المجتمع السوري

العالم على حافة الصمت الرقمي!.. ماذا لو انقطع الإنترنت؟

بقلم: ريم ريّا

كل يوم نتابع أخبار الحرب الإيرانية – الأمريكية منذ بدايتها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو شاشات التلفزة، ونُقلب في الشبكة العنكبوتية بين خبر هنا وآخر هناك، لكن ماذا لو كانت إحدى ضحايا هذه الحرب الدائرة “شبكة الإنترنت”؟.. ماذا لو انقطع الإنترنت فجأة عن سوريا، وربما بقية العالم؟

حقيقةً، في سوريا وكما سائر الدول الأخرى، الإنترنت لم يعد رفاهية بل عصباً يومياً يعتمد عليه الناس في أعمالهم وأدق تفاصيل حياتهم. إذ أصبح كل شيء مرتبطاً بالشبكة الرقمية. وأي انقطاع مفاجئ فيها لن يكون مجرد عطل مؤقت سيتم إصلاحه في أسرع وقت أو تباعاً، بل سيغدو اختباراً حقيقياً لهشاشة البنية التحتية التي تحمل هذا العالم الرقمي.

ليبرز السؤال اليوم: في خضم هذه اللحظات الخانقة للعالم أجمع، هل يمكن لهذه الحرب أن تجعل سوريا والدول المجاورة بلا اتصال بالإنترنت، وأن تتوقف حياتنا اليومية فجأة في هذه البلاد، ونعود إلى المكالمات الهاتفية والرسائل النصية؟

عالم متصل أكثر مما نظن.. هل يمكن أن يختفي الإنترنت فجأة؟

بحلول عام 2025 وصل عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم إلى ما يقارب 6 مليارات إنسان، أي بنحو 74% من سكان الأرض. وفقاً لتقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات. هذه الأرقام تعني أن الاتصال لم يعد رفاهية تقنية كما كان في تسعينيات القرن المنصرم، بل بنية أساسية للعصر الحديث.

الأمر أبعد من تصفح المواقع أو متابعة الأخبار، ولا يتوقف عليه حتى. فوسائل التواصل الاجتماعي وحدها تضم ما بين 5.24 و5.66 مليار مستخدم نشط، ما يعني أن أكثر من ثلثي البشرية يستخدمون الإنترنت تقريباً. بل إن الاقتصاد العالمي نفسه بات يعتمد على هذا الاتصال المستمر، تمر يومياً تريليونات الدولارات من المعاملات المالية عبر شبكات رقمية مرتبطة بخوادم موزعة في قارات مختلفة.

كذلك، أنظمة الطيران، النقل البحري، إدارة الموانئ، وحتى الحجز الفندقي، وصولاً إلى تشغيل شبكات الكهرباء والمياه أصبحت مرتبطة ببنية رقمية تعمل على مدار الساعة. لذلك، فإن توقف الإنترنت لم يعد يعني فقط اختفاء تطبيقات التواصل أو تعطيل البريد الإلكتروني، بل اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. بشكلٍ أبسط: الإنترنت لم يعد تلك الخدمة الإضافية للحياة اليومية، بل أصبح العصب الخفي الذي يحمل ويُشغل العالم بأكمله.

أما في سوريا فتشير البيانات الأخيرة عام 2025 إلى تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا حاجز 9 ملايين مستخدم. وسط حال متقلبة للإنترنت وأقرب إلى المعقدة في البلاد، تبعاً لكونها تتأثر بالعوامل  الاقتصادية ومحدودية البنية التحتية. الشبكة موجودة لكنها غالباً بطيئة وغير مستقرة، تحديداً في المناطق الريفية، أما في المدن الكبرى السرعات أفضل نسبياً.

الإنترنت موجود في مختلف جوانب حياة الناس في سوريا، بدايةً من الأعمال والخدمات، فبعض الشركات والمؤسسات تعتمد على الإنترنت في المعاملات المصرفية، والتسويق الإلكتروني والبيع والشراء عبر المنصات المحلية، إلى جانب أن المعاملات الحكومية لاسيما في مراكز خدمة المواطن أغلبها يتم عبر الإنترنت من استخراج وثائق بسرعة وما شابه ذلك.

كذلك يدخل بعض الشيء بالجانب التعليمي وإن كان ليس بشكل رسمي، فالإنترنت مصدر رئيسي للبحث العلمي، والدورات التعليمية. فضلاً عن أن معظم السوريين يستخدمون فيسبوك، انستغرام، تلغرام، واتساب وغيرها من المنصات الرقمية للتواصل مع العائلة والأصدقاء ومن هم في الخارج. والأهم حالياً، أن الشعب السوري يتابع بكثرة الأخبار المحلية والدولية من خلال الإنترنت أكثر من التلفزيون أحياناً، لأنه يتيح الوصول لمصادر متعددة ومقارنة الروايات.

اقرأ أيضاً: المال في زمن الحرب.. كيف نحمي أصولنا في منطقة لا تهدأ بالصراعات؟

كيف يمكن للحرب أن تعطل الإنترنت في العالم؟

منذ نشأة الإنترنت خلال الحرب الباردة، صمم ليكون أساساً شبكة لا مركزية مقاومة للأعطال، إذ أن بنيته المادية تكشف مفارقة مثيرة للقلق. أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية تمر عبر كابلات ألياف ضوئية بحرية تمتد في قاع المحيطات لمسافة تتجاوز 1.3 مليون كيلومتر. هذه الكابلات هي العمود الفقري الحقيقي للإنترنت في العالم.

في الشرق الأوسط، تمر إحدى أهم نقاط الاختناق في العالم عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يعبر أكثر من 17 كابلاً بحرياً يربط آسيا بأوروبا، مثل كابلات الاتصالات الدولية التي تنقل الجزء الأكبر من البيانات بين القارتين. أي تخريب لهذه الكابلات قد يؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 80% من سعة الإنترنت في دول الخليج ومصر والأردن خلال ساعات.

نقطة حساسة أخرى تطل في عالم كابلات الإنترنت، إنه مضيق هرمز، حيث تمر كابلات تربط شبكات الإنترنت في الإمارات وعُمان وإيران والعراق ببقية الشبكة العالمية. ففي حال تحول الصراع العسكري الإيراني – الأميركي قرب الخليج إلى مواجهة بحرية واسعة، فإن النشاط العسكري المُكثف قد يجعل إصلاح أي كابل متضرر مستحيلاً لأسابيع أو حتى لأشهر.

في الواقع، الخطر لا يتوقف عند الكابلات البحرية فقط. فهناك أيضاً مراكز تبادل الإنترنت (IXPs) ومراكز البيانات الضخمة التي تدير حركة المرور الرقمية. هجوم سيبراني واسع أو تعطيل تقني لهذه المراكز يمكن أن يؤدي إلى شلل كامل للشبكات الداخلية حتى لو بقيت الكابلات البحرية سليمة. وهنا يظهر الوجه الحقيقي للإنترنت “شبكة تبدو افتراضية، لكنها في الواقع بنية مادية حساسة يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في زمن الحروب”. شبكة افتراضية نعم لكن نسجت خيوطها في واقعنا وباتت عصب حياتنا الرئيسي.

في حال أدى الصراع إلى تعطل الكابلات البحرية أو الكابلات التي تزود سوريا بالإنترنت، فإن الانقطاع سيتسبب بتأثيرات واسعة على عدة جوانب ستشمل الحياة اليومية والخدمية، إذ سرعان ما ستتأثر الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على الإنترنت مثل التسويق الإلكتروني وسيتضرر عمل بعض المؤثرين على الإنترنت، وقطاع تحويل الأموال والتعاملات التجارية البسيطة  المرتبطة بالمنصات الرقمية، والتعاملات الحكومية الرسمية التي تعتمد على شبكة الإنترنت، ما سيتسبب بشلل في البلاد.

ستضرر كذلك المنصات والمواقع الإخبارية الإعلامية الرسمية والخاصة، وسيتراجع على إثر ذلك تدفق الأخبار والمعلومات المتنوعة، مما سيعيد الناس للاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية. كذلك ستتأثر العلاقات الاجتماعية وتنقطع الصلة بشكل شبه تام مع المغتربين.

سوريا في المقدمة.. الدول الأكثر عرضة لانقطاع الإنترنت

في حال حدوث اضطراب واسع في الشبكة، لن تتأثر الدول بالطريقة نفسها. فالدول التي تمتلك مسارات اتصال متعددة ومراكز بيانات وطنية تستطيع الحفاظ على اتصال جزئي على الأقل. لكن الدول المعتمدة على مسارات محدودة أو بنية تحتية قديمة ستكون أكثر عرضة للعزلة الرقمية.

ما يجعل الصورة في سوريا أكثر هشاشة، أن البنية التحتية للاتصالات قد تعرضت لسنوات طويلة للاستنزاف، والبلاد تعتمد على مسارات محدودة عبر لبنان والأردن وتركيا، إضافةً إلى كبل بحري واحد من قبرص. وحسب التقديرات التقنية التي نقلها المختص “علاء درويش”، فإن احتمال حدوث انقطاع واسع قد يصل إلى نحو 80% في حال تصاعد النزاع الإقليمي ما يجعل سوريا تقع بما يعرف “بالمنطقة الحمراء”. المشكلة هنا ليست فقط عدد الكابلات، بل مركزية الشبكة الداخلية وتهالك بنيتها، ما يعني أن استهداف محطة رئيسية واحدة قد يؤدي إلى انقطاع الإنترنت عن محافظات كاملة خلال وقت قصير.

في الشرق الأوسط يمكن تقسيم المخاطر تقريباً إلى ثلاث فئات، التقسيمات والنسب بحسب الخبير “علاء درويش”:

  • الأردن يعتبر أكثر الدول استقراراً في المنطقة من ناحية الاتصال نسبياً،يرجع ذلك إلى تنوع المسارات البرية والبحرية عبر السعودية وفلسطين وكابلات ألياف ضوئية دولية مثل مشروع JADI. لذلك يقدر احتمال الانقطاع الشامل بأقل من 15%، لكن مع بقاء احتمال حدوث بطء أو ازدحام في الشبكة.
  • العراق يمتلك ربط بري وبحري مع تركيا والكويت وإيران، متنوع أجل، لكن الخطر الأكبر فيه ليس تقنياً بل سياسياً. ففي حال تحول أراضيه إلى ساحة مواجهة مباشرة، قد تلجأ السلطات إلى قطع الإنترنت لأسباب أمنية، كما حدث في أزمات سابقة.
  • سوريا ولبنان فيقعان ضمن ما يسميه بعض المختصين “المنطقة الحمراء”. لبنان يعتمد بدرجة كبيرة على كابلات بحرية في المتوسط مثل IMEWE وCADMOS، ما يجعل احتمال الانقطاع يصل إلى 70% في حال استهداف محطات إنزال الكابلات في بيروت أو طرابلس.

هل نعود إلى ما قبل الشبكة؟

في حال حدث سيناريو قطع الإنترنت الموسع، فلن يختفي الإنترنت في كل مكان بالطريقة نفسها. فبعض الدول سوف تستمر بشبكات محلية محدودة، وأخرى ستعتمد على الإنترنت الفضائي، بينما تجد دول كاملة نفسها خارج الشبكة العالمية خلال ساعات.

ربما سوريا ستكون من الدول التي ستجد نفسها خارج الشبكة العالمية، تبعاً للبنية المتهالكة والقديمة لديها، والتي تحتاج إلى صيانة عميقة لإصلاح الأعطال وضعف الشبكة وتفاوت قوة الإنترنت بين المحافظات السورية. لكن يبرز لدينا حل مؤقت بدأ بالدخول إلى سوريا بشكل قوي مطلع العام الفائت 2025، وهو الإنترنت الفضائي لكنه ما زال يواجه بعض الإشكاليات في التطبيق ومن بينها الأسعار الخيالية التي تطلب في بعض المحافظات، وكنا قد أفردنا مقالاً مفصلاً عنه “الإنترنت الفضائي في سوريا بين الحلم والسعر والقانون!“.

لكن السؤال الحقيقي يتجاوز الجانب التقني، السؤال الأجدر هو كيف سيتعامل البشر، في سوريا وفي غيرها، مع عالم فقد فجأة بنيته الرقمية التي يعتمد عليها في التجارة والعمل والتواصل؟. عندها قد يكتشف كثيرون حقيقة بسيطة لكنها مزعجة، العالم الذي اعتاد التواصل الفوري، والعمل عن بعد، والخدمات الرقمية، قد يضطر فجأة للعودة إلى وسائل بدت قديمة… المكالمات الصوتية، الرسائل النصية، وربما انتظار الأخبار كما كان يحدث قبل عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى