة السورية، فمن جهة هناك الجفاف الذي يكسره عادةً أمطار الشتاء التي لا تكون كافية، والاستنزاف العشوائي للموارد المائية من المنازل والمصانع وكافة الجهات، هذا غير المياه المهدورة بسبب قدم الأساليب المتبعة في الاحتفاظ بالمياه. كل ذلك جعل من وجود عدادات ذكية تناسب التحول الرقمي الذي تعمل عليه سوريا ضرورة من ضروريات المرحلة الراهنة.
وبالفعل، كان معرض بيلديكس شاهداً على توقيع اتفاقية بين المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي وشركة العدادات السعودية في 14 حزيران الماضي، لاستيراد خمسة ملايين عداد مياه ذكي مسبق الدفع، يعمل بتقنية الأمواج فوق الصوتية، ومزود بنظام رقمي يسمح بقراءة الاستهلاك بصورة دقيقة وفورية.
وقد كان أمس أول تطبيق عملي لهذه العدادات في مدينة إدلب، ضمن مبنى الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في المدينة، بحضور رسمي ضم وزير الطاقة محمد البشير ومحافظ إدلب محمد عبد الرحمن وعدداً من المسؤولين في قطاع المياه والكهرباء. وبذلك بدأت المرحلة الأولى للمشروع، والتي تشمل تركيب 300 ألف عداد في محافظات دمشق وريفها وإدلب، على أن يتم تنفيذ المشروع بالتدريج خلال أربع سنوات، قبل التوسع إلى مناطق أخرى وفق خطة الوزارة.
لماذا لا يتعلق الأمر بالعداد وحده؟
دخول هذه العدادات إلى سوريا يحمل في طياته الكثير من التغييرات والتحديات بالنسبة للجهات الحكومية والمواطنين في الوقت نفسه.
فبالنسبة للمواطن، عندما يستخدم المياه يعرف أنه استهلك كمية معينة، لكن بالنسبة لمؤسسة المياه، فإنها تحتاج لمعرفة حجم المياه الواصل إلى المنازل والاستهلاك الفعلي لكل منها، وكمية المياه المهدورة والمختفية بين المراحل. وهذه الأمور تعد ضرورية في إدارة أي شبكة مياه.
وهنا يأتي دور العداد الذكي، الذي يحل محل القراءة التقليدية للعداد، وبالتالي يعمل على توفير منظومة جديدة قائمة على وجود بيانات أكثر دقة وانتظاماً عن استهلاك المشتركين، وهذا الأمر يساعد المؤسسة على معرفة كمية المياه التي يستهلكها كل مشترك، ومتى يرتفع الاستهلاك أو ينخفض، وما إذا كان هناك تغير غير طبيعي يحتاج إلى متابعة.
فالبيانات التي يجمعها يمكن أن تساعد في تحسين الفوترة، وتقليل أخطاء القراءة، ومتابعة الاستهلاك، وربما اكتشاف حالات تدفق غير طبيعية قد تكون مرتبطة بتسرب داخل الشبكة أو في المنشأة.
وهذا الموضوع مهم جداً في سوريا التي لا تزال شبكاتها المائية بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة بعد سنوات الحرب. فقد تعرضت شبكات ومحطات ضخ ومعالجة وتوزيع لأضرار كبيرة، كما تأثرت أعمال الصيانة والجاهزية الفنية، وأصبحت مشكلة الكهرباء عاملاً إضافياً يضغط على عمليات ضخ المياه وتشغيل المنشآت.
لذلك، لا يمكن أن نتوقع من العداد الذكي أن يحل أزمة المياه بمفرده. هو لا يصلح أنبوباً مكسوراً، ولا يعيد تشغيل محطة متوقفة، ولا يزيد كمية المياه الموجودة في المصدر. غير أن فائدته تظهر في أن يجعل ما يحدث داخل الشبكة قابلاً للقياس بصورة أدق. وبالتالي، عندما تعرف المؤسسة أين يزداد الاستهلاك، وأين ينخفض، وأين تظهر كميات غير طبيعية، يصبح من الأسهل تحديد المشكلة والتعامل معها.
من معرفة الاستهلاك إلى تقليل الهدر
ربما يكون تحديد الفاقد من أهم فوائد المشروع، لأنه عندما تضخ مؤسسة المياه كمية معينة من المياه في الشبكة، من الطبيعي ألا تصل الكمية كلها إلى المستهلك. قد تضيع كميات بسبب تسربات في الأنابيب، أو أعطال، أو ضعف الشبكات، أو مياه غير مقاسة، أو مشكلات في الفوترة، أو توصيلات غير نظامية.
وبذلك يمكن تحديد مكان الخلل ومعالجته، والتي بدورها تقلل من الكلفة التي دفعتها المؤسسة حتى وصلت هذه المياه إلى الشبكة. فكل كمية من المياه تحتاج إلى ضخ ونقل وتشغيل وصيانة، ولذلك فإن فقدانها يعني في النهاية خسارة للمؤسسة وضغطاً أكبر على مصادر المياه والطاقة.
وهنا يمكن أن تساعد العدادات الذكية في إعطاء صورة واضحة عن طريق توفير أرقام دقيقة عن الكمية التي تصل إلى المشتركين، وبذلك يمكن مقارنتها بالكميات التي جرى ضخها في الشبكة، وبالتالي تبدأ المؤسسة في تحديد المناطق التي تحتاج إلى البحث عن أسباب الفاقد.
لكن الوصول إلى نتيجة حقيقية يحتاج إلى أكثر من تركيب العدادات. فالمشروع يحتاج أيضاً إلى عدادات رئيسية على الشبكات، وأنظمة لمراقبة المياه، وفرق متخصصة في كشف التسربات، وصيانة مستمرة للخطوط، بالإضافة إلى استخدام الخرائط والبيانات لتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للمشكلات.
ولعل أكثر ما ينتج عن العمليات السابقة للمشروع هو توفير قاعدة بيانات شاملة ودقيقة عن استهلاك كل منطقة وحي، وبذلك تتوفر معلومات عن المناطق التي تستهلك مياه أكثر، والمناطق التي تتكرر فيها الأعطال، والأحياء التي تعاني من فقد وشبكاتها بحاجة إلى تأهيل.
وبذلك تستطيع المعلومات السابقة مساعدة مؤسسة المياه على ترتيب أولوياتها في ملف يحتاج بشكل كبير إلى توجيه مواردها للمناطق الأكثر حاجة.
اقرأ أيضاً: على رأسها أساليب الزراعة القديمة.. استنزاف الموارد المائية القاتل
ماذا يستفيد المواطن؟
لا ترتبط فوائد مشروع عدادات المياه الذكية بالمؤسسات الحكومية فقط، بل تعود بالفائدة على المواطن الذي ستصبح فواتير مياهه مبنية على الاستهلاك الفعلي، وهذا يعني تجنب الكثير من المشاكل الناتجة عن القراءات التقديرية أو الأخطاء في تسجيل الاستهلاك.
لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب أن تكون طريقة الفوترة واضحة وشفافة، وأن يعرف المواطن كيف يعمل العداد، وكيف تتم عملية الدفع والقراءة، وماذا يفعل إذا وجد خطأ في البيانات أو الفاتورة.
كما يجب ألا تتحول فكرة القياس الدقيق إلى عبء مفاجئ على الأسر محدودة الدخل، بل ينبغي أن ترافقها سياسات تراعي القدرة على الدفع وتضمن أن تكون العدالة جزءاً من عملية الإصلاح.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد تركيب العدادات
قد يكون تركيب أول عداد في إدلب لحظة رمزية مهمة، لكن الاختبار الحقيقي للمشروع لن يكون يوم تركيب آخر عداد من الملايين الخمسة. بل يبدأ بعدها، لأن العداد الذكي يحتاج إلى منظومة كاملة حتى يعمل بالشكل المطلوب، ومنها اتصالات لنقل البيانات، وقواعد بيانات لحفظها، وبرامج لتحليلها، وأنظمة فوترة مرتبطة بها، وفرق فنية للتركيب والصيانة، وقطع تبديل متوافرة عند حدوث الأعطال. وفي حال غياب هذه العناصر، يمكن أن نجد أنفسنا أمام عدادات حديثة، لكن طريقة إدارة المياه بقيت كما هي.
كما أن المشروع يحتاج إلى تدريب كوادر محلية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا الجديدة. فتركيب ملايين العدادات وصيانتها ومتابعتها ليس مهمة صغيرة، وسيحتاج إلى فرق فنية موزعة على المحافظات، وإلى معايير واضحة تضمن أن تكون عملية التركيب موحدة ودقيقة.
وأيضاً، هناك فكرة مهمة لا بد من الانتباه لها، وهي البيانات نفسها، بمعنى أن الانتقال إلى القياس الرقمي يعني أن مؤسسات المياه ستتعامل مع معلومات واسعة عن استهلاك المواطنين، ولذلك يجب أن تكون هناك قواعد واضحة لحماية هذه البيانات وتحديد طريقة استخدامها والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
أما بالنسبة للمواطن، فالثقة ستكون عاملاً أساسياً في نجاح المشروع. أي تغيير في طريقة القياس أو الفوترة يحتاج إلى شرح واضح، حتى لا يشعر المشترك بأن التكنولوجيا جاءت فقط لمراقبته أو زيادة ما يدفعه.
إذا نجحت الوزارة في تجاوز هذه التحديات، يمكن أن يتطور المشروع بالتدريج من مجرد تركيب عدادات إلى بناء منظومة شاملة لإدارة المياه.
وهذا يعد الهدف الأول والأخير للمشروع، فالمياه ليست مجرد خدمة تصل إلى المنزل ثم تنتهي القصة. إنها مورد يرتبط بالصحة والزراعة والصناعة والسكن والاستثمار وحتى استقرار المدن. وكلما كانت إدارتها دقيقة، أصبح من الممكن تقليل الهدر وتوجيه الإنفاق بطريقة أفضل والحفاظ على الموارد المتاحة.
باختصار، يمكن النظر إلى تركيب عداد المياه الذكي في إدلب بأنه الخطوة الأولى لإنشاء قاعدة بيانات كبيرة حول المياه، وبالتالي نجاح المشروع في الوصول لهذه القاعدة يعتمد على قدرتها في تجاوز التحديات التي تحدثنا عنها في المقال.
اقرأ أيضاً: لماذا تحولت قضية بئر المياه إلى احتجاجات واسعة في عين منين؟









