المجتمع السوري

وضع حد أقصى لأجرة العامل السوري في لبنان: العودة أم تحمل العنصرية؟

بقلم هلا يوسف

لم يكن لبنان بلداً جاراً فقط بالنسبة للسوريين، كما لم تكن سوريا بلداً غريباً عن اللبنانيين. إذ لطالما جمع بين هذين البلدين الثقافة والسياحة والتنوع وعلاقات اجتماعية كبيرة بين العائلات. وهذا ما جعل من لبنان ملجأ للكثير من السوريين عقب اندلاع الثورة السورية، وحضن آمن للهاربين من أوضاع أمنية واقتصادية غير مستقرة. إلا أن موجات العنصرية اتجاه اللاجئين السوريين لم تتوقف، من قضية الشوكلامو إلى الاعتداء الواضح والصريح لهم.

وحتى بعد عودة الكثير من السوريين إلى بلدهم بعد التحرير، لم يسلم ما تبقى منهم من الخطاب العنصري، ربّما آخرها عبر نشر لافتات تدعو إلى عدم تشغيل السوريين بأكثر من 25$، وتحت طائلة المسؤولية، كما في بلدية الدوير بشكل رسمي!

هذا تماماً ما قالته فتاة سورية فضلت “عدم الكشف عن اسمها” “لسوريا اليوم 24″، إذ كانت تعمل في إحدى وكالات الإعلام في لبنان، حيث قالت أن “الراتب لا يتجاوز 100 دولار، ونأخذه مع منية كمان”. وأضافت أن العنصرية تظهر في طريقة الكلام والتصرف مع السوريين، على الرغم من أنهم يعملون بجهد كبير، ويأخذون أجرة تعبهم. لذلك فضلت مواجهة الوضع الاقتصادي السيء في سوريا، على الدولارات التي تقبضها في لبنان.

هذا يطرح عدة أفكار تستوجب التوضيح، أولها أسباب العنصرية اللبنانية اتجاه السوريين، وثانيها حجم اعتماد الاقتصاد اللبناني على السوريين، وآخرها المقارنة السريعة بين المعيشة في لبنان وسوريا بالنسبة للمواطن السوري.

ما أسباب العنصرية؟

من غير المعقول اختصار أسباب العنصرية اتجاه السوريين في سبب واحد، إذ يوجد عدة أسباب وراء ذلك بحسب الدكتور أنطوان مسرة، أستاذ علم الاجتماع والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، الذي أكد أن العامل الأول هو الشعبوية السياسية، إذ يعتقد أن بعض السياسيين يستخدمون قضية اللاجئين لإثارة مخاوف الناس وكسب التأييد الشعبي، عبر خطاب يعتمد على استثارة الغرائز أكثر من اعتماده على الحقائق. ويؤكد أن هذه الظاهرة لا تقتصر على لبنان، بل أصبحت موجودة في عدد من دول العالم، حيث يتحول المواطنون إلى جمهور يتأثر بالشعارات السياسية أكثر من الوقائع.

أما العامل الثاني فهو الإعلام، الذي يرى مسرّة أنه لا يقدم صورة متوازنة عن الواقع، بل يركز في كثير من الأحيان على الأخبار السلبية والأرقام المثيرة، متجاهلاً الدراسات والوقائع التي تساعد الجمهور على فهم القضية بصورة أشمل.

بينما يعتبر العامل الثالث المتمثل “بتلوث الذاكرة الجماعية” الأخطر من بين العوامل الثلاثة. ويوضح أن المجتمعات العربية لم تنجح في معالجة آثار الصراعات التاريخية وبناء ذاكرة مشتركة تقوم على المصالحة، عكس تماماً ما قامت به الدول الأوروبية التي عملت بعد الحروب على ترسيخ ثقافة التعايش بين الشعوب، وهو ما ساهم في تقليل النزاعات بينها.

الإعلام… بين نقل الواقع وصناعة الصورة

أحد أبرز الانتقادات التي طُرحت خلال السنوات الأخيرة يتعلق بدور بعض وسائل الإعلام اللبنانية في تغذية الخطاب المعادي للاجئين. فقد تعرضت بعض المؤسسات الإعلامية لانتقادات بسبب تركيزها المستمر على أعداد اللاجئين، وربطهم بمشكلات مثل البطالة والتلوث وحتى انتشار بعض الأمراض، وهي تقارير أثارت اعتراضات واسعة من صحفيين وحقوقيين اعتبروها تفتقر إلى الأدلة العلمية وتسهم في نشر الكراهية.

العامل الاقتصادي السبب الأبرز

يشعر كثير من اللبنانيين بأن العامل السوري ينافسهم على فرص العمل، حتى مع تدني أعدادهم عقب التحرير. إذ يشير الإعلامي اللبناني ماهر مجذوب أن العمالة السورية كانت موجودة في لبنان منذ عقود، أي قبل الثورة السورية، وكانت تشكل جزءاً أساسياً من قطاعات الزراعة والبناء والخدمات.

ويضيف أن كثيراً من أصحاب العمل يفضلون توظيف العامل السوري لأنه يقبل بأجور أقل، وساعات عمل أطول، وغالباً من دون ضمان اجتماعي أو تأمين صحي، وهو ما يجعل المنافسة غير متكافئة، لكن المسؤولية في رأيه تقع على الدولة التي لم تنظم سوق العمل بشكل عادل، وليس على اللاجئ نفسه.

ويرى مجذوب أيضاً أن بعض مظاهر العنصرية تتجاوز الجانب الاقتصادي لتأخذ أبعاداً دينية أو طائفية، إذ تختلف طريقة التعامل مع اللاجئين بحسب انتماءاتهم الدينية أو حتى مظهرهم، معتبراً أن هذه الممارسات تعكس نظرة دونية لا تليق بمجتمع يفترض أنه يحترم التنوع.

من المسؤول؟

يستغرب خالد رعد، رئيس لجنة التنسيق والمتابعة السورية ومدير مكتب التربية والتعليم التابع للحكومة السورية في لبنان، الأوصاف المهينة التي أطلقت أحياناً على السوريين، مؤكداً أنها تتعارض مع القيم الأخلاقية والعلاقات التاريخية بين الشعبين.

ويتساءل رعد: إذا كان الوجود السوري سبباً في تدهور الاقتصاد، فلماذا شهدت بعض القطاعات انتعاشاً خلال سنوات الاعتماد الكبير على العمالة السورية؟ كما يشير إلى أن مئات آلاف العائلات السورية كانت تنفق المساعدات الدولية داخل الأسواق اللبنانية، مما يعني أن جزءاً كبيراً من تلك الأموال عاد ليستفيد منه الاقتصاد المحلي.

عندما أصبح السوريون جزءاً من الاقتصاد

إذا اتجهنا نحو الدراسات، فإن معظمها يشير إلى أن السوريين أصبحوا خلال أكثر من عقد جزءاً أساسياً من سوق العمل اللبناني، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الأعمال الشاقة أو الموسمية.

وتفيد تقارير منظمة العمل الدولية بأن الاقتصاد اللبناني كوّن بشكل غير مباشر، نموذجاً يعتمد على العمالة السورية منخفضة التكلفة، سواء في الزراعة أو البناء أو الخدمات، وهو ما جعل وجودها عاملاً مهماً في استمرار كثير من الأنشطة الاقتصادية.

وتظهر بيانات تقييم أوضاع اللاجئين السوريين لعام 2025 أن أكثر من 90% من السوريين العاملين في لبنان كانوا يشغلون وظائف منخفضة الأجر وعالية الجهد، بينما شكلت الزراعة نحو 22% من مصادر دخل الأسر السورية، مقابل نحو 15% لقطاع البناء، بالإضافة إلى عمل آلاف آخرين في المطاعم، والتنظيف، وورش الصيانة، وخدمات التوصيل.

لكن هذه الصورة لم تدم على حالها، فمع تسارع عودة السوريين إلى بلادهم منذ عام 2025، بدأ الاقتصاد اللبناني يواجه واقعاً جديداً، تمثل في نقص اليد العاملة في بعض القطاعات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول مدى اعتماد لبنان الفعلي على هذه العمالة، وما إذا كان قادراً على تعويضها.

حيث بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح مع العودة السريعة للسوريين إلى بلادهم عقب التحرير. فبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد أكثر من مليون سوري خلال عام 2025 من دول الجوار، بينهم مئات الآلاف من لبنان، بينما تشير السلطات اللبنانية إلى أن عدد المغادرين تجاوز 500 ألف شخص خلال العام نفسه، بينهم مسجلون لدى المفوضية وآخرون كانوا يقيمون بصورة غير نظامية.

ويرى محللون اقتصاديون أن المشكلة لا تكمن في عدد المغادرين فقط، بل في سرعة خروجهم، إذ لم تكن هناك خطة حكومية أو بدائل جاهزة لتعويض النقص في اليد العاملة، خاصة في القطاعات التي اعتمدت لسنوات طويلة على العمال السوريين.

هل كانت العودة طوعية فعلاً؟

على الرغم من أن الأمم المتحدة وصفت عمليات العودة بأنها “طوعية”، إلا أن كثيراً من الخبراء يرون أن الواقع أكثر تعقيداً. حيث توضح ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم مفوضية اللاجئين في لبنان، أن عدداً كبيراً من السوريين عادوا لأنهم لم يجدوا بديلاً آخر في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان، مؤكدة أن كثيرين اتخذوا قرار العودة تحت ضغط الظروف، وليس لأن جميع أسباب اللجوء قد زالت.

وتضيف أن المفوضية تقدم دعماً للعائدين يشمل مساعدات مالية ونفسية وقانونية، لكن هذه المساعدات تبقى مؤقتة، بينما لا تزال سوريا تواجه تحديات كبيرة تتعلق بفرص العمل والخدمات الأساسية والسكن.

كما تؤكد أن آلاف اللاجئين ما زالوا مترددين في العودة بسبب الغموض المحيط بالأوضاع الأمنية والتعليمية والمعيشية داخل سوريا، ولذلك سيبقون بحاجة إلى الحماية والمساعدات الإنسانية.

سوريا أيضاً تواجه تحديات كبيرة

مع أن أعداد السوريين العائدين كبيرة، إلا أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه أزمة إنسانية معقدة. إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 16.7 مليون شخص داخل سوريا ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما يعيش نحو 90% من السكان في ظروف اقتصادية صعبة، ويقع ملايين السوريين تحت خط الفقر، مع استمرار ضعف الخدمات وفرص العمل في كثير من المناطق.

ولهذا السبب، عاد بعض السوريين الذين غادروا لبنان إلى سوريا، ثم اضطروا إلى العودة مجدداً إلى لبنان بعد أن اكتشفوا أن ظروف المعيشة لم تتحسن بالشكل الذي كانوا يأملونه.

مقارنة بين دخل السوري في لبنان وسوريا

لفهم الصورة بشكل أعمق وأكثر واقعية، لا بد من النظر إلى الفارق بين دخل السوري في لبنان وسوريا في المعيشة اليومية، فالعامل السوري في لبنان يحصل غالباً على دخل يتراوح بين 250 و300 دولار شهرياً، وقد يقل في بعض الأعمال غير الرسمية أو الموسمية، بينما يبلغ متوسط الدخل في سوريا ما يقارب 100 إلى 120 دولاراً شهرياً، مع اختلافات بسيطة بحسب القطاع وطبيعة المهنة.

لكن هذا الفرق في الدخل لا يكفي وحده لفهم الواقع المعيشي، لأن تكلفة الحياة تختلف بشكل كبير بين البلدين. ففي لبنان، تصل تكلفة المعيشة للفرد الواحد إلى نحو 1315 دولاراً شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية من سكن وطعام ومواصلات وخدمات، بينما لا تتجاوز في سوريا حوالي 564 دولاراً شهرياً، أما على مستوى العائلات، فتصل التكلفة في لبنان إلى نحو 3226 دولاراً شهرياً، في حين تبلغ في سوريا حوالي 1331 دولاراً، مما يعني أن لبنان أعلى تكلفة بشكل واضح يتراوح بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بسوريا، رغم أن الدخل فيه أعلى نسبياً.

وعند وضع الدخل مقابل هذه التكاليف، تتضح الصورة الحقيقية للقدرة الشرائية، ففي لبنان، ورغم أن بعض العمال قد يصل دخلهم إلى نحو 650 دولاراً في أفضل الحالات، إلا أن هذا الدخل يبقى أقل بكثير من تكلفة المعيشة، مما يعني وجود عجز شهري قد يصل إلى نحو نصف الدخل تقريباً، أي أن العامل يعيش تحت ضغط اقتصادي دائم لا يغطي احتياجاته بالكامل. أما في سوريا، فرغم أن تكلفة المعيشة أقل بكثير، إلا أن الدخل نفسه منخفض جداً، إذ يبلغ في بعض الحالات حوالي 80 دولاراً فقط، مقابل تكلفة قد تصل إلى 500 دولار، ما يجعل الفجوة أكبر ويضع الأسر في حالة فقر شديد وصعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

لهذا فأغلب الذين يبقون للعمل في لبنان، يتركون أسرهم تعيش في سوريا.

باختصار، يقدم لبنان دخلاً أعلى لكنه يصاحبه ارتفاع في تكاليف المعيشة، بينما تقدم سوريا كلفة معيشة أقل لكن مع دخل ضعيف جداً، وهذا تماماً ما يجعل قرار السوري بين العودة أو البقاء في لبنان رهن الظروف الخاصة بكل أسرة، والتخطيط الذي ترسمه سواء في قرار البقاء أو العودة. وهذا ما يجعل السوري أمام معضلة جديدة لا يستطيع حلها، مع العلم أن تحسين الاقتصاد السوري كفيل بحسم القرار للكثير من المغتربين ليس في لبنان فقط، بل في كل دول العالم.

اقرأ أيضاً: بين الإنكار والممارسة.. كيف تتشكل العنصرية في المجتمعات؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى